أنظمة عربية رخيصة

مما لا شك فيه أن قتل الصحافي جمال خاشقجي وتقطيعه بهذا الشكل الوحشي، وفي حرم القنصلية التي من المفترض أن تخدم المواطن لا تقتله وتقطعه، أضفى على القضية بعدًا استثنائيًّا، حتى إن العشرات يقتلون يوميًّا في سوريا وفلسطين واليمن فلا يهتم أحد لأمرهم، لكن هذا ليس وليد اليوم، فكم من طاغية قتل الكثير، لكن كانت نهايته بسبب شخص ليس بالحسبان، والمخلوع بن علي مثال حي على ذلك، فهل يكون المغدور جمال خاشقجي بوعزيزي تونس؟

أما التحقيقات فتبدو لعبة شطرنج بين الأتراك والسعوديين، لكن من ينظر إلى الموقف التركي المتعنت وغير المبدي لأي رغبة في التنازل، سيتأكد أن تركيا تريد شيئًا أكبر من الأموال بكثير، وكان بإمكانها إغلاق القضية، خصوصًا مع دولة لها جيب عميق كالسعودية، ولعل قيام ابن سلمان بإرسال تركي الفيصل سريعًا إلى تركيا كان بغرض شراء صمت تركيا، لكن عاد الرجل صفر اليدين، فماذا تريد تركيا إذن؟

الكل يعلم أن حلف الإمارات، ومصر، والسعودية كانوا يتمنون نجاح الانقلاب الفاشل في تركيا، التي يرونها آخر قلعة قوية حاضنة للإخوان المسلمين، وإنهاء النظام هناك سيسهل عليهم ابتزاز قطر والتفرد بها، لكن لا ننس أن هذا الحلف كان ضعيفًا حين كانت السعودية في صفهم، لكن على مضض بسبب العوامل الداخلية، لكن مجيء ترامب هو ما أكسب هذا الحلف قوة بعد دعمه لولي العهد محمد بن سلمان.

من الواضح أن الأتراك يسعون لإطاحة ابن سلمان؛ لأن ذلك من شأنه أن يحدث تصدعًا في حلف ابن سلمان، إن لم نقل حلف ابن زايد، الإطاحة لها بعد استراتيجي بالنسبة لتركيا؛ فبذلك ستضرب عصفورين بحجر الانتقام من قتلة الأستاذ جمال – رحمه الله- وإضعاف أنظمة مزعجة ومهددة للنظام التركي والأمن القومي التركي كذلك، فبصمة الإمارات والسعودية واضحة شمال سوريا، ودعمهم للميليشيات الكردية لا تخطؤه عين فاحصة، واستهدافهم الاقتصاد التركي، وضرب الليرة أيضًا واضح وجلي، ولعل هذا ما حمل الأتراك على التشبث بالتحقيق، وضرب الأسافين بين السعودية والولايات المتحدة.

لا يمكن أن نخوض في موضوع قتل خاشقجي دون طرح أسئلة لم تجب عنها تركيا، التي من الواضح أنها تريد الحفاظ على شعرة معاوية، وأول هذه الأسئلة: لماذا سمحت لـ15 مجرمًا بمغادرة تركيا، وهي على علم بخلفيتهم الاستخباراتية؟ لماذا لم تفعل مثل الأردن حين حاصرت سفارة الاحتلال الإسرائيلي بعد محاولتهم اغتيال خالد مشعل؟ ثم أخيرًا لماذا لم تظهر التسجيلات التي توثق قتل خاشقجي؟ أسئلة لا ندري هل سنرى أجوبة عنها مستقبلًا أم ستبقى غامضة كجميع الأسئلة التي طبعها النسيان.

وبالنظر إلى الموقف الأمريكي الرسمي، فهو ينزع إلى الغموض، أو لنقل ينزع لحماية ابن سلمان على الأقل من طرف الرئيس ترامب، فرغم الضغط الإعلامي الرهيب وتسريب CIA فإن ترامب أجاب الإعلام بطريقة مبهمة «ممكن أنه له علاقة وممكن لا» والجواب المنطقي لهذا الكلام هو «لا أعلم»، الطابع الشخصي الذي ينهجه ترامب لحماية ابن سلمان مفضوح جدًّا؛ فهو دائمًا يؤكد على أنه لن يفرط في السعودية، لقد اختصر الدولة في شخص واحد، ومن سوء حظه ربما أن الديمقراطيون سيطروا على مجلس النواب، رغم أن قضية خاشقجي يتفق حولها جميع المشرعين.

أما الأنظمة العربية؛ فقد أثبتت مرة أخرى أنها قد تختلف على كل شيء، إلا قمع المعارضين والوقوف بعضهم مع بعض، فهم على قلب رجل واحد، فقد قتل المعارض المغربي بن بركة، وسجن الرئيس مرسي في مصر، واضطهاد في الإمارات والسعودية، وقتل ثورة في الجزائر والحبل على الجرار، إذن تقطيع خاشقجي مجرد فكرة متداولة بين أنظمتنا القمعية ومعها جيش من المطبلين، مهنتهم غسل أيدي الطغاة من دماء الأبرياء، ولا حول ولا قوة الا بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حريات
عرض التعليقات
تحميل المزيد