«سأختار شعبًا محبًا وصلبًا وعذبًا، سأختار أصلحكم للبقاء؛ كي تكونوا جديرين بي، وأكون جديرًا بكم، سأمنحكم حق أن تخدموني، وأن ترفعوا صوري فوق جدرانكم، وأن تشكروني لأني رضيت بكم أمة لي. قد اخترت شعبي واختارني الآن شعبي، فسيروا إلى خدمتي آمنين. أذنتُ لكم أن تخرّوا على قدمي ساجدين». محمود درويش

«إذا كانت غايةُ أحلامك أن تحصل على سقفٍ تحتمي به، وعمل تقتات منه، وماء نظيف تشربه، وكهرباء لا تنقطع، ووسيلة مواصلات لا تقتلك، ومقعد لأبنائك في مدرسة تتعامل معهم كآدميين، وواسطة تحميك وتعيد لك جزءًا من حقك الضائع، إذا أوقعك حظك السيئ في طريق مسئول، يتسلّى عليك بالتعذيب ليلًا، ثم يتصل بذويك صباحًا، ليحضروا إلى المشرحة لتسلم جثتك، فأهلًا بك في دولة خرموبوليس»!

في هذه الدولة يمكنك بسهولة تمييز المثقف المقاوم للسلطة والمنفي داخل وطنه، مؤلّفا هذا الكتاب من هذا النوع المتمرد، الذي یمتلك قدرًا هائلًا من الطاقة الإيجابية لهدم المقدسات الوثنية الفكرية، والتشبث بالضمير والوطن بدون مثاليات أو شعارات حنجوریة، أو اختراع أو اِتباع آلهة تقبع في معبد الحكم وسط كهنة مغيبين ببخور الفساد والإفساد.

في سبع حوارات صعلوكية بامتياز، يحاول «أحمد عدنان، وعمرو منعم»، تفكیك الصورة الكلیة للوطن، لفرز العرَض عن المرض، يحاولان تقليب المواجع لتجديد حرارة الألم، وتخليده في ذاكرتنا؛ حتى ينضج فيكون رابطًا بين قلوب كافة الموجوعين في هذا الوطن، وأكاد أتخيلهما أمام الديكتاتور يهدّدهما: «لا تستمعا لأحد غيري، أنا جاد جدًّا، كونا حذريْن، لا ينبغي لأحدٍ أن يسيء إلى صبري لإسقاط الدولة، أقسم بالله لو اقترب أيٌّ منكما، سأزيله من على وجه الأرض، من أنتما؟».

الحكاية الأولى: أرض الشياطين الخرساء

الكتابة هي نتاج معاناة تتأسس على جراح الروح والجسد، الأمر الذي يولّد نوعًا من الصراخ والبوْح والمقاومة والمواجهة، وفضحًا للمسكوت عنه، ونزعًا للأقنعة؛ لذلك أرى في هذا الكتاب، صرخة مقاومة ومواجهة مدوية ضد الألم والخراب الروحي، الذي يرسم كل ما حولنا، حين ترى إنسانًا يقع في فخّ، تصرخ محذرًا، ولكن عندما تراه يدخل فخًا، عن سابق علم، وبعينين مفتوحتين، فماذا عليك أن تفعل؟!

نحن البشر مسجونون في جماجمنا، «نعيش وحدنا، كما نحلم وحدنا»، كما كتب «جوزيف كونراد»، فالأفكار والخطط والأحلام والمشاعر الوحيدة التي يمكن أن نختبرها هي أفكارنا؛ وبالتالي فتجربة العالم من داخل رأس شخص آخر، تؤطّر لوجهة نظر مختلفة: مَنْ الذي نرى من خلاله؟ ومَنْ الذي نراه داخلنا؟ على هذا النحو، كان رفع الستار عن شخصيتي المؤلفَيْن الرئيسيتين.

يَبْدَآنِ في حواراتهما، ويحاولان إشراك القارئ في واقع يعيشه، لإحداث زلزالًا بتفكيره؛ علّه يستيقظ. ولأن الانطباعات الأولى حاسمة، فحين يعرف القارئ أن حكّائيْه صعلوكان، يريدان منه أن يفعل شيئًا مثاليًا، وهو إعمال العقل، سيحوم حول حكايته الخاصة، ويفكر في طرقٍ تمكنه من الكشف عن جوهر حوارات «خرموبوليس»، «بلد التاریخ التي انسلخت عن تاريخها، وأصبح اسمها یستدعي أوصاف جمهوريات الموز». الدولة التي یتمیز كل شيء فيها بأنه «خرم كبیر، منفده على بعضها؛ یعني من أكبر رأس فيها لحد ذمة زمایلك، كله مخروم». الدولة التي يقوم كل من فيها بوظيفة مختلفة عما خُلق له، والتي تضلّل مواطنيها بأحاديث عن الاستقرار والمكانة العظيمة التي تتمتع بها، ومدى احترام العالم لها، مع تمتعها بالأمن والأمان رغمًا عن أهل الشر، في هذه الدولة، يتحول التعذيب في وعي الجلاد، إلى تقنية لمواطَنة رشيدة، وكل مواطَنة لا تتدخل الدولة في تشكيلها، هي مواطَنة ناقصة ومشكوك في هويتها، إنّ أكبر ما تصبو إليه دولة «خرموبوليس»، هو خلق فجوة عميقة بين الفرد والعالم، وبين الفرد وذاته.

الحكاية الثانية: التغيرات الاجتماعية الحادة التي تصاحب الثورات أو حتى الانقلابات، هي ما تشكل مستقبل المجتمع

مَنْ يدرس تاريخ الثورات، يعرف أنه لا يبعث على الثورة سوى ظهور طبقة جديدة تغيّر مركزها الاقتصادي، فتكافح كي تغير أيضًا مركزها الاجتماعي والسياسي، وقد مضت على مصر آلاف السنين، لم تتغير فيها طرق الإنتاج، فلم تظهر فيها طبقات جديدة، فاستقرت النظم الاقتصادية والاجتماعية، وأدى في النهاية إلى بقاء الطبقات كما هي، فلم يكن هناك باعثٌ على الثورة. صحيح أننا أحيانًا نجد الثورة دون أن نعرف بواعثها، ولكن جهلنا لهذه البواعث لا يدل على غيابها، هناك دائمًا طبقة تسيطر على المجتمع وتتسلّط على الحكم، ولأنها غير منتجة، لا تحس بالمسئوليات الاجتماعية، فتنحلّ أخلاقها، ويتزعزع تماسكها، وتسرف ببذخ لأنها تستهلك ولا تنتج، وقد تحيا على هذه الحال سنوات، ولكن الشعب ينتهي بالثورة عليها، ولهذا السبب نجد لكل ثورة طرازًا مختلفًا.

يتجاهل حكامنا ونخبهم حقيقة أن أزمة دولتهم الخرموبوليسية، ليست اقتصادية بقدر ما هي سياسية واجتماعية؛ ذلك أنه بافتراض تحسّن الاقتصاد، فهو عديم الفائدة، ما لم تنضبط السياسات وتتعزز الشفافية والرقابة وتتحقق العدالة الاجتماعية، ولعل أزمة «خرموبوليس» تنعكس جيدًا في سياسات ومشروعات ضخمة، لا يشعر بها أو يستفيد منها المواطن، بل وتضر بمصالحه، تأتي هذه السياسات كلها متزامنة مع معاناة كبيرة، نتيجة التراجع التاريخي لدور الدولة في تحمل مسئوليتها في التعليم والصحة والبنية التحتية والرعاية الاجتماعية، مما يوقع المواطن فريسة لبدائل وحلول ترسخ تفاوتًا طبقيًا واجتماعيًا حادًا.

في إسقاط بديع، يلقي الكِتاب المسئولية لما وصل إليه المصريون، على «الكشري» باعتباره تعبيرًا لتجاوز معيارية المنطق، واختلاط الحدود، مما أنتج مجتمعًا غريبًا مقعرًا فارغًا، لم يتفق إلا على التطبع بطبائع الكشري غیر المعیاریة، والحل معروف وبسيط، ولكن لا أحد يطالب به، وهو «مجرد إخضاع هذا المجتمع الكشري لتوازن بيئي ومقاديري للوصول لطبق متعادل یكون كل عنصر من مكوناته فاعلًا بدون تعدٍ على العنصر الآخر، تحت مسمى المؤامرات وغيرها». وهنا أتساءل: مَنْ منا مِصْريّ خالص؟ هذا الوطن الذي تناوبت عليه الأمم والحضارات، كان لابدّ له أن يُنجبَ أبناءً مجهولي الهوية. الهكسوس حكموا مصر واختلطوا بأهلها قرنًا، ثم حكمها الرومان ثلاثة قرون، حتى فتحها «عمرو بن العاص»… وصولا للحكم العثماني، ثم الإنجليزي، كلّها شعوب تركت بصماتها الجينيّة داخل الحمض النووي لهذا الوطن المهجّن.

المفارقة الحقيقية، في وجهة نظري، ليست في أن الذين حكموها كانوا غرباء عنها، بل في استسلامها المتتالي لغزاتها، هذا الاستسلام الذي صنع التلاشي ونشر التعفن. والآن بإدمانها الخضوع، تندثر تحت ضربات الفاسدين واللصوص والعملاء، ولا خيار لنا، نحن الرافضين، سوى أن نخترع وطنًا جديدًا يقاوم الموت والتآكل، قبل فوات الأوان.

أزمة «خرموبوليس» الحالية، تعكسها سحقها لمعارضيها، لأنهم يتآمرون لإسقاطها، وليس لأنهم ضد غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ثم في تناقض عجيب يصفها رئيسها بأنها شبه دولة، فهل غاب عن إدراكه، أن أشباه الدول لا تحتاج لمن يتآمر عليها؟ لأنها ستسقط نفسها بنفسها، وأن من مصلحة المستفيدين منها والمتآمرين عليها أن يحافظوا فقط على تدهور أوضاعها وليس إسقاطها! في الحقيقة ليس هناك ما ينبئ أن طبيعة النظام تغيرت، بحيث لا تتكرر أخطاء الماضي. ويزداد هذا الفهم وضوحًا، إذا تذكّرنا جميعًا أن نظام الحكم، وليس غيره، هو من حوّل الدولة التاريخية إلى أشلاء أو إلى شبه دولة، سواء كانت البداية كما أشار الرئيس، هزيمة 1967، أو كانت بعد ذلك، كما أشار هو أيضًا إلى أن الرئيس الأسبق، صاحب الثلاثين عامًا من الحكم، تركها خرابًا.

الحكاية الثالثة: القهر النفسي المتعمد لتحويل الإنسان إلى عبودية القهر وأداته

لا فرق بين الطغاة، جميعهم جبناء يخافون صرير الأقلام، كما قال نابليون: «ألف مدفع أهون عليّ من صرير قلم»، كلهم يرتعدون من كلماتٍ لا توجد في قواميسهم: حريّة، عدالة، مساواة، ديمقراطيّة؛ وهذا الجبن يدفعهم للقتل والإمعان في تعذيب شعوبهم، يتكرر التاريخ ولا أحد يتعلم، كل ديكتاتور يعتقد أنه استثناء، وأن القمع سيجلب له الاستقرار، ثم تنتهي أسطورته إلى سجن أو إعدام، وأشد ما يستعين به الطاغية بعد وسائل الإعلام، هو جهاز الشرطة. يحاول المؤلفان سبر أغوار نفسية رجل الشرطة، وهنا نرى تفكیكًا لمفهوم الدولة البولیسیة، والذي تم ترويجه للتغطیة على الدولة المخابراتیة، التي تصدّر خدامهاالمقهوریننفسیًّا (البولیس) فيالمشهد، لتعمل من خلفهم وبيدهم. وكیفیخلقهذا إنسانًایقبل الذل والقهر، ویعرف أن المجتمع یلفظه ویتنكر له، وفي نفس الوقت یخدم من صنعه على هذه الهيئة المزریة، ولا ینتقم من صانعه بل ینتقم من المجتمع نفسه، تناقض نفسي رهيب، كيف لمسخ أن یحب صانعه؟

الشرطة دائمًا ترتبط بالنظام السياسي، فما بالك بدولة تضعها فوق الجميع؟! مما يجعل ولاءها للحاكم، وليس للدستور والقانون وحماية المجتمع. إذًا، فلا بأس من القوة الغاشمة. يفسر باحث الاجتماع الفرنسي «ديديه فاسا» إنه كلما زادت السلطة المخوّلة لأفراد الشرطة، يتحولون من خدمة الشعب إلى خدمة الدولة، فممارسات الشرطة غير الملائمة، تقبلها السلطة بصفتها أساسًا لتحقيق الأمن. وساعد في ذلك، أن ثقافة المصريين تميل إلى قبول القهر والابتعاد عن جهة الإيذاء والسلطة، وأن التركيب الأبوي للمجتمع يقبل التقويم من السلطة، ولو كان عنيفًا.

شخصية الشرطي في «خرومبوليس»، تعيش داخل دهاليز الخوف، وتعاني من تفكك نفسي، ومن تشظٍ في وعيها بذواتها، وبالعالم الاجتماعي الذي تنتمي إليه. إنها شخصية اغترابية بامتياز، لم يعد صاحبها يتعرّف على نفسه، ومَنْ يكون؟ بل إن جهازه العاطفي والأخلاقي قد تعطل؛ ومن هذه الزاوية تحوّل إلى مجرد أداة في يد صانعه، هذه الأداة تُظهر مناطقَها النفسية الخفية، من خلال الكشف عمّا تعانيه من ضعف وعجز، تجد في عمليات التعذيب تعويضًا عنه، لتكتمل رجولة الضابط بصرخات ضحاياه، وتوسلاتهم، وبآلامهم القاتلة.

من مهازل «خرموبوليس» أن هناك مادة عن حقوق الإنسان تدرّس بكلية الشرطة. ويوضح المؤلفان «إن مفهوم الدولة المخابراتیة الرشیدةالحامیة للشعب غیر الواعي بمصلحته، قد انتهت بسقوط حائط برلین وانهيار الشیوعیة، وأن بقاء أنظمة مثل كوریا الشمالیةأو دویلات أمریكا اللاتینیة، هو مسألة وقت، ولن یمكن استنساخ هذا النموذج مرة أخرى، سوى في خیالات المرضى من مخرجي سینما المؤامرات، ممن یعتقدون بتفوقهم الفكري، وأن تفوّق السلاح لا یصمد أبدًا أمام تفوق العقل، وأن الواقع الدولي والمعلومات يتغیّر».

يقول «مصطفى حجازي» في كتاب «الإنسان المهدور»، «إن الاستبداد والطغيان يهدران حصانة المجتمع والوطن لمصلحة حصانة السلطة المطلقة؛ ولذلك فكلما زادت الأجهزة الأمنية قلّ الأمن الاجتماعي». ويوضح الكاتبان نوعیة المنضمین لكلیات الشرطة، في شرح لكيفية صناعة المسخ البولیسي في الأنظمة الشمولیة، ويؤكدان أن انهيار الدول الشمولیة، يبدأ دائمًا بانهيار جهازها الشرطي، وأن إعادة سلطتها تبدأ بإعادة نفس التنظیم التواطؤي لجهاز الشرطة المقهور نفسیًّا، والخراب على جمیع المستویات الأخلاقیة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد