بحثًا عن رضا أمريكا وأوروبا سعى ولى عهد السعودية لإحداث أكبر قدر من الانفتاح الثقافي والمجتمعي في المملكة؛ ليكون ذلك بمثابة صك اعتماد له عند أصحاب القوة المحركين للشأن العالمي، من وجهة نظر الأمير الشاب،  فإن المملكة مستهدفة من إيران وحلفائها في اليمن ولبنان من جانب، ومن الإخوان والسروريين المتوغلين في البنية الثقافية للمجتمع السعودي من جانب، ومن أمريكا وأوروبا واللوبي الصهويني من جانب ، ومن قطر وتركيا ونفوذهما المتنامي والمتقاطع مع المصالح الإخوانية من جانب آخر، في نفس الوقت تعاني المملكة من اقتصاد أحادي الدخل معتمد على الصادرات النفطية المتذبذبة الأسعار (حيث يمثل نحو 90% من عائدات التصدير) ويعاني أيضًا من عجز في الموزانة) بلغ 61 مليار دولار)  يتنامى تدريجيًا مع استنفاد موارد المملكة في حرب اليمن (كلفة الحرب بناء على دراسة نشرتها جامعة هارفارد بلغت 200 مليون دولار لليوم الواحد) وعجزها عن مواجهة الفساد (في عام 2007 قدر الخبراء إجمالي خسائر المملكة بسبب الفساد بنحو 3 ترليون ريال، ولم أطلع على دراسة أحدث من ذلك) لذا فولي العهد يرى أنه لابد من إحداث تغيير ثقافي عميق يصاحبه تغيير اقتصادي شامل لتصحيح الأمور قبل فوات الأوان، ولإجراء مثل ذلك التغيير إما أن يخضع المجتمع لحوار بناء ونقاش عميق تمارس فيه السلطة دور الخادم، وليس السيد الموجه، وهذا بالقطع ليس بالخيار السهل؛ لأن أى نظام حكم شمولي يرفض أية ممارسة ديمقراطية قد يتمخض عنها وجهة نظر مخالفة له، بل وربما محاسبة له على ما ارتكب من أخطاء، وكما يقول الأديب الإنجليزي أوسكار وايلد عاجلًا أم آجلًا، الجميع يدفع ثمن ما ارتكب، إذًا فالبديل الآخر هو تصدير أهل الثقة مهما انحدرت كفاءتهم واستبعاد أهل الكفاءة والاتكاء على الحلول الأمنية مع استخدام مكثف للالة الإعلامية لتغييب الشعب وإلهائه في الملذات حتى يترك دفة القيادة للسلطة القائمة فتفعل ما تشاء دون أية معارضة تذكر، فمن يتكلم يسجن، ومن يعترض يطرد، ومن يتجاوز الحدود تكسر أقدامه، وهذا للأسف ما حدث، فسيطر رجال ولى العهد على كل شيء وظنوا أنه ما دام تم إرضاء الحليف الأمريكي بمليارات من الدولارات، إذًا فالأرض مستباحة والدماء مهدرة، حتى تطورت الأمور، ولم يكتف أهل الثقة بالتنكيل بالمعارضة داخل المملكة، بل تجاوزوا الحدود، وقرروا إرسال رسالة تحذير لكل معارض يظن أن خروجه من المملكة كفيل بمنحه حصانة وحماية كافية لإطلاق العنان لقلمه ولسانه فاستدرجوا الكاتب المعارض خاشقجي وحققوا معه، ثم تخلصوا منه داخل مبنى القنصلية ظنًا منهم أن كونها أرضًا سعودية وفقًا للقانون الدولي سيكون كافيًا لإلجام تركيا، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فمقتل خاشقجي مثل فرصة ذهبية لعدة أطراف:

أمريكا: لممارسة مزيد من الضغط على السعودية لاستنزاف مواردها لأقصى الحدود وتركيعها بشكل كامل لاسيما أنه قبل ذلك الحادث بأسابيع قليلة صرح ترامب أنه قال لملك السعودية: لن تبقى في الحكم لأسبوعين دون حمايتنا. فرد ولي العهد  في حوار صحافي لشبكة بلومبيرج الأمريكية قائلًا: كل الأسلحة التي نحصل عليها من الولايات المتحدة الأمريكية يتم دفع ثمنها، ليست أسلحة بالمجان، فمنذ أن بدأت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، اشترينا كل شيء بالمال، ذلك التصريح المعترض لم يرق للإدارة الأمريكية، ولكنهم تجاهلوا الأمر، ثم أتت حادثة مقتل خاشقجي كفرصة ذهبية لتقليم أي أظافر لولي العهد، وما كان التاجر ترامب ليهدر تلك الفرصة.

تركيا: عقب انهيار العملة التركية (الليرة التركية فقدت 40% من قيمتها خلال عدة أشهر) إثر الحصار الأمريكي كان لابد من مخرج يعيد للاقتصاد التركي عافيته، ولابد من قضية تلهي الرأي العام التركي عن التنازل المهين الذي سيقدمه الرئيس التركي بالإفراج عن القس الأمريكي أندرو برونسون الذي صدر الإعلام الموالي لأردوغان قضيته باعتبارها قضية كرامة وطنية في المقام الأول، وفجأة رفعت تركيا الراية البيضاء حتى أن المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن صرح قائلًا: إن أنقرة تتوقع أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها عليها، بعد الإفراج عن القس الأمريكي أندرو برانسون. ولا عزاء للإعلام الموالي الذي صور القضية على أنها حرب تكسير عظام بين المارد التركي المزعج لأمريكا المرتعشة، ووسط تلك الأزمات تأتي حادثة مقتل خاشقجي على طبق من ذهب للرئيس التركي الداهية فيستثمرها بحنكة ومهارة، وهذا ما بدا جليًا في خطابه الأخير، إذا لم يضف معلومة جديدة على عكس ما توقع مريدوه، بل استرسل ليمارس مزيدًا من الضغط على السعودية الزاخرة بالخيرات.

قطر والإخوان: مثل مقتل الكاتب السعودي مادة إعلامية خصبة للإعلام القطري والإخواني لممارسة حرب شعواء على النظام السعودي وإبرازه في صورة القاتل والسفاح نكاية في السعودية التي ساندت النظام المصري عقب عزل الرئيس الأسبق وأنقذت مصر من انهيار اقتصادي وشيك كان يعول الإخوان عليه كثيرًا لإسقاط النظام الحالي  كما تزعمت المملكة حملة المقاطعة التي كبدت قطر الكثير وعزلتها عن محيطها الجغرافي ودفعت مؤسسات عالمية لخفض تقييمها للاقتصاد القطري.

إيران وذيولها: تعاملت إيران بذكاء بالغ؛ فلم تبد موقفًا صريحًا تجنبًا لاستثارة العالم السني ضدها، وحتى تتيح مساحة كافية لقطر بنفوذها الإعلامي، وكذلك للإخوان، لعزل السعودية عن محيطها السني والسحب من رصيدها لدى عموم شعوب المنطقة الذين يجلون السعودية ويمنحونها مكانة خاصة.

ووسط كل ذلك التربص تعامل رجال ولى العهد مع الأمر بسذاجة عجيبة، فأنكروا في البداية الأمر برمته متهمين تركيا وقطر بتدبير مؤامرة، ثم بعد مرور قرابة الثلاثة أسابيع وبعد ضغوط أمريكية قدموا تفسيرًا باهتًا غير مقنع مصحوبًا بكبش فداء، وقطعًا لن يمر ذلك التفسير، إلا إذا دفعت السعودية الثمن لأمريكا ولتركيا ولأوروبا أيضًا، فالسعودية الحلوب أصبحت مطمعًا للجميع.

إذًا فما الحل.. كيف يمكن للسعودية الخروج من ذلك المأزق؟

قطعًا الأمور ستمر بسلام، لكن الفاتورة ستكون مرتفعة، والأهم من ذلك أنه لعل ما حدث يعطي لولي العهد الشاب درسًا ثمينًا في كيفية إدارة شئون دولة واسعة النفوذ والثروات مثل السعودية، إنها فرصة للتراجع عما اقترف من أخطاء كارثية، فرصة لتقريب الناصح الأمين وإقصاء حاملي المباخر الآكلين على كل الموائد.

يا سيدي ولي العهد من يتغزل اليوم في عينيك مدعيًا أنها من عجائب الدنيا، من يلعق اليوم حذاءك شاكرًا كرم أخلاقك، من يقبل اليوم يدك ملتمسًا رضا سموك، هو أول من سيقفز من سفينتك إن استشعر قرب غرقها، وهو أول من سيكيل لك السباب إذا ما نحيت عن منصبك أو وجد مصلحته الشخصية عند غيرك، وهو أيضًا أول من سيغرس خنجره الماضي في ظهرك إذا انقطع مداد خزائنك عنه، إنه ليس بصديق، إنه عدو مقنع فلا تغتر به.

سيدي ولي العهد، أبعدت رجالًا مخلصين للدين وللوطن، وقربت آخرين هللوا للمحتل الأمريكي عند دخوله العراق، واعتبروه ولي أمر شرعي، كما رحبوا سابقًا بالمحتل الإيطالي عندما استباح ليبيا ونعتوا المجاهد عمر المختار بالمارق الخارج عن الدين، إنهم أحفاد أولئك المدلسين الذين فسقوا، بل وكفروا أحمد عرابي عندما قاوم المحتل الإنجليزي البغيض، يا سيدي إنهم يشربون من نفس البئر الأسنة مهما تباعدت الأزمان، فلا تكرر خطأ من سبقوك وصدقوهم فهلكوا.

سيدي ولي العهد، السعودية هي قلب العالم السني وحاضنة الحرمين، إياك أن تمنح الفرصة لأعداء الإسلام أن ينهشوا لحمها ويبددوا ثرواتها ويستبيحوا أرضها، ثروات بلادك شعبك أولى بها، نفط المملكة لا ينبغى أن يذهب لجيوب الأمريكان والأتراك لاسترضائهم، بل المواطن السعودي هو الأحق بذلك، خير المملكة لأهلها لا لغيرها.

سيدي ولي العهد، إن ما حدث حتى الآن هو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه، وأرضى عليه الناس، لا تبحث عن العزة في غير جناب الله، ترامب لا يملك العزة لك، أوروبا لا تملك لك من الله شيئًا، إن نجح إعلامك في تغييب الشعب السعودي فإن الله حاضرًا لا يغيب، وهو رقيب عليه فاتق الله في بلاد الحرمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!