في السبعينات مررنا بحادثتين فارقتين في تاريخ الإسلام في العصر الحديث، الأولى حادثة اختطاف واغتيال الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف على يد جماعة شكري مصطفى؛ التي أسماها هو (جماعة المسلمين) واشتهرت بين الناس بجماعة التكفير والهجرة. والثانية حادثة جهيمان العتيبي واستيلائه وجماعته على الحرم المكي وبه حوالي 100 ألف مصلٍ، ومقتل المئات عند دخوله الحرم، وعند إخراجه منه. وفي كلتا الحادثتين نظر المسلمون والعالم أجمع نحو علماء الدين الإسلامي وشيوخه؛ ليستطلع رأيهم في هذه الجرائم، وهل هي مبررة في الإسلام أم هو منها براء؟ وكان الحديث في الأمر كله ديني وأمني، وليس للسياسة فيه من نصيب.

لكن موضوع اغتيال جمال خاشقجي هو جريمة قتل ذات أبعاد سياسية فقط، وليس للقصة أي جانب ديني. فالرجل لم يترك بلاده أو يعارض حكامها على أساس من اختلاف في الدين أو تضارب بالعقيدة، بل لمعارضته ورفضه لأسلوب إدارة المملكة. فهو في البداية كان جزءًا من النظام الحاكم ومواليًا كبيرًا له، ثم انتقل إلى المعارضة المهذبة جدًا، وغادر إلى المنفى الاختياري في الغرب الآمن ليتمكن من التعبير عن رأيه السياسي بحرية أكبر؛ ويقدم النصائح لولاة الأمور من بعيد.

إلى هنا والموضوع برمته سياسي بحت، القتل تم والسعودية اعترفت رسمًيا، والضحية والقاتل ومكان وقوع الجريمة كله داخل نطاق المسلمين، فما الذي جر الدين إلى الموضوع؟ ولماذا تديين الأمر وتصويره وكأنه عملية عسكرية ناجحة ضد أحد رؤوس الأعداء؟ ويخرج مفتي السعودية ومن قبله مشاهير السلفية السعودية ليحولوا الأمر إلى ديني بحت؛ ويطلبوا من الجميع نصرة ولي العهد والالتزام بالسمع والطاعة والولاء للملك، والبراء من كل من يطلب تفسيرًا لما حدث، بل التبرؤ من القتيل الذي كل جريمته أن دمه لوث بياض ثوب القاتل.

تسييس فج للدين وجره إلى معترك يجلب له كره الناس لأهله واشمئزازهم من تشبيه القاتل بعمر بن الخطاب كشاب ملهم، أو بخالد بن الوليد، أو غيره من كبار الصحابة. هذه التصرفات قد يذهب البعض إلى أنها تعطي مبررًا حقيقيًا للهجوم على الدين الإسلامي، ويصل الأمر إلى حد القول إنها تزيد من ظاهرة الإلحاد بين الشباب المحبط، لكن الحقيقة أن أكثر ما تفعله تلك، تصرفات رجال الدين، أنها تصب في خانة الغلو والتكفير والعنف.

فخروج رجال ورموز الدين هؤلاء شاهري سيوف التخويف لكل من يجرؤ على الاعتراض على الجريمة؛ يعطي مبررا لأصحاب الدعوات العنيفة بربط كل هؤلاء بما يحدث من جرائم في اليمن والعراق وسوريا وغيرها من البلاد التي تستغل كل أطراف الصراع فيها الدين لتبرير ذبح منافسيهم، وتشريع سقوط الضحايا العزل من الأبرياء.

أقوال رجال الدين ليست مجرد أحاديث للاستهلاك المحلي، بل هي تحمل أفكارا وأدلة دينية تكون لها مردودات عملية على أرض الواقع. فمع كل حشر للدين في السياسة يزداد عدد من يهاجرون إلى الجهة المقابلة رفضًا لهذا الحشر الفج. ومعظم من انخرطوا في صفوف التكفير و(داعش) بدأوا بالنقمة على رجال الدين الرسميين الذي استغلتهم السلطات في إضفاء الشرعية عليها ولو بغطاء ديني مزيف، وتحولت تلك البلاد إلى حمامات دم نراها ونسمع عنها كل يوم.

لم يكن خاشقجي مجرمًا محكومًا عليه وأحالوا أوراقه للمفتي ليأخذوا رأيه في إعدامه، ولم يعلنوا ردته عن الإسلام كما حدث مع غيره ليثور الجدل حول كفره أو إسلامه، أو حتى طلب أحد من رجال الدين أن يدلوا بدلوهم في موقف الإسلام من أفعاله قبل اغتياله.

هذا التدخل السافر من رجال الدين تبدأ تداعياته بهجر الشباب للمساجد، ويتجه كثير منهم نحو الأماكن التي تدعم رأيهم بأن هذا استهزاء بالدين. ويصبح الوصف المتداول بين الشباب لرجال الدين بأنهم منافقين وحتى كفار؛

ومساجدهم هي مساجد ضرار. ووصل الأمر بمناداة البعض على وسائل التواصل الاجتماعي بعدم الصلاة خلف شيوخ السعودية في الحرم والمسجد النبوي، والصلاة منفردين أو في جماعات صغيرة، لأن الأئمة استهزأوا بالدين وأهانوا الصحابة من أجل السلطان.

أقولها ثانية وثالثة؛ ارحموا الدين من استغلاله في السياسة لتبرير جرائم وتحقيق مكاسب، فليس مكانه هذا الابتذال القميء من يصنع العنف ويحرض على الإرهاب والتطرف هم من يدفعون الشباب إلى اليأس بأقوالهم وفتاواهم الممتلئة بالمال مثل كروشهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد