اختلطت أوراق كثيرة في قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي منها الأخلاقي والسياسي، ومنها الاقتصادي والقانوني والجنائي، وتداخلت فيها حتى العلاقات الشخصية.

تباين هذه الأوراق مع عدم ظهور الجثة تسبب في تأخير حسم القضية وعرقل إغلاقها، والجميع انتظر طويلًا الوصول إلى نقطة دفن الراحل جمال خاشقجي باعتبارها ساعة الصفر التي ستُحدِث التفاعلات النهائية وتُنتِج القرارات – أو الصفقات – الأخيرة وتُجير القصة كلها مع جثمانه للدار الآخرة.

الآن وبعد أن وصلنا إلى استنتاج مؤكد ومُثير يفيد إذابة الجثة بالأحماض وتسييلها في الصرف الصحي، فإننا نكون دخلنا في مسارات مختلفة وحقائق ينبغي اثباتها حتى لا تأخذنا التفاصيل، وتحرفنا عن الرؤية الكاملة والحقائق المجردة والتقييم الواضح.

بداية ينبغي عدم تجاوز مدى بشاعة الجُرْم تخطيطًا وتنفيذًا، والتأكيد على خطورته في احتقار الإنسانية، والإجرام في حق الصحافة والكلمة، كما تستحق الجريمة بهذه التفاصيل المروعة وصف (جريمة القرن)، ويستحق فاعلوها النعت بتَوحُّش يجاوز رجال العصابات وعتاة القتلة والمجرمين.

أبانت الأحداث هشاشة أنظمة الاستبداد في العالم العربي؛ فمملكة آل سعود العتيدة يصنع ملوكها ويتحكم فيهم ويعينهم ويعزلهم صبية الغرب، وتنتظر هيئة البيعة في آل سعود رؤيتهم وقرارهم.

كشفت كذلك عمق فجوة الوعي لدى الشعوب العربية فضلًا عن تغيبها وهروبها من المشهد، فما رآه الشعب السعودي في الشهور الأخيرة من حكامه وأولياء أمره العجب العجاب، فالاسلاميون الذي رضوا بآل سعود كونهم محافظين على الدين وخُدَّام الحرمين، رأوهم حربًا على الدين والصحوة والالتزام بدعوى التطور والإصلاح وإرضاء الغرب، والقوميون الذين يتبعون آل سعود كونهم (عيال قبائل) وأصحاب نخوة عربية رأوهم قتلة مارقين، حتى علاقاتهم البينية كأمراء في حقيقتها علاقة تناحُر تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، ومَنْ راهن على (وِلْد) سعود، وانتظر أن يستمر الخير على أيديهم، فالحال ضاع، وذهب ترامب وإيفانكا بالخير كله، وبقي حظهم منه الفقر والحاجة، ومَنْ رضي بظلم آل سعود طالما طويل العمر ما قصر في مواجهة المد الشيعي شاهدوا الحوثيين أذيال الشيعة يطأون آل سعود بأقدامهم، ومن حَافَظَ على بيعة آل سعود بدعوى كونهم ملوكًا أعزاء أصحاب شكيمة رآهم ماعزًا لا نخوة لهم في اسطبلات الغرب. أما أتباع آل سعود باعتبار (اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش)؛ فلا أتمنى أن يكون هؤلاء هم جُل الشعب السعودي الآن، وإلا فلا حديث عن غضبة أو حراك أو نخبة مؤثرة حتى لا نستدعي ميت أو نخاطب مفقود.

ما سبق هو ما كشفته الأحداث في الداخل السعودي، وهو نموذج يقبل تعميمه على المشهد العربي وربما الإقليمي بأثره، بقي أن نجتر سويًا حقائق أظهرتها الأحداث كذلك في المشهد الدولي الخارجي، ومنها:

هذه الجريمة على مواطن العجب والتوحش فيها كشفت عن انتهازية الغرب وعبثه بكل ادعاءاته من القيم في تعامله مع المملكة، بما يضاف إلى سجل الغرب الأسود وأياديه القذرة ومسؤوليته الكاملة والحقيرة عن كل ما يصيب أمتنا من خلال رعايته الآثمة لحكامنا الخونة الأوغاد.

ماذا صنع الغرب وماذا يفعل حاليًا مع ما تبدى من حقائق لجريمة بهذا السفور والتوحش؟! سلوك الغرب من أقصى المتحمسين لأقصى الهادئين يوحي بأن الهدف لم يكن الاعتراض على قتل خاشقجي أو إزهاق روح لمجرد أنه معارض، وليس احترامًا لحق الصحافي مزاولة مهنته، إنما الاعتراض على الطريقة والمكان.

الغرب لم ولن يطالب المملكة ونظامها بتحول ديمقراطي حقيقي مع قدرته على ذلك!، كما لم ولن يشير الى القاتل الحقيقي ولا المنظومة التي تم القتل باسمها، وكأن رد الفعل الغربي على تباينه يرغب فقط بإجراء لستر العورة ودفن الجثة ومعها الحقيقة والقيم.

إذًا فلتمارس حكوماتنا القتل، ولتهنأ دول المشرق بفجر الخصومة، ولتتسابق في ميادين الإذلال والقهر، ولا بأس أن يكون القتل في الشوارع أو مخافر الشرطة أو أقبية التعذيب أو على منصات القضاء، أما غير ذلك فسننتفض وندين، أي أن الفعل مقبول، لكن وجه الاستنكار ربما في الطريقة والمكان!

في واقع كهذا هل مازالت دعاوى الأخلاق تعمل؟ وما شكل الواجب الأخلاقي في مثل هذه الحالة؟

أعتقد أن الحد الأدنى من دعوى الأخلاق والقيم يقتضي لعن الاستبداد ومواجهة المستبدين. أما تحويل القضية والملف – على بشاعته – لفزورة سخيفة يعلم القاصي والداني إجابتها فهو تَحلُلٌ من استحقاقات الواجب والأخلاق والقيم.

ألا يقتضي مثل هذا الملف تجاوز مسألة بقاء ابن سلمان لما هو أولى وأحق؟ هل ستتوقف آليات الإجرام والتنكيل بذهابه؛ وهي التي لم تبدأ بحضوره؟ أين موقع آل سعود من تاريخ طويل يعلمه الغرب من دماء أُرِيقت ورؤوس نُحِرت؟

أليست الجريمة في حقيقتها خطيئة نظام ودولة وليست أفراد، والقاتل هو النظام السعودي؟ أم أن آل سعود يسعون في تبرئة ابن سلمان وتقديم كبش فداء من صبيته القتلة، والغرب يسعى بمنتهى الهمة في تبرئة آل سعود كنظام منها؟

هل يمكن أن نُقصِر إجرام التحالف في اليمن على شخص ابن سلمان ونعفي آل سعود كنظام من المسؤولية؟ وهل اعتقال العلماء والمثقفين في المملكة خطيئة يتحملها هذا الغر الطائش بينما يهنأ نظام آل سعود كله بالعفة والنزاهة واحترام حقوق الإنسان؟ وهل مشروع حصار قطر وكل المشاريع الطائشة تخص ابن سلمان أم تتبناها العائلة الحاكمة؟

لا أريد أن أقدم إجابات بديهية لأسئلة ساذجة في القضية عن أدوار وزارة الخارجية وسفاراتها وقنصلياتها ووزارة الداخلية بمنسوبيها، ووزارة العدل برموزها وقضاتها فضلًا عن أركان النظام السيادية في المخابرات والإعلام.

من الحقائق الثابتة أن الغرب والولايات المتحدة يلخصان علاقتهما مع الشرق الأوسط في محورين اثنين هما إسرائيل والنفط، وبما أن السعودية تمثل مخزن النفط وخزينة دولاراته، كما أن محمد بن سلمان هو أكثر حكام السعودية هرولة في اتجاه إسرائيل ليس فقط تطبيعًا بل تأييدًا وتنفيذًا لأجندتها حتى المتطرف منها.

من هذا الباب أعتقد أن الغرب وتحديدًا اللوبي الصهيوني اعتبر مأزق ابن سلمان فرصة ومصلحة، إذ إن ولي العهد – في انكسارته الحالية – يقبل بخطوات عاجلة ونوعيه في كل ما يريده الغرب وإسرائيل في مقابل أن يُعفَى من المسؤولية ويتجاوز الحدث ويغسل يديه من دم خاشقجي ويغسل معه إرث آل سعود من الاستبداد القتل والقهر.

لن يمانع الأمير المحصور بفتح سفارة لإسرائيل في الرياض أو حتى مكة إن كان في هذا نجاته، وسيقبل بتعرية نساء آل سعود فضلًا عن نساء السعوديين إن كان ذلك شرطًا لبقائه واستمراره، وسيفتح سفارة لمملكته في القدس كرامة لجاريد كوشنر إذا وعده الصهيوني الأمريكي بجواز مرور الى المُلْك السعودي، وسيفتح شاطئًا للعراه في جِدِّة وينقل منه حفل تنصيبه ملكًا على الهواء مباشرة إرضاء للغرب وإسرائيل وشركاه من حشرات العرب.

هي إذًا لحظة تاريخية يحتفي بها الغرب وتترقبها إسرائيل وتهتبلها، والأخيرة ظهرت أشد جرأة وواقعية من تلون الغرب؛ إذ قالت بوضوح: محمد بن سلمان الزعيم الذي كانت تنتظره إسرائيل منذ 50 عامًا، وإن عزله يعتبر مدمرًا بالنسبة لإسرائيل.

أما على مستوى الرئيس ترامب أعتقد أنه سيتعامل مع المأزق السعودي والجريمة البشعة لولي العهد باعتبارها مقاولة كبرى سيجني منها أرباحًا طائلة بتمرير ولي العهد منها، ومن المؤكد أنه سيعتبرها الصفقة الأكبر التي يمكن أن يبرمها حتى تتصاغر بجانبها كل صفقاته الناجحة وربما منها مكاسبه من الفوز برئاسة الولايات المتحدة نفسها.

لا غرابة إذًا في هذا الأمر بالنظر لشخصية ترامب الذي يمارس كل شيء بعقلية المقاول وليس السياسي، فضلًا عن مصلحة أخرى كبرى إذ سيقدم من خلالها ابن سلمان لإسرائيل ذليلًا منكسرًا؛ مما سيدفع ولي العهد الحالم بالمُلْك إلى خلع سراويله وسراويل آل سعود وسراويل العرب جميعًا طلبًا لاعتماده.

هذا هو المشهد العام والذي يُفصِح عن مزيد من السقوط للأمة وحكامها، ومزيد من الانتهازية يمارسها الغرب، ومزيد من المكاسب تجنيها إسرائيل، ومزيد من الانتصارات لمحاور الانبطاح والخيانة والثورات المضادة.

هكذا تبدو الصورة في ظاهرها، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فهناك في خلفية المشهد بشارات وآمال ستحطم أحلام الطغاة وعلامات بمنحنى نزول لخطط الخيانة ومقدمات تبشر بخطوات في بناء عالم جديد رأسه في المشرق وذراعاه تحوطان العالم بقيم ومبادئ الحق والعدل والحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد