مقدمة

هي قوت الأولياء وزاد الأتقياء ومعين القائمين بالليل على السهر لتلاوة القرآن. وهي أيضًا شجرة الزقوم، ومنبت كل الشرور ومخدر العقول. كخضراء الدمن دائمة الخضرة سريعة الذبول، منشطة ومثبطة في آن معًا. تجمع الرجال وتفرق الأسر. وهي مؤامرة كونية وحرب كحرب الأفيون على المجتمع الصومالي، كما أنها تجارة رابحة تدر الملايين على بائعيها وعلى الحكومة. جمعت المتناقضات وفرقت الآراء حولها. إنها شجرة القات، تللك الشجرة الساحرة.

ما هو القات

القات نبات ذو فلقتين من عائلة الحرابيات ينمو ببطء، يبلغ متوسط طوله ما بين 1.4 ـ 3.1 متر وقد يصل إلى خمسة أمتار. وهو نبات منشط يستخدم للحصول على النشوة. يزرع القات في شرق أفريقيا واليمن. تقول منظمة الصحة العالمية إنه ضار، ويمكن أن يتسبب في حالة خفيفة أو متوسطة من الإدمان أقل من الكحوليات والتبغ. القات ممنوع في أغلب دول العالم، ويشتهر تعاطيه في الصومال واليمن. تقول إحدى الدراسات أن حوالى 20 مليون شخص يتعاطون القات بشكل يومي.

التاريخ

أصل وبداية استخدام القات غير معروف، وكل ما قيل أو كتب عن بداياته يبقى في إطار الفرضيات. في كتابه زهرة الجنة يقول الكاتب جون كينيدي من جامعة كاليفورنيا: إن المصريين هم أول من عرفوا القات، وينقل الكاتب عن الباحث البريطاني R. Cotterville-Girandet نظريته هذه التي تعتمد على كتابات عثرت على جدران معبد قديم في أسوان تذكر أن القات من النباتات المحرمة؛ لكونها تمنع النوم، والنوم في طقوس المعبد وسيلة لرؤية الوحي الإلهي في الأحلام. ومن أقدم ما كتب عن القات أن الإسكندر الأكبر أرسل القات إلى جنوده في هرر لعلاج الحزن والاكتئاب. ويشير بعض الباحثين إلى أن القات كان معروفًا في تركستان وأفغانستان في القرن الحادي عشر كنبات طبي.. وقد ذكر نجيب الدين السمرقندي في كتابه الأدوية المركبة القات كعلاج لسوء المزاج ووسيلة لخلق أجواء مرحة عند الاجتماعات.

ارتبط القات قديمًا بعلماء المسلمين في اليمن وإيثوبيا. وذلك لأنهم استخدموه أكثر من غيرهم ليعينهم على السهر لقيام الليل ومدارسة العلم، وفيها يقول الشاعر اليمني:

ويكفي القات إطراء ومدح بأن الصاحين به تهام

فنعم القوت للعباد زادًا وللزهاد عونًا للصيام

على الطاعات اتخذوه قوتًا غذاء للقراءة والقيام

وبالأسحار تلمسهم قنوتًا وجل الخلق من سكنوا نيام

علميا يعتبر العالم السويدى بطرس فورسكال الذي توفي في اليمن عام 1763 أول من أعطى القات الاسم اللاتيني (Catha edulis) حيث درس مكونات القات وكتب كتابًا عن القات وعن النباتات الأخرى التي عاينها في مصر واليمن.

مكونات القات الكيمياء والصيدلة

تختلف مكونات القات حسب المنطقة التي يزرع فيها، لكنها تتفق في وجود أكثر من 40 قلويًا فيها تشكل 20% من مكون القات. أشهر تلك القلويات، وأهمها هي الكاثنون التي توجد بتركيز عال في الأوراق الحديثة، ثم في الأغصان الأكبر بصورة كاثين، ثم تتحول إلى نوروفيدرين. تشبه الكاثنون تركيبًا وتأثيرًا مادة الأمفيتامين المعروفة بتأثيرها على الدماغ والممنوعة في كثير من بلدان العالم. تقول احدى الدراسات ان مضغ حزمة متوسطة من القات تعادل تناول خمسة جرامات من الأمفيتامين.

يستخلص مادة الكاثنون من أوراق القات بفعل تأثير انزيمات اللعاب اثناء المضغ. عادة يمضغ القات ولا يبلع. دلت إحدى التجارب المخبرية التي أجريت على 44 متطوعًا أنهم استطاعو استخلاص 90% من مادة الكاثنون التي كانت تتواجد في 40 جرامًا من القات خلال ساعة واحدة، وذلك عن طريق المضغ. يبلغ تركيز القات في الدم ذروته بعد ثلاث ساعات، ثم ينخفض تدريجيًا.

طقوس جلسات القات

عرف الصوماليون القات منذ زمن بعيد ولا يعرف بالتحديد متى وكيف وصل القات إلى الصومال، لكن الرواية الشفوية المتناقلة تؤكد أن المتصوفين وطلاب العلم هم من بدأو تخزين القات بحجة أنه يساعدهم على السهر والتركيز، وإزالة النعاس والخمول. لكن هذه العادة شاعت وأصبحت مظهرًا اجتماعيًا لا تكاد تحلو الاجتماعات من دونه.

في مدينة مثل هرجيسا عاصمة أرض الصومال يلحظ الزائر سلطان القات على المدينة: في كل ركن تجد كشكًا أو محلًا لبيع القات. تسير السيارات التي تنقل القات من إثيوبيا بسرعات عالية، وهي غالبًا لا تنصاع لقوانيين المرور، تستمد قوتها من سيطرتها على العقل، والروح، والجسد. تطلق أبواقًا مزعجة للإرهاب تارة للمركبات كي يفسحوا لها الطريق وللإعلان عن وصول دفعات جديدة تارة أخرى. ساعات الظهر هي ساعات الزحمة، أو ذروة الزحمة، ليس لأنها وقت ذهاب أو إياب من العمل، بل لأنها وقت شراء القات.

لا يحلو القات إلا في مجموعة، وتبدأ المجموعة جلسات القات بعد الغداء في وقت الظهيرة، وتستمر أحيانًا لحتى وقت متأخر من الليل. اللبس يستحب أن يكون مريحًا وفضفاضًا. تستخدم في المجموعات الراقية عطور ذات رائحة نفاذة للتغطية على روائح العرق. ينتظم المجتمعون على شكل مستدير أو مربع بحيث يرى بعضهم بعضًا ويتخذ كل واحد متكأ. المخزنون يفضلون الغرف المكتومة ويتناولون الشاي وكميات كبيرة من الماء أثناء مضغ القات، لأن القات يسبب جفافًا في الحلق. في المجتمع الصومالي الشيشة غير منتشرة، ويستخدم بعض المخزنين السجائر، بدلًا عنها إلى جانب القات.

في مجالس القات ثمة أشخاص هم ربّانها يصغي لحديثهم المجتمعون، يجمعون الكثير من المعلومات عن أحداث الساعة السياسة والاجتماعية: يحللون وينظرون ويناقشون، ولهذا السبب تستخدم هذه المجالس كمنصات لنشر الشائعات والشائعات المضادة، ولتشكيل الرأي العام، وتجنيد الناخبين أيام الانتخابات.

لا توجد سن عمرية محددة لتناول القات، بل إن الآباء يحاولون أن لا يتناول أبناؤهم القات مما يضطر الأطفال والمراهقين في السنوات الأولى إلى التخزين بعيدًا عن أعين آبائهم، وإخفاء آثار القات قدر الإمكان.

بالنسبة للنساء ظاهرة تناول القات غير منتشرة بينهن، رغم الازدياد الملحوظ في عدد النساء اللاتي يتناولن القات خاصة في المدن الكبرى. الشيء الملفت للنظر أن المجتمع يعتبر تناول المرأه للقات عيبًا كبيرًا، ولا توجد مجالس خاصة للنساء، أو مجالس مختلطة.

دورة حياة مخزن القات

في الساعات الأولى لتعاطي القات يكون المخزن نشطًا فرحًا يثرثر بشكل لافت غير معهود منه وتتسارع إلى ذهنه الكثير من الأفكار والمشاريع، ثم تليها ساعات من الوجوم وشرود الذهن بعدها يدخل المخزن حالة من الشعور بالقلق والإحساس بالذنب.

يقول الدكتور حسين بلحن أستاذ علم النفس (سابقًا) في جامعة بوسطن الأمريكية: في كل ليلة يعتزم المخزن أن تكون اليوم آخر يوم يتعاطى فيها القات، ونتيجة للأرق الذي يسببه القات يمر أمامه ما انفق فيه من مال وما ضيع فيه من وقت وجهد كان يمكن ان يستغلها لما يعود عليه وعلى أسرته بالنفع. وقبيل الفجر يخلد إلى نوم مضطرب يتقلب فيه على الفراش، وقبل أن ياخذ الجسم قسطه من الراحة يضطر للاستيقاظ. يقضي ساعات صباحه متثائبًا متثاقلًا، حتى إذا جاء وقت الظهيرة، وحان موعد التخزين أخذته رغبة شديدة إلى سوق القات تنسيه عزمه على الإقلاع. وهكذا يستمر بين لحظة نشوة، ثم قلق، ثم كسل.

آثاره الاجتماعية والاقتصادية والصحية

ليس ثمة مغالاة إن قيل أن القات هوا لعامل المشترك لكثير من مشاكل المجتمع، ففي بلد لا تتجاوز ميزانيته 300 مليون دولار يستورد مواطنوه القات بما لا يقل عن نصف مليون دولار يوميًا مما يشكل نزيفًا اقتصاديًا.

وزيارة إلى المحاكم والسجون تنبيك حجم الكارثة التي يتسببها القات، إذ إنه السبب الأول للطلاق والباعث على السرقات والجرائم. وربما يتم تجنيد الشباب والزج بهم في الحروب مقابل حزمة قات لا يتعدى سعرها 10 دولارات.

صحيًا يعتبر القات العامل الأول لكل الأمراض النفسية والعقلية، ويذكر أطباء الطوارئ في المستشفيات أن القات هو السبب الرئيس لجلطات القلب والدماغ، بالإضافة إلى الأمراض المزمنة في الكبد والمسالك البولية.

ختامًا

هو القات إذا مشكلة المجتمع الأولى، وحيثما بحثت عن سبب لمشكلة اجتماعية، أو قتصادية، أو سياسية تجد للقات يدًا، ونادرًا ما تجد من يراه حسنا، أو فيه ما يفيد. لكن المحير أن لا تجد من يكافحه بجد، أو يواجهه بنفس المستوى الذي ينتشر فيه. سوى خطب ومواعظ تلقى هنا أو هناك لا توجد خطط وبرامج أو منظمات فاعلة لمواجهة القات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد