«اقطعوا لي رأسه وانشروا لي أطرافه!» كنا نظن أن هذا الأمر انتهى مع الملوك والسلاطين الغابرين الذين ليحافظوا على عروشهم وتسلطهم على رقاب شعوبهم، كانوا يبثون الخوف والجزع بفصل الرؤوس عن الأجساد، ليتخذ كل من تسول له نفسه المعارضة أو حتى مجرد المشاكسة عبرة ودرسًا من ذلك. كنا نظن أن هذا البطش والتعطش للدماء، دماء ذوو الرؤوس المفكرة والمستنيرة، ولّى مع مماليك آفلة، لكن يبدو أن الحال بقي على ما هو عليه مع فارق بسيط بين الملوك والسلاطين الغابرين وبعض المعاصرين.

وسط زحمة من الأفكار التي تدور في عقلي المتوهج مرت بذهني مقولة شهيرة للحجاج بن يوسف الثقفي «إني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى…» توعد الحجاج رؤوسًا ادعى أنه يمتلكها بالقطع كما اتُّهِم خادم «حُجَّاج» بيت الله بقطع دابر معارضه، لكن الفرق بين الحَجَّاج وخادم «الحُجَّاج» هو الشجاعة في التصريح على رؤوس الملأ، وليس الغدر في الخفاء كمصاصي الدماء الذين يحترقون بالضوء ولا يعملون إلا في الظلمة الحالكة.

جمال خاشقجي إعلامي وكاتب سعودي شغل عدة مناصب في السعودية منها إدارة قناة العرب التي يمتلكها الوليد بن طلال الذي بدوره سلبت حريته ثلاثة أشهر كاملة، خاشقجي أثار بقتله حيرة العالم وخاصةً العرب، الرجل دخل قنصلية بلاده فيخرج مقطعًا إربًا إربًا، ثم عم الصمت الغريب في المملكة المتهمة باغتياله، تاركين العالم يغرق في أمواج متلاطمة من الأخبار، من قبيل -قُتل قبل أسبوعين داخل قنصلية السعودية التي تم طلاء جدران مكاتبها بعد مقتله، قطع جثته بمنشار عظم مدير الطب الشرعي بالأمن العام السعودي، صلاح الطبيقي، طبيب التشريح، واستغرقت عملية قتله 7 دقائق بتوجيه من أعلى سلطة في البلاد! … إلخ.

يقابله من الجهة الأخرى من يدعي أن قطر هي من تقف وراء هذه الأحداث بخيانة من أبناء عمومة الأمير، قاموا باستدراجه نحو القنصلية ثم قتلوه ليلفقوا التهمة فيما بعد لولي العهد السعودي! وهناك من أفرط في التفكير الأحمق وادعى أن المخابرت التركية هي من أرسلت شبيها لخاشقجي! فالمملكة لا تقتل أبناءها وإن حادوا عن الطريق! … إلخ.

حكايات يعجز عن تأليفها أكبر الكتاب وعن إخراجها أبرع المخرجين العالميين، أحداث مخيفة ومرعبة، تجعلنا نضع احتمالين: إما أن عرش هذا النظام بدأ يتبدد ويتهالك ففقد صوابه وأضحى يستعمل أساليب مغولية بربرية في قتل من يعارض، رغم أن خاشقجي لم يكن ذا صيت عالمي ولم يكن معروفًا لدى الشارع العربي. أو أننا نعيش أحداث كاميرا خفية على طريقة رامز جلال، سيخرج بعدها خاشقجي ضاحكًا لأن الحيلة انطلت علينا، لكن هيهات لقد صدعوا بالحقيقة أخيرًا مدعين أن شجارًا دار بين خاشقجي الخارق وثمانية عشر سعوديًا مسلحين بمنشار عظام.

جمال خاشقجي كان يعذبهم حيا بقلمه، وظل يؤرقهم بموته. لم يترك لهم مجالًا لتقديم سيناريوهات قد تطفئ تعطش العالم للحقيقة، المملكة الآن تنتظر العم ترامب ليحفظ لها ماء الوجه مقابل مليارات الدولارات. «مستقبلك كملك في خطر» قالها له وزير خارجية أمريكا، لحلب البقرة أكثر فأكثر، وما أن تُصَب بجنون البقر أو ينضب حليبها سيقومون حتمًا بحرقها، وأخشى ما أخشاه أن قرار حرقها صدر بعد ثبوت جنونها، جنونها في اليمن وأماكن أخرى.

نتمنى أن تكون القصص البوليسية التي نسمعها هذه الأيام عن هذا الحدث المفزع هي محض افتراء، لكن ما يحيرني هذا الاضطراب من الجهات الرسمية، هل هو خلاف انتقل فعلًا إلى شجار أدى للقتل غير المقصود، المضحك في الأمر أنه ربما تكون أول عملية سرية لاغتيال معارض تنكشف بسرعة البرق ويسمع بها القاصي والداني. من ناحية أخرى نعيب على الجانب التركي الذي بالغ في الغموض من خلال الإطالة في التحقيقات مثلما تطيل في مسلسلاتها «عن السلاطين والحرملك»، مما ترك المجال لبعض المشككين بالقول «في الوقت الذي يدخل خاشقجي باب قنصليته يخرج القس الأمريكي من الشباك وتنتهي قصة الأزمة الامريكية-التركية».

المتأمل في السياسة المظلمة وانعكاساتها على المنطقة لا يملك سوى أن يتريث قبل الحكم على هذا أو ذاك، نحن العرب كنار القَشّ تشتعل بسرعة ترتفع في السماء ثم تصير رمادًا منثورًا. السعودية بلد عظيم وأرض مقدسة ربما يكون حاكمها أرعن متنطع، لكن يجب أن تبقى لها مكانة في قلب كل مسلم، نرجو أن تزول هذه الأزمة بزوال المتسبب فيها أيًا كان من كان، وأخيرًا أقول التاريخ لن يرحم أحدًا، ستنجلي الحقيقة وسيحترق بضوئها الذين يعيثوا في الأرض فسادًا ويهلكوا الحرث والنسل في العباد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!