التقيته مرة واحدة، فى ندوة كان يتحدث عن لماذا يكرهون الإسلاميين؟ كان رأيه عاقلًا متزنًا، يبحث في حديثه دائمًا عن إيجاد المساحات المشتركة مع الآخر، ولا يميل إلى الصدام أبدًا، ويوقن أنه رغم الخلاف مع الآخر، فلابد دومًا من وجود آليات للتواصل، ويؤمن أن بقاء الأوطان يستلزم عدم التناحر بين أبنائه.

هكذا كان الرجل حكيمًا معتدلًا، كان لا يحب أن يسمى بالمعارض لبلده، ولكنه كان يحب أن يقال عنه إنه كاتب حر، يعبر عن رأيه بصراحة ويتمنى لبلده الخير والحياة الإنسانية الكريمة.

ورغم كل ذلك لم يشفع له كل هذا العقل والحكمة والاتزان وحبه وحرصه على وطنه، فإذا أضفنا إلى مشهد التخلص من خاشقجى مشهدًا آخر، وهو مشهد سجن العلماء والدعاة وأصحاب الفكر والرأي رجالًا ونساء داخل المملكة مع ردود الأفعال العالمية حتى الآن، فإن ذلك يعني عدة دلالات هامة نحتاج أن نتوقف عندها جميعًا.

أولًا: أثر الكلمة كبير.. فلا تستهينوا به

كل ما فعله خاشقجي هي كلمات، ومع ذلك فإن الأنظمة الضعيفة هي تلك التي تضيق ذرعًا ولا تتحمل أبدًا أي رأي يعارض سياستها، حتى لو كانت كلمات، ومن العجيب أن يكون ذلك في وقت العالم كله مفتوح، وأداء جميع الأنظمة في العالم واضح وتحت نظر الجميع، ومع ذلك لا يدرك هؤلاء أن العالم متغير، ولا يمكن منع أحد من التعبير عن رأيه إلا في أرض الخوف التي يحكمها هؤلاء، ولو تعقل هؤلاء الحكام لعلموا أنهم لو أسكتوا من في بلادهم، فلن يستطيعوا إسكات كل عاقل حر في العالم، يرى ويسمع أفعالهم أيًا كان بلده أو فكره، فمع سماء الإعلام المفتوحة، والسوشيال ميديا بتنوعاتها المختلفة، لم يعد بقدرة أي نظام مهما امتلك من أدوات أن يكبح جماح – أو أن يتحكم في – كل هذه المنافذ الإعلامية المفتوحة على العالم كله.

ثانيًا: إدارة حرفية للقضية

رأينا إدارة حرفية على مستوى عال في تصعيد للقضية من قبل أجهزة الدولة التركية؛ فهي تدرجت ببطء مقصود في طرح المعلومات؛ فأحدثت حالة من الترقب والاهتمام المتزايد، وسربت معلومات دون أن تؤكدها، وضيقت الخناق تدريجيًا على الجانب السعودي، فدفعته إلى التصرف بسذاجة وسطحية وارتباك، جعلت الجميع يتوجه إلى الجانب السعودي بالشك والريبة، ففي الوقت الذي تدير به الأجهزة التركية الدولة بهذه الحرفية، وتتلقف أخبارها أقوى قناة عربية وهي الجزيرة، فتتعامل بحرفية إعلامية عالية، وكذلك أقوى صحيفة إعلامية أمريكية وهي الواشنطن بوست، رأينا مشاهد كوميدية مضحكة، القنصل السعودى يستدعى وكالة رويترز ويفتح لهم إدراج مكتبه ليثبت لهم أن خاشقجي ليس فيها، ثم يعلن أن الكاميرات لا تسجل ليجعل القاصي والداني يضحك على إدارة السعودية للأزمة، فهل يعقل أن سفارة دولة بحجم السعودية كاميراتها لا تسجل، فكان أثر كل ذلك اهتمامًا عالميًا غير مسبوق وعلى جميع المستويات، فلا توجد دولة إلا وأبدت اهتمامها الشديد، طبعًا الدول الهامة ذات التأثير، وحتى الأمم المتحدة طالبت بتحقيق أممي.

الشاهد: إذا كان للقضية من يتعامل معها بحرفية، ويساعده إعلام محترف، فتسويق القضية وتأثيرها يكون كبيرًا.

ثالثًا: الصمت العربي

لا توجد دولة عربية واحدة علقت على موضوع خاشقجي، أو حتى أعربت عن قلقها، أو حتى طالبت بتحقيق وإظهار الحقائق، فهل تجنب الجميع للتعرض للمملكة السعودية يجعل حتى الجانب الإنساني في القضية لا قيمة له؟ في المقابل تقريبًا كل الدول الغربية ذات التأثير تتفاعل على أعلى المستويات، وتحذر من عواقب وخيمة على السعودية إذا ثبت أنها متورطة في قتل خاشقجي، القاتل عربي والمقتول عربي والرافض للجريمة غربي، حتى الشعوب العربية – باستثناء وقفة في إسطنبول – لم نسمع لها صوتًا.

إن ملعب التأثير في وجهة نظري الآن هو الحكومات والشعوب الغربية، هذا لمن أراد أن ينشر ويسوق قضيته، أما الشعوب العربية فيبدو أنها منهكة مما عانته وتعانيه.

رابعًا: الله غالب

نعم، إنها إرادة الله، هل يعقل أن تقع دولة كبيرة بحجم السعودية وأجهزتها القوية في هذه الأخطاء الساذجة، لتكون فضيحتها على رؤس الأشهاد، إنها إرادة الله، (وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له)، أراد أن يفضح هؤلاء الظلمة، فساقهم وبأيديهم إلى ما فعلوا؛ ليتحقق قوله تعالى: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد