يُقال عن حق وصدق أن «التعلم في الصغر كالنقش على الحجر»، وذاكرة الطفل، وما يُوضع عليها من معلومات أو مواقف في سنوات عمره الأولى تتحول فيما بعد إلى ذكريات ثابتة كأنها نُحتت بصخر، لا تمحا بمرور السنين، ولا تتأثر بدوامات الحياة، وتظل التجارب والخبرات التي قابلها الطفل في بدايات حياته مستقرة بأعماقه، تطفو عند الكبر، دون حاجة أو مثير، إلى سطح عقله الواعي كل فترة؛ فيراها بتفصيلاتها كشريط سينمائي، ويلحظ ما لم يره من قبل.

خضر .. الظهور والاختفاء

خضر، أو الأستاذ خضر، لا أتذكر سوى اسمه الأول فقط؛ فطبيعي أن تخون الذاكرة المرء، وأن ينسى أشياء أو أسماء أو قد تتساقط منه ذكريات لمواقف وأحداث مر على بعضها عشرات السنين.

خضر، وحسبما أتذكر كان مدرسًا لحصة الدين أو التربية الدينية في المرحلة الإعدادية، كان شخصًا هادئ الطباع، أسمر البشرة، تحمل صفحة وجهه نمشًا يضفي على وجهه غموضًا، بسيطًا في حديثه للتلاميذ، مرحًا، ساخرًا بنبرة تحمل طيبة وودًا كبيرين لمن حوله.

لذا كانت حصة التربية الدينية معه متعة ممزوجة بخيال مستحب، إذ كان يضفي عليها بهجة؛ بقدرته على سرد قصص الأنبياء، ومعجزات الرسل، ومن خلال السرد والحكي تصل الرسالة للتلاميذ، وبمهارة فردية لم تتكرر مع أحد قبله، ولا بعده، يتمكنون من حفظ النص القرآني أو الحديث بكامل معانيه ودلالاته قبل أن تنتهي الحصة.

أحببناه جميعًا، كنا نلتزم الصمت في حصته، حتى صدقت فينا عبارة كأن على رؤسهم الطير؛ من فرط الإعجاب بحديثه ورواياته الساحرة التي كانت تأخذنا لعوالم غريبة، ولا نفيق إلا على صوت الجرس مُعلنًا نهاية الحصة وانصراف الأستاذ.

لم يكن هذا ما يميز الأستاذ خضر ، بل شيء آخر، لحظته ولاحظه غيري من التلاميذ، دائمًا كانت جلسته في منتصف الفصل من الأمام، عن يمينه نافذة كبيرة تطل على فناء المدرسة، والشارع الرئيس، وعن يساره باب الفصل.

فدائمًا كانت هناك هالة تحيط برأسه، والقصد هنا دائرة من الضوء الخفيف تتحرك مع حركته وتسكن مع جلوسه، بالرغم من تباين إضاءة الفصل من حصة لأخرى، لكن تظل الهالة كما هي تتحرك معه جيئة وذهابًا، خافتة إن كان الفصل معتمًا؛ فنراها رأي العين، وشديدة السطوع إن كانت النافذة، أو الباب، مفتوحين، أذكر أنها كانت إضاءة مختلفة عن الإضاءة الموجودة بالفصل، سواء الصادرة من الكهرباء أو من الشمس، كانت على شكل نور خفيف لامع مميز يتحرك مع حركته، ويظل ثابتًا حول رأسه إن ظل قاعدًا.

كانت هالته المضيئة حول رأسه حكرًا عليه وحده،  فلم أعهدها أو ألحظها في غيره من المدرسين على كثرتهم. كان الفصل يموج بحركة وشقاوة التلاميذ، دون هوادة طوال اليوم، فإذا دخل خضر سكن الجميع وشخصوا بأبصارهم إليه صامتين، وكأن جدارًا من الصمت ينزل فيعزلهم عن العالم من حولهم، حتى تنتهي الحصة ويخرج، فتعود الحياة في الفصل سيرتها الأولى.

بنهاية العام اختفى الأستاذ خضر، ولم أره ثانية، وإن كنت قد بحثت عنه في أرجاء المدرسة، فلم أجد إجابة شافية تبلّ الريق، ووجدت صمتًا كبيرًا وهالة من الغموض أشد ظلامًا من هالته، كما سألت الجميع عن هالته، لكن لم أجد سوى السخرية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد