وُلِد الخميني في بداية القرن العشرين في مدينة خمين، وهي بلدة نائية في إيران، ودرس القرآن وعلوم الفقه الشيعي منذ أن كان في السادسة من عمره، قُتِل والده وهو في السادسة عشرة من عمره، وكان من علماء الشيعة. ارتاد الخميني الحوزات العلمية، وهي مدارس فقهية لأَتْباع المذهب الجعفري الشيعي، حصل على لقب «آية الله»، وأصبح من علماء الحوزة الفقهية في مدينة قم الإيرانية، نَظَّر لِولاية الفقيه، وأصدر كتابًا سماه «الولي الفقيه والحكومة المسلمة»، عنوان فاسد لكتابٍ ضَلَّ مَسْعَاه، شَرِبَ الفكرة وَسَكنت عقله وروحه، اجتهاداته ما هي إلا إلهامات حضورية وَجَب التصديق واليقين بها، عَبَثٌ فكري وأخلاقي.

إنسان ككل البشر، اجتهد ودرس، وآمن أنه وَصِي مِن الله على سائر البشر، يُلْهِمه الله الصواب دائمًا في القول والفعل، وَيَعْلُو على عمر وعلي رضي الله عنهما، فلقد أصابت امرأة وأخطأ عمر. واستشهد علي رضي الله عنه ولم يُلْهِمه الله أن عبد الرحمن بن ملجم تعاهد على قتله، هو خَلِيفة الإمام المهدي المُنٰتَظر إِلى أَنْ يَظْهَرْ.

في المقابل كان هناك طفل على النقيض، وُلد في تَرف العاصمِة طهران، الابن الأكبر لضابط في الجيش الإيراني استولى على الحكم عام 1926، وَأسَّس الضابط حكم سلالة بهلوي، محمد رضا بهلوي عاش حياة مُتْرفة، يُأْمَر فَيُجَاب، وَيَغْضَبُ فَيُسْتَرْضى، كباقي أبناء الملوك، انتقل للدراسة في سويسرا؛ فبلاده التي يحكمها والده رجعية وبدائية، وليست كسويسرا التي يحكمها شخص آخر لا يرسل أَبناءه للدراسة خارجها.

 تَأثر تأثرًا كبيرًا بالحداثة الغربية، فأحب الغرب وأحبوه، وظهر ذلك في تباهي الإعلام الغربي آنذاك واصفًا إحدى زيجاته قائلًا: «الراغب في التأكد مِن أن الشرق أخيرًا قد تغير، ما عليه إلا مُتابعة تلك الصور، الأميرة فوزية ابنة السبِعة عشر ربيعا وذات العينين العَسَليتين والشعر الأسود حتى تَخَالها تسير في شوارع باريس»، كانت إحدى زيجاته من الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد وأخت الملك فاروق حاكم مصر.

شخصان متناقضان يَعْدُوَانِ في اتجاهين مختلفين تقابلا في زمان واحد وعند مصاص دماء واحد وهذا هو العجب العجاب.

عندما سيطر الضابط الإيراني رضا بهلوي على حكم إيران من الدولة القارجية عام 1925، التي كانت تضم معظم مناطق إيران الحالية، وأرمينيا، وأذريبجان، استبدل بمسمى بلاد فارس آنذاك إيران؛ نسبة إلى الآريين، وتأثر بالطريقة الكمالية (مصطفى كمال أتاتورك) في إدارة البلاد، وعلى الرغم من كونه شيعيًا اثنا عشريًا إلا أنه اصطدم مع المرجعيات الشيعية، فكلاهما يرى نفسه المُخول بامتلاك زمام المبادرة. كما تعاطف مع هتلر، فالدكتاتوريون يَشْربون من إناء وَاحد.

فغزا السوفيت والإنجليز إيران وَاسْتَبدلوا به ابنه محمد رضا شاه الحاكم بالوصاية البريطانية، وكعادة الظالمين نُفِيَ والده خارج البلاد غير مأسوفٍ عليه من شعبه، فلم تكن هناك مقاومة تذكر لإعادته، ومات خارج البلاد، قبل محمد رضا أن يكون وصيًا على شعبه من قبل الإنجليز، وَأَيْقن أنه بدون تحقيق مصالح الدول العظمى فلن يمكث على عرش إيران ساعة، وهذا دَيْدن حُكامِ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ سقوط الخلافة الإسلامية، غير أنه لمْ يَهنأ بحكمه، فبرز محام وبرلماني نادى بالإصلاح، والعدل في توزيع الثروات، حتى أُجْبِر محمد رضا على تعيينه رئيسًا للوزراء، محمد مصدق، الذي تَعَدَّى الخطوط الحمراء المَرْسومة من قبل الدول العظمى، نادى بتأميم ثروة البلاد النفطية، فاجتمعت المخابرات الأمريكية والبريطانية سويًا، وعزلوه، وظل حبيس الإقامة الجبرية حتى توفي؛ الغرب لاعزيز له إلا المال، فهو مصدر البقاء.

سُرعان ما تَخَلوا عن الشاه، عام 1979 خرجت مظاهرات عارمة منددة بالظلم، وتغيير مناهج التعليم، وإفقار البلاد، وهي صفة لازمت المندوبين الساميين من قبل الدول العظمى، ولم توافق دولة من أوروبا ولا أمريكا على استقباله، فاستقبله قرينه السادات حاكم مصر.

في المقابل كان الشاب روح الله بن مصطفى يَعْدو تجاه حلمه، الحلم الذي تجسد في كتابه «الولي الفقيه والحكومة المسلمة»، وَمِن المصادفات أن اسمه عند ولادته روح الله، وَقَد يكون لهذا الاسم أثر بالغ في تكوين شخصيته وقناعته، يُنَادى صباحًا ومساء بروح الله، تأثر روح الله كثيرًا بنظرية ولاية وحاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجة (المهدي المنتظر)، حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وإقامة حكم الله على الأرض، ومخالفة الولي الفقيه فيما يصدر عنه من أحكام واجتهادات شرك بالله عز وجل.

ظهرت هذه النظرية في القرن السابع عشر الميلادي، إلا أن هذه النظرية سارت على أقدامها في القرن التاسع عشر على يد روح الله، ساعدت الظروف المحيطة بروح الله على نضوجه ونضوج فكرته، فالشعب ينزح تحت ويلات الفقر، ونهب الثروات، وَكثرة الأمية، وَتَحَّكُم الأجنبي في مقدرات البلاد، نَاضَل روح الله ضَد الشاه وأبيه وَقَاوَم عَلْمنتهم للمجتمع.

بَدَأ روح الله نِضاله العلني بمهاجمته لائحة الأقاليم التي تسمح لغير المسلم بالترشح، وحذف اليمين الدستورية بالقرآن، وكان بذلك يسعى الشاه لتمكين البهائيين من الترشح إرضاء للغرب، دعا روح الله الحوزات العلمية والشعب الإيراني للانتفاضة ومقاومة تغيير شرع الله، وأرسل برقيات تهديد ووعيد للشاه، فخرجت مظاهرات عارمة، أدى ذلك لتراجع الشاه عن القرار، بدأ الصراع المباشر بين الشاه محمد رضا وآية الله روح الله الخميني، وكعادة أي مندوب سام للدول العظمى لابد له أنْ يقيم علاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني.

فهاجم روح الله الشاه مهاجمة عنيفة، ودعاه في خطاب رسمي إلى الكف عن هذه العلاقة المشبوهة، اعتقله الشاه فخرجت مظاهرات منددة بذلك، فسطع نجم الخميني، وأصبح مُلهم الحماسة لدى الشباب، فنفاه الشاه إلى تركيا، ثم إلى العراق، وفي العراق لبث روح الله حوالي 13 سنة في النجف الأشرف، لم يَهدأ روح الله، ولم يكل ولم يمل في منفاه، بل ظَلَّ مُنددًا بالشاه وأفعاله، وعلى اتصال بالداخل، وظل يَحج إليه شيعة العراق، ولبنان، وسوريا، وايران، أدى ذلك إلى اتفاق الشاه وصدام حسين على نَفيه خارج العراق، غادر إلى فرنسا، ومن هنا تَقابل مع الشاه بعد أن كانا في اتجاهيين متضادين علنًا، إلا أنه سرًا كان الاتجاهان يؤديان إلى مصدرٍ واحد.

من آية الله العظمى روح الله بن مصطفى الخميني إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر: «سترون أنه لا يوجد عداء خاص بيننا وبين أمريكا، وسترون أن الجمهورية الإسلامية المبنية على الفلسفة والقوانين الإسلامية، لن تكون إلا حكومة إنسانية، تسعى للسلام ومساعدة البشرية».

وإذ بالشاه يطرق أبواب الغرب وأمريكا، فلا تُفْتَحُ له فَلَقد كان ورقة وَاحْترقت، أمَّا الخميني فاختصر الطريق، وعرف أنه لن يتمكن من حكم إيران، إلا أن يكون مندوبًا ساميًا، وهو ماحدث بالفعل، أقلعت الطائرة من فرنسا بعد سماح الغرب بذلك، وها هو يهبط المطار ويستقبله شعب يرى في الخميني أمل المستقبل.

حينما يصل إلى الحكم إنسان ويحكم بنفس أدوات من سبقه حتى ولو اختلفت الطريقه تكون النهاية واحدة.

الخميني بما أنه روح الله وسره المقدس يرى ما لايرى الآخرون، ويَحِلُّ له مَا لَا يُحَل للأخرين، فهو يتَلقى إلهامات حضورية.

يحكي أبو الحسن بني صدر أول رئيس إيراني بعد الثورة ورفيق درب الخميني في باريس آسفًا على ما آلت إليه إيران، كان الخميني يؤمن بالحرية ولهذا اختار فرنسا، وكانت ملتقى للأفكار، وأعطى الخميني انطباعًا للغرب أنه نموذج للنسخة الحديثة عن الإسلام، ولكنه حينما هبط من سلم الطائرة تغير كل ذلك.

استبدل الخميني عباءة الشاه وزخرفها ببعض الآيات القرآنية إلا أن العصا التي يُضْرب بها الشعب واحدة.

كل يدعي وصايته على الشعب، فهو المخول بتقرير مصير الشعب الطفل المسكين الذي لولا هذه القيادة لأكلته الذئاب.

نعيش نهاية إمبراطورية الخميني. وَأَحْداث النهاية تَتَجلى، فما حدث في نهاية حكم أسرة بهلوي يحدث مع وَرثة الخميني، الشعب لم يعد يتحمل، فقوته يُسرق لِنخبة العمم الشيعيه، لتحقيق وهم فاسد، وبدأ يتضح زيف الشعارات، فهو في كل يوم يهبط إلى أسفل سافلين، وعَلِم أنَّ بقاء نظامه مصلحة للغرب.

 هذه طُرق حُكْمْ أَخَذَتْ الوقت الكافي لِيُحْكَم على نَتَائِجها، فما كانت نَتَائِجها على الشعب إلا لصالح مَصَاصي الدماء من القوى الاستعمارية.

فِي انتظار مَنْ يراسل الـ«سي آي أيه» ليكون بديلًا لورثة الخميني وَيَختصر للشعب معاناة إزالة ورثة الخميني، أو أن الشعب فَطِنَ لِمَا صُنِعَ به مِنْ تغييب فاسد باسم الدين، وَلَن يَسْمح أَنْ يعود إلى دائرة الوصاية، ويكون هو الوصي والرقيب، ويسعى في نضاله حتى يؤسس لدولة تسعى للنهوض به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد