ليس جانيا وليست عليه أي جريمة وإنما فقط أنه كتب بصدق وصراحة وأعطى العنان لقلمه دون أن يخاف لأنه يعلم أن ما يقوله حق وليس زيفا أو كذبا أو غلطا وبعد هذا حان الأوان أن نفهم ونؤكد أنه في العالم العربي ليس هناك للمواطن قيمة مهما كان مركزه ومستواه وأنه بمجرد الاقتراب ولو بكلمة على الحُكام يجب أن يعرف المواطن أنه إما سيُعتقل أو سيُقتل أو سيبقى طوال حياته منفيا أو صامتا دون أن يتكلم هذا ما عدا الخوف الداخلي الذي سيعيشه وتأكدوا أن حُكام العرب لن يرفعوا بساط الاستبداد عن الشعب مهما جرى ومهما حدث.

دخل إلى مكان ظن أنه بيته في بلدٍ غريب ليس وطنه معتقدًا أنه مواطن يعيش في دولة حريات تسمح بالتعبيرِ عن الرأي ولكنهم كانوا غدارين إذ أنهم لم يسمحوا له بالخروج بل أخرجوه على طريقتهم ودون أن يعرف أحد إلى الآن كيف هل جثة هامدة متكاملة أم جثة مقطعة وهذا كله لأنه أوضح رأيه لا شيء آخر.

لقد وصلنا إلى حال مؤسف فلا الصحافي يُحترم بل يُقتل ولا المواطن يُكرم بل يُهان ولا الموظف يُعز بل يُذل، يعيش مدى حياته منتظرًا معاشًا لا يكفيه إلا لطعام وشراب وربما أمور أخرى تجعله منشغلًا بالحياة أكثر.

وبالنسبة للرأي الأمريكي بالموضوع، أمريكا تدخلت بالموضوع لثلاثة أسباب، الأول هو لأنه مقيم على أراضيها وكاتب في صُحفها والثاني لأنها دائمًا تُظهر نفسها على العالم بأنها الدولة الوحيدة في هذا الكوكب التي تحترم الإنسان وتقدره وتعطيه الأهمية والثالث لأنه الجميع يعرف الصفقات المالية الهائلة بينها وبين السعودية وبذلك جددت اشتراك المصالح لديها.

وأما الإعلام فقد أصبح قوة ووسيلة وأداة حرب مهمة وأساسية لا تختلف أبدًا عن الأدوات الأخرى بل ربما أصبح أقوى بكثير، وأن البروباغندا أصبحت تعادل القوى العسكرية، وطرائق تهجين وسائل الإعلام أيضًا أصبحت جزءًا رئيسيًا كي تتحقق منها المصالح.

وبالنسبة لدولة مسرح الجريمة تركيا لقد صنعت ضجة إعلامية كبيرة وُمقطرة ومُسيسة بشكل قوي وأروغان رجل ذكي لا يقطع علاقاته مع دولة أو شخص سيحصل منه على منفعة مهما كانت المعطيات ومهما بلغت حدة الأمر، فهذه ليست المرة الأولى التي يقتل فيها صحافي بل تكررت الرواية كثيرًا ولكن هذه المرة مختلفة تمامًا وتركيا استغلت الموضوع لسببين، الظاهري هو لأن خاشقجي رحمه الله قُتل على أراضيها وتعتبر نفسها دولة ذات سيادة وديمقراطية، وأما سبب ما تحت الطاولة أنه أصبح لديها ورقة لعب تستطيع من خلالها أيضًا تحقيق سياساتها ومصالحها من السعودية.

واخيرًا كفى كذبًا ونفاقًا واستغلال أي أمر لتحويله لقضية تشغل الرأي العام للتغطية على قضايا أخرى أكثر أهمية فدائمًا تبقى السياسات والمصالح ملوثة تقتل كل شيء ومثلما قتلوه أول مرة سيقتلون قصته ثانية وسيغلقها الإعلام كما فتحها ليظهر بقضية جديدة تُناقش.

فجميعهم تعمدوا الإطالة بالقضية وخصوصًا تركيا بتصريحاتها وطريقة نشرها لمعلومات القضية وهذا كله كي تدخل فيها السياسة وذلك من أجل إفسادها لأن السياسة تُفسد كل شيء وأيضاً من أجل تحقيق مصالح عامة ومنفعة لجميع الأطراف.

وأخيرًا هم قتلوه كي يصمت قلمه لأن القلم اليوم أقوى بكثير من الأسلحة ومن أدوات الحروب وكما يقول أحمد مطر عن القلم «هذا يد وفم، هذا رصاصة ودم» ففي عالمنا من قال الحق حتى ولو بصوت خافت وضعيف يجب أن يعرف أنه لن يدوم طويلًا. قتلوه ولكن ذكراه لن تموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد