مروان الغفوري بين الماضي والحاضر

تعد الأعمال الأدبية للروائي والشاعر اليمنى مروان الغفوري (1980) من الأعمال المميزة التي يبث الكاتب من خلالها مضامين إنسانية وفكرية مهمة، تصور التحولات الاجتماعية والنفسية التي يشهدها الإنسان المعاصر. ولعل من أهم تلك الموضوعات التي تناقشها أعماله تضمن رواية واقع الجدل الدائر حول آثار الحداثة الغربية العقلانية والثورة التكنولوجية على المجتمع الغربي وحياة الأفراد وسلوكياتهم فيه من جهة، وكذلك تصوير التغيرات النفسية والاجتماعية التي يشهدها العالم العربي، والإنسان فيه بعد الانتفاضات التي تشهدها المنطقة، والمطالبةً بالحرية والتحرر من أيديولوجيات وسرديات وروايات جرة تقديسها وتوارثها من جيل إلى آخر. ويستخدم الغفوري ما أطلق عليه النقاد «التجريب» كأسلوب للكتابة.

ويعد «التجريب» أسلوبًا جديدًا في كتابة الرواية على مستوى الشكل، أو طرق السرد، أو اللغة، أو بنية الزمان والمكان. كما أن تلك الرواية الجديدة أو «رواية التجريب»، كما يطلق عليها النقاد العرب، تتحرر من الأسلوب الفني والجمالي الكلاسيكي في الكتابة فهي كذلك تتميز بالتحرر من الموضوعات التي تناقشها وتطرحها الرواية التقليدية، ساعية إلى الثورة على موضوعات الواقع المبتذل الذي يصور المجتمع والعلاقات الاجتماعية والإنسانية كما اعتدنا على تصوره أو معرفته مسبقًا، من خلال ما برهنته العلوم الاجتماعية والإنسانية سابقًا. وهذا هو ما يجعل عالم رواية التجريب يتصف بالتشكيك والالتباس؛ إذ إنها تعالج موضوعات مجهولة بالنسبة للقارئ أو نماذج إنسانية معقدة، تنحرف عن النماذج التي اعتاد القارئ على تصورها من خلال ما رسب في ذاكرته.

ورغم أن رواية «التجريب» في الأدب العربي قد شهدت انتشارًا واسعًا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فإن هذا الحضور قد شهد تراجعًا ملحوظًا لصالح أسلوب الرواية التقليدية التي تتميز بالتركيز على البطل والعالم المسطح من حولنا دون تعقيد، ولم يتبق من رواية التجريب في عالمنا العربي سوى التجريب على مستوى التلاعب باللغة والمكان والزمان مثلًا، دون التركيز على التدقيق والتحليل في قراءة نفسية الإنسان المعاصر ودواخله.

وعلى خلاف ذلك تعود بنا أعمال الغفوري الروائية بقوة لرواية التجريب على مستوى الشكل والأسلوب، وما تتناوله من موضوعات. وقد صدر لمروان الغفوري عدة أعمال من بينها «نبوءة يثرب» (2006)، وهو ديوان شعري وعدد من الرويات منها «الخزرجي» (2013)، و«جدائل صعدة» (2014)، و«تغريبة منصور الأعرج» (2015)، و«كود بلو» (2008) التي صدرت في كتابة ثانية بعنوان «هروب الفتى عاري الصدر» (2016).

ولعل هناك عدة عوامل قد ساهمت في تميز الإنتاج الأدبي لمروان الغفوري، ومنها تعدد مواهب الغفوري واهتماماته، فهو شاعر، وروائي، وكاتب، وطبيب قلب، كذلك اطلاعه الواسع على الأدبين العربي والغربي، والإقامة والعمل في أوروبا، مما أتاح له فرصة التعرف إلى الثقافة الغربية من الداخل، وإعادة التعرف إلى الثقافة العربية «اليمن» بالنظر إليها من الخارج، في هذه المقال سأقدم لمحة مختصرة حول تصوير الغفوري لنفسية الإنسان المعاصر في كل من القرية والمدينة، في روايتيه «الخزرجي» (2013) و«طريق الحوت» ( 2018) من خلال الإشارة إلى نقطتين أساسيتين وهما:

* التشكيك وانهيار اليقين

* إنهاك الإنسان المعاصر بين الحنين للماضي والتمرد عليه

في روايته «الخزرجي»، التي تُروى في 114 صفحة، يستعرض الغفوري الحياة القروية، حيث تنتشر الأسطورة والخرافة، وكرامات الأولياء، من خلال سرده لقصة شخصية تدعى «الخزرجي».

تروي لنا الرواية حكاية شخص يسترجع لشخص آخر أطلق عليه اسم «إسترجون» أحداث لقائه بفتاة لا يتذكر اسمها، في إحدى محطات القطار في إحدى ليالي الشتاء. يحكي له كيف أنه حاول أن يحكي لها قصة الولي «الخزرجي» وقريته التي قضي فيها طفولته، قبل أن يتركها للدراسة في أوروبا. ثم يشرع في سرد حكاية الخزرجي مرة أخرى لكل من القارئ و«فلاديمير» (مقبسًا أحد أبطال مسرحية جودو للكاتب الأيرلندي صمويل بكيت كما يقول بنفسه) بأسلوب شيق يتشظى فيه الزمان والمكان، بل الأشخاص كذلك.

جاء الخزرجي إلى القرية من مكان غير معلوم، ولكنه بعد فترة قصيرة استطاع أن يحصل على مكانة كبيرة بين رجال القرية ونسائها، الذين كانوا يعتقدون أن الخزرجي «وَلِيٌّ» يمنح البركة لقرية «لا تستطيع أن تبقى دون كرامات». ومن أوروبا سيصور لنا الغفوري المجتمع الغربي في روايته الأخيرة «طريق الحوت»، في محاولة لإعطاء صورة صادقة عن الحالة النفسية والوضع الثقافي الذي يعايشه الإنسان في هذا العصر في المدينة، فتصف مأزق الإنسان المنعزل غير القادر على بناء علاقات اجتماعية حميمة ومترابطة مع الآخرين. ومن جهة أخرى يُصور الغفوري الرغبة الجامحة للإنسان المعاصر للتمرد على ما أطلق عليه «السرديات الكبرى»، أي محاولة تفسير السلوك البشري وفق رؤية واحدة ومحددة، ليس في المجتمعات الغربية فقط، بل المجتمع العربي أيضًا، وخصوصًا بعد ثورات الربيع العربي، وسقوط كل الشعارات القومية والأيديولوجيا والممثلين لها، والتي كانت تعد بمثابة «مقدسات» حتى طالت الأديان نفسها.

تُروى رواية «طريق الحوت» في 309 صفحة مقسمة على ثمانية وعشرين فصلًا، في أسلوب سردي عجائبي، يصور أحداثًا تقع بين فضاءات زمانية ومكانية متداخلة، وذوات متشظية. إذ تبدأ أحداث الرواية في مدينة أيسن بألمانيا في عام 2014؛ لتروي لنا قصة حياة تسعة من الشخصيات من خلفيات عقائدية ومهنية مختلفة، ولكن تجمعهم رغبة واحدة هي: تكرار رحلة علمية أرسلها الملك فريدريك إلى «العربية السعيدة» في القرن الثامن عشر؛ بحثًا عن «الظلام الدامس، وعن شرح لأسفار العهد القديم». ولكن لم ينج من تلك الرحلة الاستكشافية (التي عدت أولى الرحلات الاستكشافية الحديثة للشرق) سوى «كارستين نيبور» فقد أصيب معظم أعضاء الرحلة بالملاريا، في غضون بضعة أسابيع في اليمن، ودُفنوا هناك.

الهدم والتشكيك مقابل الحقائق المطلقة:

تطرقت كل من الروايتين بطريقة فنية وبأسلوب مبدع لنقاش محتدم حول الروايات المحكية التي توارثها الأجيال حول أشخاص جرى تقديسهم، وكذلك ما جرى تزييفه من قِبَلِ مَنْ كان لهم سلطة الكتابة، ففي رواية «طريق الحوت» تشكك رواية الشخصية المتقمصة للرسام «باورنفايند» في صحة ما دَوَّنَهُ «كارستين نيبور» (وهو الناجي الوحيد من الرحلة الاستكشافية ومن دون أحداث الرحلة بعد عودته) حول مرض وموت كل أعضاء الرحلة في أثناء الرحلة إلى العربية السعيدة. وهو ما يمكن رؤيته محاولة من الكاتب لهدم الأسطورة التي نُسجت حول شخصية «كارستين نيبور» وبالمثل كل الشخصيات التي جرى الاحتفاء بها و«تقديسها» عبر التاريخ.

أما في رواية «الخزرجي»، فمن خلال الراوي (الذي أطلق على نفسه اسم «فلاديمير») -مستعيرًا اسم بطل مسرحية «في انتظار جودو» للروائي الأيرلندي الشهير صمويل بكيت- يشكك الكاتب في كل مرويات كل الأشخاص عن تفسير سلوك الأشخاص والأحداث حولهم، سواء كان ذلك بسبب الذاكرة، التي كثيرًا ما تتأثر بذاتيتهم، أو التلفيق لأغراض تخدم مصالحهم الشخصية، فلا فرق هنا بين الولي القروي الخزرجي والمناضل الثوري تروسكي. ثم ينتقل الراوي إلى زعمه بانهيار كل يقين سواه، وفشل الإنسان في الـتأكد من وجود حقائق مطلقة كما وعده العلم في قرون سابقة. لم يعد هناك يقين سواء جاء ذلك في صورة معلومات دينية لا يمكن إثباتها بالتجربة العلمية، أو على هيئة معلومات وعد العلم بأنها مؤكدة وواضحة. فيقول:

«لقد اكتشفنا أن الحقائق العلمية لا تقل غموضًا ولامعقولية عن العلوم الشعبية. لا الفيزياء ولا علي بن أبي طالب يمكنهما أن يقولا شيئًا جديدًا. لذلك ربما تركنا أنا وأنت العالم وتسلقنا إلى هذه المحطة ً المهجورة.» (الخزرجي ص.101)

وهنا يمكن القول إن الغفوري ينتقل بالقارئ إلى الأدب العبثي الذي يشكك في كل يقين وحقيقة مطلقة، ولكنه في الوقت نفسه لا يسعى ليقدم حلًّا بل يواجه عجزه في إيجاد حل لمأساته باللجوء إلى استخدام السخرية والكوميديا السوداء.

إنسان منهك بين الانتظار واللانتظار:

في رواية «الخزرجي» التي يستخدم الغفوري فيها تقنية «التناص المتجاوز» من خلال محاكاة مسرحية «في انتظار جودو»؛ ليروي لنا الحكّاء قصة «الخزرجي» وحياة القرية لشخص آخر. تدور أحداث الرواية، في مكان محدود ومحدد، وهو محطة القطار. كما اختار «صمويل بكيت» المكان لأحداث مسرحيته إذ جلس «البطلان» في انتظار جودو تحت الشجرة، حتى تنتهي أحداث المسرحية دون أن يأتي «جودو». أما الزمان فهو مفتوح ولا يحدده تاريخ معين قد يكون «الأمس أو اليوم أو حتى غدًا». فهو زمن الإنسان الماضي والحاضر ومن سيأتي.

أثارت شخصية «جودو» جدلًا ونقاشًا واسعًا حول ما إن كانت ترمز لشخص بعينه، أو أنها ترمز لعالم خارج حدود حواس الإنسان، متمثلًا في «المسيح» مثلًا. لكن الغفوري يؤكد في روايته أنه وصديقه قد حسما أمرهما، وأكدا مرار أنهما لا ينتظران أحدًا، ولكن ماذا يعني ألا تتنظر أحدًا؟! هذا هو التساؤل الذي تصوره الرواية من خلال تتبع سلوكيات وحوارات الشخصيات الرئيسية. إذ ينتقل العمليان الروائيان بين مشاعر الخوف والإحباط والعبثية واللامعنى التي تسيطر على نفسية الإنسان المعاصر، متجسدة في شخصية الحكَّاء المسن الذي لا يجد طريقة للتغلب على الملل سوى قضاء الوقت في القص والحكايات التي لا يريد لها أن تنتهي؛ خوفًا من انتهائه بعدها. يقول الراوي مخاطبًا الشخص الذي يحادثه: «وقفني أرجوك، أنا أتداعى وأقول كلامًا في كل شيء. هذا لا يعني أنا تائه ولا أركز فيما أقوله. ببساطة أنا إسترغون وأنت فلاديمير، نحن نريد أن نغرس أكبر قدر من الدبابيس في جثة الوقت حتى نحزم حقائبنا ونرحل» (ص.30)

ثم ما يلبث أن يعود الغفوري بنا لمشاعر الخوف من جراء حصولنا ووصولنا للمحطة الأخيرة لما نسعى للوصول إليها، أو اكتمال حدوث ما نسعى إليه، وأن نكون في حضرة اللانتظار. فيقول: «هل تتذكر ما قاله سانتياغو في رواية (الخيميائي) عن الشيخ العربي في الصحراء. كان الشيخ يجمع أمواله طيلة العام حتى يكون بمقدوره الذهاب إلى الحجاز للحج. قبل موعد الحج كان يعمد إلى تبذير ما جمعه. هل تتذكر تفسيره المذهل لهذا السلوك ؟

إنه يشبه تمامًا موقف الخزرجي من القهوة الرديئة. كان يقوله إنه قد تجاوز السبعين ولم يعد في حياته من أمور عظيمة ينتظرها، وهو يخشى أن ينهي الحج أحلامه الكبيرة وأساطيره الذاتية».(48)

وستعود ثيمة «الانتظار» مرة أخرى في رواية «طريق الحوت» ولكن في إطار ومعنى مختلف. إذ تصور «طريق الحوت» الحياة الألمانية المعاصرة ونفسية الفرد وسلوكه نجد أنفسنا أمام شخصية الشرطية «سيلفيا» أنه في عالم سيلفيا كل شيء قريب ويمكن الحصول عليه، بمجرد الضغط على زر الحاسوب، حتى وإن كان المطلوب علاقة حميمة.

فقد قضى سحر التكنولوجيا التي أنجزتها الحداثة الغربية على سحر آخر، وهو: «الانتظار والندرة». تقول سيلفيا: «إن أكثر ما يخيفها، هي تعلم جيدًا، هو: أنها قادرة على أن تحصل على كل شيء تريده، لم تعد لديها من طموحات كبيرة، وتفتقر كليًّا إلى الحرمان، يمكننا استنتاج ذلك ببساطة. إذا اكتشفت الحرمان، فكرت مرارًا، ستعثر على السعادة» (ص: 125).

فنرى هنا إنسانًا أرهقته قيم العقلانية والحياة التكنولوجية، التي دعته لكبت كل ما ينتمي لعالم الأسطورة والخرافة، متمثلًا في  شخصية الشرطية «سيلفيا» والتي تصورها الرواية وهي تغرس أقدامها في الطريق الطيني المؤدي لكنسية «نيكولاس»، رغبةً منها في تتبع خيوط حكاية، تبدو مثل «حقل من الفانتازيا»، ولكنها تعدها بشيء غامض بعيد عن متناولها وعما تراه حولها في عالم مسطح، كل ما فيه متوقع ومحسوب مسبقًا. فقد كانت «سيلفيا» مدفوعة لهذا الطريق، بحياة قد أصابها الملل واللامعني، يقول الراوي: «لا تعرف سيلفيا الآن، وهي تتجول في المقبرة ماذا نريد أن تعرف؟ لقد سمعت كثيرًا، وتعرفت إلى مجموعة تبدو أقرب إلى قائمة شخصيات روائية ثرية بالألغاز. إنها تعيش حياة مستقرة بعض الشيء، وقادرة على الذهاب إلى أي متجر، وشراء الأشياء التي تريدها، لكن الملل يضربها من جهاتها الثمانية الملل واللا معني».

يمكن القول أخيرًا إن الغفوري برع في استخدام «التجريب» لتقديم كل من المتعة والتحفيز لعقل القارئ لقراءة نفسية الإنسان في المجتمع المعاصر، الذي يتأرجح بين الثورة على الماضي وسردياته والحنين إليه، من خلال تبنيه لأسلوب أدبي مميز يمزج بين الخيال والواقع، والنثر والشعر، بلغة سردية تجمع بين الحوار والمونولوج، بالإضافة إلى استخدام المعلومات التاريخية، ونتائج الأبحاث العلمية في علم النفس والاجتماع التي تخدم النص بأسلوب سلس لا ابتذال فيه. كما أن الغفوري لم يسع لتقديم حلول جاهزة للقارئ، ولكنه لجأ لاستخدام الرموز والاستعارات التي تحفز عقل القارئ للتفكير فيما وراء الرموز والاستعارات بطريقة تثيره منذ بداية النص وحتى آخر صفحاته.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد