لا شك أن قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي تدحرجت ككرة ثلج وتضخمت حتى أضحت أزمة كبرى للسعودية وولي العهد محمد بن سلمان.

خيارات النظام السعودي ليست وفيرة ولا سهلة، خاصة وأن الواقع قد يفرض الاختيار بين مستقبل المملكة وبين المحافظة على ولاية العهد في الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى ما هو أبعد من ذلك؛ بل قد يتجاوز ذلك حتى يصبح مُلْك آل سعود في مهب الريح. هذه المفارقة العنيفة هي ما تواجه الملك سلمان الآن، وتذهب به وبمن حوله إلى مسابقةِ الزمن والدفع بكل الأوراق لتجاوز هذه اللحظة القاسية وتجنب تلك المعادلة الصعبة.

 

لم تعد المملكة والعائلة المالكة العتيدة تبكي على سمعتها أو على حجم ما ستنفقه من أموال والذي ستكون فاتورته فاحشة، ذلك لأن ضراوة الواقع وقسوة اللحظة وفداحة الجُرم وغباء وطيش التصرف أجبرها على اجترار المُر والاستعداد لكل الاحتمالات مهما كانت أسوأ وأمر.

 

ما زالت الخطورة والألغام حتى اللحظة تتهدد ولاية عهد ابن سلمان ولم تتجاوزه بعد، لذا فهو ما زال يظهر في المشهد ويتمسك بالأمل ويبحث عن أي «قشة» يتعلق بها لتساعده على الطفو من هذا الطوفان الغريق.

 

التغيرات البنيوية الحادة التي أحدثها ابن سلمان مؤخرًا، فضلًا عن الكراهية التي جناها من تصرفاته الطائشة لم تُبقِ له نصيرًا جادًا، كما أن الاستحواذ على القوى الأمنية وتشكيل فرق الموت لن تُجدِيه نفعًا الآن.

ما يتبقى للمملكة ونظامها السياسي من خيارات ينحصر بين مسارين؛ الأول تكون فيه الكلمة للملك سلمان نفسه (إن مكنته حالته الصحية وقواه العقلية)، والمسار الثاني لنجله إذا ما أصر أن يستكمل الصعود الى الهاوية، والمساران هما:

المسار الأول: استعادة بعض «الاتزان» القديم، وهو طريق المراجعة الجادة لخطايا التحول السعودي مؤخرًا وتنكرها لنهجها المحافظ والرزين، وما يستلزمه من سرعة استدراك وإيقاف طريق الطيش الذي ولغ فيه الأمير الشاب. هذا المسار لابد أن يُسجل باسم الملك سلمان نفسه الذي يتوجب عليه أن يدير المشهد بنفسه بحضور إعلامي واضح ومُلِّح، كما سيتوجب أيضًا إبعاد نجله محمد عن الأضواء والأحداث قليلًا أو كثيرًا حسب تفاعلات المشهد.

 

طبعًا لا أحد ينتظر من المملكة وقادتها أوبة إسلامية حقيقية أو انطلاقة جادة صوب الديمقراطية، لكنها خطوات ضرورية – لعلها تُفيد – من قبيل الانحناء للعاصفة وتمرير الأزمة، وهذه بعضها:

        • تهدئة وتسكين ملف معتقلي الرأي، وهي خطوة قد تُترَك للقضاء حتى لا تظهر فيها صورة الانكسار.
        • ترطيب الأجواء الخليجية وتبريد الخلاف مع قطر وإنهاء الحصار، ومحاولة تحييد الجزيرة ولجم ألسنتها.
        • التخفف من عبء المحور العسكري في اليمن ومحاولة فتح أفق سياسي وفتح المجال لحضور دولي لتوزيع أحمال آثار الحرب الكارثية.
        • الخطوة الأهم والاختبار الحقيقي وهي الانعتاق الجاد والتحرر من طريق الضياع بإيقاف التبعية المشؤومة لمحمد بن زايد وحكام الإمارات.
        • إعادة إخراج القناع الإسلامي للسعودية بتزوير بعض الصدقات أو المزايدة بمواقف إسلامية وترويج مشروعات ضخمة للحرمين الشريفين.
        • قد يتطلب الأمر تنصيب ولي لولي العهد في محاولة لتحسين الصورة، وفي ذلك تهدئة لخواطر العائلة وتسكين التهابات حاضرة لا زالت مكتومة.

 

      • أما المسار الثاني: أن يتملك العند والمكابرة من ولي العهد (ابن سلمان)، وينطلق صوب إسرائيل برعاية إماراتية لعقد صفقة معها لإدارة المشهد نيابة عنه، ويكون التعويل فيها على الولوغ أكثر في موالاة الكيان الصهيوني من جانب، ومن جانب آخر إنفاق محفظة ضخمة من العطاءات لإدارة ترامب بعضها في صفقات سلاح، ولا بأس أن يغدق على إيفانكا وأبيها وزوجها نصيبهم بشكل أو بآخر.

 

كلا المسارين لا يضمنان أي نتائج آمنة لأن أوراق اللعبة تناثرت بعيدًا عن يد السعودية وتجاوزت دبلوماسية دفتر الشيكات المعتمدة في المملكة.

 

ثَمَّة مسار آخر بعيد عن اختيارات السعودية يشكل محورًا منفردًا هو التوجه التركي، ولعله الأصعب والأشد ضراوة في المشهد كونه لا يتوقف على القرار السعودي ولا يستجيب لطلباته.

صعوبة هذا المحور أنه عالي السقف ومستقل القرار وسيأتي على شكل إملاءات، ولن يكون متاحًا للمفاوض السعودي معه إلا الاستسلام والرضوخ.

ليس هذا فحسب بل ستزداد خطورة الأمر وقسوته حيث ستُفتح ملفات أخرى أهمها انقلاب يوليو (تموز) وحرب العُملة التي تتعرض لها تركيا، وسيطالب الجانب التركي من السعودية «الضالعة» تفاصيل الأطراف الخارجية المشاركة فيه، فضلًا عن المتعاونين من الداخل التركي.

 

يبدو أن مفردات النظام السعودي ستعض أصابع الندم كثيرًا على جريمة مقتل خاشقجي وغباء تنفيذها، لكنها تستعجل الزمن لطي هذا الملف أيا كانت تكلفته طالما بقي سقفها دون المُلْك وإسقاط النظام.

 

وأخير سيظل سؤال الحاضر والمستقبل حائرًا: هل تستطيع حرارة الرز السعودي إذابة كرة الجليد؟! أم ستكون خاتمة مُرّة لطموح ولي العهد ومستقبله السياسي؟! أم سيتحول خاشقجي إلى بوعزيزي جديد تنطلق معه الموجة الثانية والحاسمة في الربيع العربي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية
عرض التعليقات
تحميل المزيد