لم تعد قضية اغتيال الصحفي السعودي «جمال خاشقجي» من طرف النظام الحاكم في بلاده أمرًا مشكوكًا فيه أو يحتاج إلى انتظار انتهاء التحقيقات، فقد اعترف الجناة أخيرًا بحادثة القتل في قنصليتهم بتركيا بعد أن استمروا في الكذب والإنكار لعدة أيام. وما كان ذلك ليحدث لولا حصول المحققين الأتراك على أدلة دامغة يبدو أنهم تعمدوا تسريبها للرأي العام الدولي تباعًا قبل الانتهاء من التحقيق بشكل كلي، والهدف هو جعل القتلة في حصار نفسي وسياسي وحقوقي وإعلامي طيلة هذه الأيام ليعترفوا، على الأقل، بوجود جريمة القتل. وهذا ما فعلوه أخيرًا وإن استمروا في كذبهم وإنكارهم وإخفائهم للجثة من جهة، وللجناة المدبرين للجريمة من أعلى هرم السلطة السعودية من جهة أخرى.

لكن القضية المهمة في هذا الحدث المأساوي هي أن اسم هذا الصحفي البارز «خاشقجي» الذي عرف بحبه لبلده السعودية والمنتقد لسياسة نظامهما الحاكم، تحول إلى رمز لشهداء الرأي الحر في العالم كله، وفي المقابل إلى تحول إلى شبح يلاحق قاتليه من المنفذين المباشرين إلى المدبرين من خلف الستار، بل إنه أصبح يلاحق حتى حلفاءهم -وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية- الذين يعتبرونهم عبارة عن بقرات سمان يجب استغلالها، أشد استغلال، إلى أن تصبح بقرات عجاف، وبعدها يمكن ذبحها ورميها في مزبلة التاريخ.

إن مسألة اختطاف أو قتل منتقد أو معارض –صحفيًّا كان أو غير ذلك- من طرف النظام السعودي ليست بمسألة جديدة في نظر الرأي العام العربي والدولي أيضًا؛ فهو نظام، شأنه شأن الأنظمة المستبدة، عرف بقمعه وعنجهيته لعقود من الزمن، لتزيد حدة هذا التوجه مع ظهور ولي العهد «الطائش» الذي انقلب هو ومدعموه من الداخل والخارج على شرعية انتقال الحكم في المملكة وفق منظورهم، وإن لم يكن لهذا النظام من شرعية ديمقراطية أو حتى دينية منذ ظهوره، بل إنه إلى جانب النظام الإيراني يمثلان أسوأ الأنظمة في العالم الإسلامي بسبب استغلالهم للدين الإسلامي شر استغلال لتحقيق غاياتهم الصبيانية في التسلط ليس على شعوبهم فقط، بل حتى على شعوب الدول الأخرى المستضعفة.

إن الجديد في «القضية الخاشقجية» هذه، هو أن هذا النظام السعودي بشكله الحالي استطاع أن يسقط في الخندق الذي حفره بيديه، وأن يشكل حصارًا ضد نفسه؛ وذلك من خلال اقترافه لجريمة اغتيال يمكن تصنيفها ضمن قائمة أغبى الاغتيالات في التاريخ. وما زاد الطين بله هو اللجوء للكذب والإنكار منذ البداية على الرغم من أن كل الأدلة ضدهم، وفي المقابل لا يمتلكون دليلًا واحدًا يبرئهم، واكتفوا برمي التهم على من جعلوهم كبش فداء، محاولين ستر تورط العائلة الحاكمة، وهذا ما لم يعد بالإمكان ستره حتى على الصبيان.

إن الجديد في هذه القضية أيضًا، هو اتصافها بدرجة كبيرة من التعقيد والتشابك، ليس في طريقة الاغتيال أو في اختفاء آثار الجريمة، بل في الآثار السياسية والحقوقية والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التي نتجت وستنتج عنها في المستقبل القريب والبعيد أيضًا؛ على الرغم من تأييد بعض الأنظمة العربية للرواية السعودية لأنهم على شاكلة واحدة في الاستبداد والطغيان وقمع حرية التعبير والمطالبة بالحقوق المشروعة، وعلى الرغم من محاولة رعاة البقر (إدارة ترامب وحلفاؤها) إخراجهم من هذه الورطة، وهم الذين يحرصون كل الحرص على ألا تتضرر العلاقات الاقتصادية بينهم، أو بالأحرى ألا تتضرر مصالحهم الاقتصادية مع السعودية.

أما العلاقة بين السعودية وتركيا فلا ريب أنها ستزيد تأزمًا، وهي المتأزمة أصلًا جراء اختلاف المواقف بينهما في قضايا كبرى لعل من أبرزها قضية حصار قطر، والحملة الإعلامية السعودية ضد أردوغان وتوجهاته الدولية والإقليمية منذ تحكم ولي العهد بالسلطة، بل هناك حديث عن تورط هذا الأخير في عملية الانقلاب العسكري الأخير في تركيا. وكيف لا تزيد تأزمًا والنظام السعودي اختار تنفيذ جريمته البشعة في قنصليته الموجودة في تركيا، وهذت ما يمثل نوعًا من التجاهل المستفز والمستهتر بسيادة تركيا ولأمن زوارها الواجب حمايتهم من طرف الأمن التركي.

إن «المسألة الخاشقجية» التي تشغل، حاليا، الرأي العام الدولي برمته ستثير لا محالة قضايا أخرى مرتبطة بالنظام السعودي وبممارساته الداخلية والخارجية؛ لعل من أبرزها، على سبيل المثال لا الحصر، قضية معتقلين الرأي في سجون هذا النظام من العلماء والصحفيين والحقوقيين ستطرح بشكل أكثر حدة في الشأن الداخلي والدولي أيضًا، وذلك بالنظر إلى ارتباطها المباشر باغتيال خاشقجي الذي أصبح رمزًا للضحايا الذين انتهكت حقوقهم في التعبير عن الآراء المخالفة أو المنتقدة لسياسة هذا النظام الداخلية والخارجية.

ومن جهة أخرى، فمن المؤكد أن هذه القضية ستدفع النظام السعودي إلى المساءلة الدولية، أكثر مما سبق، حول حربه في اليمن، هذه الحرب التي خلفت الكثير من الخسائر البشرية والمادية، والتي زادت من تدهور هذا البلد وتخريبه والاعتداء على شعبه وتجويعه. وهذا كله قد يؤدي بعاصفة الحزم إلى تغيير مسارها نحو المكان الذي انطلقت منه وهي محملة بالكثير من الاستفسارات حول جرائم الحرب وانتهاك حقوق الإنسان في هذا البلد الذي انتهكت سيادته بدعوى الحفاظ على سيادة السعودية.

إن «القضية الخاشقجية» تقول: لقد استطاعوا أن يقطعوا جسده بالمنشار، لكنهم ما استطاعوا أن يقطعوا صوته الذي يلاحقهم ويضيق عليهم الحصار، كما استطاعوا إخفاء جثته بعض الأيام، لكنهم لن يستطيعوا إخفاء أنفسهم عن روحه التي ستطاردهم لعدة أعوام. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد