في الجزء الأول أبحرنا في ثلاث حكايات من دولة «خرومبوليس»، وكيف تحدّث صعلوكانا «أحمد وعمرو» عن أرض الشیاطین الخرساء، وعن التغیرات الاجتماعیة الحادة التي تصاحب الثورات أو حتى الانقلابات، ھي ما تشكل مستقبل المجتمع، وعن القھر النفسى المتعمد لتحویل الإنسان إلى عبودیة القھر وأداته. وفي الحلقة الثانية نتابع قراءتنا في زمن الانحطاط.

الحكایة الرابعة: في منفى الوطن

هل أصيبت مصر بالعقم الذهني، كما وصفها الفرنسي رينان؟ الديمقراطيات لا تموت لأنها قِيم إنسانية وسياسية، والقيم لا تخضع لضوابط الحتمية البيولوجية، قد تتعرض لانتكاسات هنا أو هناك، وقد يتوقف التاريخ عند تجارب غير ديمقراطية، كما في ألمانيا أو إيطاليا خلال الحربين العالميتين، لكن ولأن الطبيعة دومًا تخشى الفراغ، فإن الديمقراطية تعود لتزدهر من جديد، بعدما يموت أعداؤها.

إننا نعيش في عصر الخوف من كل شيء، وخوفنا الأول هو من الكلام، أي من مرآتنا الأولى. هذا الخوف الذي بدأ منذ الانقلاب على الديمقراطية، تحوّل اليوم إلى واقع مرعب، إلى درجة أن الدخول في تفاصيله بات مهنة شاقة إن لم تكن مستحيلة. لك أن تتخيل أن أمين عام الجامعة العربية أعلن في كلمته أثناء القمة الأخيرة أن الربيع العربي لو كان قد نجح لدُمّرت الأمة العربية. الأمين العام يزهو بانتصار الطغاة على شعوبهم، ولأن السخرية تقوم على مفارقات الواقع، فهي تفترض أن يحيا الساخر في بلدٍ تسمح له بحد أدنى من الأمان، ليسخر وينكّت، لكن حين يصير الواقع نفسه مفارقة، تفقد السخرية معناها.

يرصد المؤلفان دخول الطبقة المتوسطة طریقَ التیة والدم، وكيف صار بینھا وبین الفقر الفعلى خطوات بسیطة. الكل یسقط ولا یعرف كیف یوقف السقوط. ويتخذان أحد كافیھات الزمالك الراقیة، شاهدًا على محدثي النعمة الممّیزين بفجاجة الذوق والصوت العالي، وكأنھم على رأي دیستویفسكي یریدون معاقبة الطبقة الأعلى وإفسادھا.

وفي مشهد درامي يستحضران أقوال سقراط والكواكبي عن الحكومة المستبدة، ليخلصا إلى ظاھرة تسمي الخوف من الحریة، تستخدمھا الأنظمة القمعیة لصنع رأي عام وحس مشترك، بسیطرتھا على الإعلام التكراري لفكرة ما، حتى وإن تناقضت مع الحریة والعدل. ھناك شعوبٌ تمر بحالة مازوخیة نفسیة، تعشق فيها الخضوع لمعذبھا، وتتغنى به، وترفع صوره، وتھاجم من ینتقده، وتُقتل وتُنتَحر مستمتعةً بسادیّته. لتصل إلى نهاية محتومة، وهي أن فَناء دولة الاستبداد لا یصیب المستبدین وحدھم، بل یشمل الدمارُ كل شيء، لأن دولة الاستبداد في مراحلھا الأخیرة تضرب كثور ھائج، وتحطم نفسھا وأھلھا وبلدھا قبل أن تستسلم للزوال. وكأنما حُقّ على الناس أن یدفعوا ثمن سكوتھم على الظلم، وقبولھم القھر والذل والاستعباد.

فبعد أن فتح الله للمواطن الـ«خرموبولیسي» طاقةً من الحرية، واكتشف أشياءً لم يعرفها من قبل، دیمقراطیة، حقوق إنسان، برلمان، صحافة حرة، تخطیط، جذب استثمارات، إمكانات بلد لم تستغل، انطلق یتفنّن في استعمال كل شيء بطريقة خاطئة. وأوقد أحقاده الدفینة لینتقم من أخيه، حتى بلغ غباؤه مداه، حین استطاع الدوبرمان إقناعه بأن الصبر مرّ، وأن أخاه هو أكبر أعدائه. فأوقد النار في خيمة القبيلة بأكملها. ورفع لافتة: لا كرامة لمواطن أمام كرامة الوطن. وهي في حقيقتها: الكل منعدم الكرامة، وبلا أي استثناء طبقي أو مادي، سیقبل القھر، وسیبرر القتل، وسیستبیح السرقة، وسیكون بلا ضمیر. فسُلبت كرامته وفقد التمییز وقَبِل بأي شيء، وكل شيء یُفرض علیه.

الحكایة الخامسة: في دولة الضباط

ما تبقى من عقولنا هو المشكلة. كي تعيش في خرموبوليس عليك أن تتخلّى عن أي شعور، وتنسى كل القيم، وتتأقلم مع فكرة أنك إنسان بلا حقوق ولا كرامة، عندها فقط تستطيع أن تستمتع بنشرات الأخبار، أو بفيض التفاهة التليفزيونية، أو أن تتنعم بالعفن المحيط بك، دون أن تدرك حقيقته، كما فعل هاملت حين صرخ هناك شيء متعفن في دولة الدانمارك. أما نحن فماذا نقول؟

لم يبق لك إلا ممارسة الصعلكة، وھى الخیار الوحید المتاح، حلّ محل الحیاة نفسھا، فلا نقول فلان یعیش حیاة سعیدة أو تعیسة أو مزریة أو ھنیئة أو متوترة… إلخ. من الأكلشیھات التقسیمیة الدالة على التنوع. یكفى أن تتصعلك لتحیا، وفي النھایة كلنا نتصعلك عندما یختفي الھدف، ویُفتقد الاتجاه ویُمنع الاختیار.

في رحلتهما إلي عزومة فلاحي بمحافظة الشرقية، يصف الصعلوكان: أحمد وعمرو نقاط التفتیش المنتشرة على طول الطريق، وكيف كان تعامل العسكر معهما تعاملًا قاسيًا. شعرا بمھانةٍ حين تم تفتیشُهما، وكيف أنهما لا يبدوان مجرمين، وقد غزا الشيبُ رأسيهما الأربعينيين. وأن العسكر بتفتیشِھما كان یتعدي على حریتِهما. وأن فروقات العیش في ظل حكم عسكري أو حكم مدني يمكن تلخيصها في مفھوم احتكار الوطنیة. ومن الطبیعى أن یوصم الأقل وطنیة بأنه من المنبوذين، ولا یحقّ له التذمّر أو الاستمتاع بھذا الوطن.

تكلفة العزومة كانت نصف تكلفة وجبة عند كبابجي في القاھرة ممن یضعون أربع نجوم سياحية، وكأنھا رتب عسكریة تعطيھا الحق في فرض الإرادة السعریة، كما یُفرض كل شيء بقوة النجوم النحاسیة. ويتذكران مادة التربیة العسكریة في مدرستهما الثانویة، «مجرد أراجوزات جایین یھجصوا، والفرصة سانحة للتزویغ والاستمتاع بسیجارة أو ساندوتش، وكيف ارتبطت العسكرية عندنا باللامنطقیة في كل مراحل العمر». جیش خرموبولیس سبق كل جیوش العالم في تصنیع «طاقم حلل ستانلس» تناسب بوتاجاز المصانع الحربیة، ست البیت من أولویات جیش الخرم العظیم.

يعرج هذا بنا لحوار شيق، حول النفسیة العسكریة والعقائدیة التي تربت علیھا الجیوش العربیة، والتي لم تنجح سوى في قھر شعوبھا، فيما عدا انتصار أكتوبر (تشرين الأول) المفاجئ، وأسبابه الكامنة في أخذ المصریين الزمام من العسكر، والتضحیات غیر المسبوقة من أسلحة المشاة والمھندسین وعمادھما من المجندین المدنیین بعد نكسة يونيو (حزيران)، وتم التعتیم علی بطولات المجندین الفردیة، لصالح قادة قبعوا في دُشمِھم، مع عدم إنكار تضحیات بعض النظامیین، والبعد عن تقدیسھم، فهم لیسوا أكثر وطنیة من مجند لم یقبض وضحى بحیاته، لوجه لله والوطن وترك یتامى بلا مصدر للعیش.

وللتعرف على جذور المشكلة نعرف أن الشاب ینضم إلى الكلیة الحربیة، مدفوعًا بالوطنیة أو بالوظیفة الثابتة والامتیازات أو راغبًا في البدلة، كل ھذا لن یشكّل عقیدته القتالیة، المھم ھو ما یحدث بعد أول خطوة یخطوھا داخل ھذة الكلیات. المطلوب زرع عقیدة تسمح للقائد بالتحكم الكامل في الطالب، وإخراجه بعقیدة مقدسة للحاكم، تسمح وتبرر له قتل شعبه إن فكر وطلب الحریة، ولذا یبدأ العمل على عقله الطیع لتشكیل عقیدة نازیة فعليًا وحرفيًا، فیتم إقناعه بأنه من الأخیار. وتم اختراع وعّاظ داخل كل مدرسة حربیة تنتزع الدین من سیاقه، وتشیطن المعارض للقائد الحاكم المتكلم باسم الحق الإلھي والعالِم بكل شيء. عقیدةٌ أتاتوركیة تفصل الدین لا شعوریًا في عقولھم، وتنفّرھم من الثقافة الإسلامیة، وتحرص على أداء الطقوس من صلاة وصوم، وكأنھا الدلیل على طھارة ھؤلاء الأخیار، وإثبات لحقھم الإلھي في الحكم. في النھایة إنسان مشوه نفسیًا، وغیر مندمج مع مجتمعه، ومن یندمج یتم إخراجه سریعًا حتى لا یفسد عقیدة الجیوش.

الحكایة السادسة: العلم «نورون»

كشفت دراسة أجرتها كلير ديدريخ، أن كلاب البوليس لا تعتمد على حاسة الشم القوية لديها كما هو شائع، وإنما على الحالة النفسية لرجل البوليس الذى يقودها لأداء عملها، حيث إن هناك علاقة بين الضغط النفسى للإنسان وحاسة الشم لدى الحيوان. وقد استطاعت الباحثة السيطرة على نشاط الكلاب، عن طريق استخدامها لكاميرا وجهاز لقياس الضغط لدى رجل البوليس، فتبين أن هناك نوعين من الضغوط، واحد داخلي مرتبط بالمهمة التي يقوم بها الرجل، والثاني خارجي. وتبين أنه أثناء المهمة، يجب أن يكون القائد في حالة نفسية جيدة، حتى لا يشعر الكلب باضطرابه فلا يستطيع تنفيذ مهمته، نجحت أجهزتنا القمعية والقهرية في إعادة صياغة مفهوم هذه القصة، وذلك عبر تجريدنا من أبعادنا الإنسانية، وإنزالنا منزلة الحيوانات، وكان التعليم هو أداتهم لفعل ذلك.

نعم من الصعب عزل السلوك الفردي عن الوسط الاجتماعي الثقافي المحيط به، كما أنه لا يجب أن نحرم الذات الفردية من نواياها الخاصة ومشاعرها الذاتية، فكلا الجانبين في حالة إما تداخل وتفاعل، أو صدام وتنافر، ولكن الشيء المتفق عليه أيضًا من قبل كل علماء النفس، أن الفرد ما إن ينخرط في جمهور محدد، حتى يتخذ سماتٍ خاصة ما، كانت موجودة فيه سابقًا، ولكنه لم يكن يجرؤ على التعبير عنها بمثل هذه الصراحة والقوة. صارت الأخلاق آخر ما یفكر فیھا المجتمع، وصار الحدیث عن القیم حدیث تھافتي، وصار من یتحدث عن وجوب الحفاظ على النزاھة والكرامة والشرف والأخلاق والمُثل، ھو المتھم دائمًا بسكنى البرج العاجي المنفصل عن المجتمع.

إحدى علامات صلاح نظم الحكم هي التعليم الجيد، الذي يحرر عقول المواطنين وإراداتهم، فلا يعودون يقبلون بنظم فاسدة، ترى أن دُوَلها مجرد أشباه، وأن الأوطان المؤتمنة عليها هذه النظم، مجرد أوطان ضائعة، تحكمها عقول وضمائر، لا عمل لها إلا إفساد كل شيء، وإضاعة كل أمل في المستقبل.

فوق كوبرى أكتوبر ضحك الصعلوكان عندما شاهدا مدرستهما الإعدادیة، شعارات ومقولات متھافتة عن حب الوطن، معلقة في كل مكان. نستطیع القول بأریحیة إننا تشربنا معنى الإلھام القائدي المقید لإرادتنا، وأننا لا نستحق الحریة لعدم نضوجنا.. إننا تائھون بأنفسنا منظمون بقوة سوط القائد. ومن ھذه البدیھیات التي زُرعت فى عقولنا، نستخلص ما ھي مھمة التعلیم بدون الدخول في تفاصیل سفسطائیة تبریریة، لنظریات تقعیریة عن أسباب انھیار التعلیم.

وجد ديجول بلده بها تعليم وقضاء بعد احتلال أجنبي، فأمكنه استعادة ما ضاع، ولكننا وبدون احتلال أجنبي، نعيش في بلد يعترف بأنه أشلاء دولة في كل الميادين، وأن التعليم لن يُجدي في وطنٍ ضائع. والحقيقة، أن هذا الوطن لم يضع، إلا بسبب انهيار التعليم. كان المطلوب تفریخ «برولیتاریا» تسبح بحمد القائد في أكثر المشاھد ابتذالًا ودونیة، وتم تصميم المناھج قیاسیًا على فكر العسكر، حفظ الأوامر ولا ابتكار ولا اعتراض. فماذا ننتظر؟ تعليمٌ ينتج عقولًا تسمع وتطيع، باعتبار أن السمع والطاعة هي علامة انضباط العقل، الذي يتحرر من آفات النقد وطرح الأسئلة والفهم.

كله «أونطة في أونطة یا معلم، زي كل شيء في خرموبولیس السعیدة، بنتظاھر إن عندنا تعلیم، زي ما تظاھرنا إن عندنا ریاضة، وصحة، وفنون، وإعلام، (وأخلاق!) وأدیك شایف إنجازات العصر العسكري بعینك، ماعرفناش نبعت حتي برغوت للفضاء الخارجي زي الھند الغلبانة، رغم نجاحنا في تولید الطاقة النوویة من فساء ضفدعة، وردع الأعداء بعمل محطوط في صاروخ ظافر، مربوط في دیل حمار أحول».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد