كان للخديوي إسماعيل أخ من الرضاعة اسمه إسماعيل صديقي, لعب في حياة  الخديوي  وفى حياة مصر كلها دوراً خطيراً أثناء الأزمة المالية التي طحنت البلاد، وكانت سمة من سمات عصر إسماعيل, وانتهت بضياع استقلال مصر وضياع مستقبل الأخوين!

 

 

فالأول فقد عرشه، والثاني فقد حياته في مأساة مرعبة، بعد أن نال أعلى الألقاب: فصار يلقب بالخديوي الصغير، أو الصدر الأعظم المصري.

 

 

 

 

فما قصته ؟ وكيف وصل إلى أعلى المناصب رغم كونه فلاحاً؟ وكان من أبناء الفلاحين الذين عانوا من أعباء السخرة في الزراعة وحفر الترع .

 

 

 

بعد ولادة إسماعيل شعرت والدته ” الوالدة باشا ” ـ خوشيار هانم  ـ بجفاف ألبانها, فساقت إليها الأقدار فلاحة مصرية لتتولى إرضاع الوليد مع ابنها، الذي أطلقت عليه اسم الأمير” إسماعيل “؛ تبركاً وتقرباٌ فنشأ الصبي منذ نعومة أظفاره في دهاليز القصور الخديوية, ونشأت بين الطفلين عاطفة امتدت عبر السنين، فما إن تولى إسماعيل عرش  الديار المصرية حتى أطلق يد أخيه يتصرف في أمورها على هواه.

 

 

 

 

فتربع “إسماعيل صديق” على خزائن الأرض عشر سنين, أصبح خلالها الرجل الأول في الدولة, والمتصرف الأوحد في شئونها المالية والإدارية.

 

 

 

 

وكان الرجل يتمتع بقدر هائل من الدهاء، حتى وصفه بعض الناس بأنه لم يكن له مثيل بين رجال الذكاء والتفنن في مصر, وكان الخديوي إسماعيل في حاجة إلى رجل متفنن في السطو على الأموال وابتزازها بشتى الطرق, فوجد ” الخديوي إسماعيل ” بغيته في ” الفرعون الصغير “: إسماعيل صدقي، فعينه وزيرًا للمالية .

 

 

 

ولما أمسكت البنوك الأوربية يدها عن إمداد الخديوي بالقروض بعد أن لاحت عليه تباشير الإفلاس توجه “إسماعيل” إلى الداخل، وكان طبيعيًا أن يرد ” الفرعون الصغير ” الجميل للخديوي الكبير.

 

 

 

فتفتق ذهنه عن أساليب لا تقل انحطاطًا عن أساليب الحواة ولاعبي الثلاث ورقات, ومن ذلك: أنه كان يبيع المحاصيل الزراعية للمرابين الأجانب، وهى لا تزال شجيرات خضراء في الحقول ويتعهد بتسليمها لهم بعد جني المحصول, فإذا حل الموعد قامت الحكومة ببيع المحصول لتجار آخرين وقبضت الثمن.

 

 

 

 

فإذا احتج الأجانب إلى قناصلهم ـ السفارات الأجنبية ـ قام الفرعون الصغير بتعويضهم بأن يشترى منهم المحصول الذي باعه لهم ـ على الورق ـ بسعر أعلى من السعر الأول مضافًا إليه فائدة 20% , وكل ذلك من أجل إرضاء نزعة الخديوي المدمرة وحاجته المستمرة إلى المال.

 

 

 

 

ابتكر” إسماعيل صديق” وسيلة غريبة تتلخص في إجبار الفلاحين على دفع ضريبة الأطيان لمدة ست سنوات مقدمًا مقابل الإعفاء من نصف الضريبة إلى الأبد, وهو ما يعرف بـ”قانون المقابلة”, وكان الفلاحون يعرفون أن عهود الحكومة حبرًا على ورق، وأنها مجرد حيلة لإرغامهم على تقديم الأموال إلى الخديوي الجشع, ومن يمتنع فمصيره معروف!

 

 

 

فمن الذي يجرؤ على معارضة أوامر سيده.

 

 

 

 

ومن أمن العقوبة أساء الأدب, فبلغ ( الفرعون الصغير ) في الشطط والجنون حدًا غريبًا أثار مشاعر الوطنيين من المصريين, قام بإغراء أخيه ببيع نصيب مصر في أسهم شركة قناة السويس, وكان هذا النصيب يقارب النصف, مقابل مبلغ يقل عن أربعة ملايين جنيه, وهو الذي فاوض القنصل البريطاني في الصفقة, وكانت تلك بداية الطريق المشئوم الذي انتهى بضياع استقلال مصر المالي وخضوعها للإشراف المباشر من جانب الحكومة البريطانية .

 

 

 

 

وبين عشية وضحاها انقلب السحر على الساحر, وتحولت تلك الحيلة السابقة إلى طوق يحيط برقبة الفرعون الصغير إسماعيل صدقي, فما أن وصل الإنجليز إلى القاهرة تحت مزاعم إصلاح مالية مصر, حتى كان أول مطالبهم إقصاء الوزير عن منصبه الخطير, وهنا تحير إسماعيل!

 

 

 

ووجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر, ولكن كان عليه أن يضحى بأخيه كي ينجو بنفسه, فماذا حدث لكي يقدم إسماعيل على تلك الخطوة؟

 

 

 

 

كانت هناك أخطار عديدة تهدد مستقبل ” الفرعون الصغير ” : حقد أبناء إسماعيل الثلاثة “توفيق, حسين, حسن” على “إسماعيل صديق” بسب قربه من أبيهم وحظوته عندهم, متغافلين عن رسالته العظمى فى النصب والاحتيال والسطو والابتزاز لتوفير المال لأبيهم. فكانوا ينظرون للموضوع من زاوية ضيقة جدًا هدفها إقصاء الغرباء عن ولى النعم, أما ولى النعم ” الخديوي إسماعيل ” فكان لا يقيم لهذه الدسائس اعتبارًا .

 

 

 

والخطر الأكبر الذى هدد مستقبله, جاءه من جانب الإنجليز, خاصة بعد إعلان الرقابة الثنائية على مصر, وأصبح هناك وزير بريطاني يشرف على إيرادات الدولة, ووزير فرنسي يشرف على المصروفات.

 

 

 

فما أن بدأ الوزير البريطاني “جوشن” يقلب فى الدفاتر؛ حتى اكتشف أن مصر بمثابة ضيعة خاصة يتحكم فيها الخديوى وشقيقه, وأن الأخوين ” إسماعيل ” ليسا أكثر من لصين يتقاسمان المغانم والأسلاب, ولذلك رأى أن يبدأ بإزاحة أصغر اللصين, ولم يكن من اليسير على الخديوي إسماعيل أن يستجيب لهذا المطلب, خاصة أنه شريك أصيل فى كل الجرائم والكوارث التى ارتكبها شقيقه, وإذا كان الانجليز يتغدون بشقيقه عند الظهر, فسوف يتعشون به فى المساء.

 

 

 

 

فامتنع الخديوى, عندئذ هدد الانجليز بتقديم ” الفرعون الصغير ” للمحاكمة بتهمة اختلاس 40 مليون جنيه وجدوها فى الدفاتر, وهنا اقتنع الخديوى بفائدة اختفاء شقيقه من الحياة كلها، وليس الوزارة فقط, ونسى الخديوي كل ما فعله أخوه من أجله، ولم يفكر إلا فى النجاة بنفسه.

 

 

 

خاف الخديوي من كشف المستور, وأن يفضح شقيقه أمره فى السرقة والمشاركة فيها, فأصدر قرار بإبعاده إلى دنقلة بالسودان, فقبض عليه وأودع الحرس السجين إحدى غرف السفينة التى أقلعت باتجاه السودان, وكان ” الفرعون الصغير ” يدرك بالحقيقة الكبرى التى مقدم عليه وهى الإعدام!

 

 

 

فتم الإعدام عن طريق رجل تركى “إسحق بك” متخصص فى الإجهاز على ضحاياه بطريقة فظيعة.

 

 

 

 

فارق ” إسماعيل صدقي ” ـ الفرعون الصغير ـ الحياة, ووضع الجنود جثته فى جوال غليظ ومعه أحجار ثقيلة ثم ألقوا به فى النيل حتى استقر فى القاع, وواصلت السفينة طريقها إلى السودان وكانت ترسل إلى القاهرة كل حين برقيات مكذوبة عن حالة الوزير الذى لا يكف عن البكاء وطلب الصفح وشرب الخمر .

 

 

 

وبعد أسبوع من وصولها إلى السودان تطوع طبيب انجليزي بكتابة تقرير يزعم فيه أن الوزير المصرى مات متأثرا من انفجار الزائدة الدودية, وأنه سمح بدفنه بعد أن وقع الكشف الطبى عليه, ولم تخجل الصحف كعادتها من نشر هذا الخبر المكذوب, وكان الناس يقرأون الصحف ويبتسمون, وكان الناس فى هذا العهد نادرًا ما يبتسمون.

 

 

 

 

 

وهكذا كانت نهاية هذا الرجل, فقد كان مثل هامان فى طغيانه وسطوته واستهتاره وكان أشبه بقارون فى جشعه وطمعه وزهوه وكما سقط هامان وقارون وفرعون, كان لابد أن يسقط ذلك الوزير المغرور, ويلقى نفس المصير الذي لاقاه الطغاة والجبابرة، فلا نفعتهم أموالهم, ولا هم أفادتهم عزتهم وإنما مضوا غير مأسوف عليهم, لم يخلفوا وراءهم إلا أسوأ الذكريات.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد