«مسلسل ولاد ناس» عرض في رمضان 2021، لمؤلفه ومخرجه هاني كمال، الذي أبدع في الكتابة ساردًا مواقف بتفاصيل واقعية تحدث داخل الأسر حيث علاقة الأباء بأبنائهم.

تلك العلاقة التي تشكل جزء كبير من شخصياتنا فيما بعد، وتتدخل بشكل كبير في تشكيل وعينا ونظرتنا للحياة، ومن ثم سلوكياتنا التي إما أن تكون غير سوية وخطرًا على البيئة بالأشخاص الذين يعيشون بداخلها، أو تكون سلوكيات سوية تفيد المجتمع فيما بعد.

تلك العلاقة أو طريقة التربية والتي من المفترض أن تكون متماشية مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه، عصر الإنترنت والانفتاح على العالم، هي التي تحدد شكل ومسار حياة الأطفال المستقبلية، هي التي تشكل طريقة تفكيرهم ومعالجتهم للأمور وحل المشاكل التي تواجههم، هي التي تتحكم في اختياراتهم، وطريقة تعاملهم مع الناس، سواء أقارب، أصحاب، زملاء، أو حتى من هم أقل أو أعلى منهم في المستوى الثقافي والمادي.

المسلسل «التربوي» الذي ناقش العديد من القضايا الهامة داخل مجتماعتنا العربية، أعجبني كثيرًا بعد مشاهدته والانتهاء منه خلال الأيام القليلة الماضية، حيث التركيز على علاقة الآباء بأبنائهم، والعكس، وكيف يمكن للمادة أن تتحكم فينا بشكل كبير جدًا.

وبسبب الانشغال في تجميعها وتأمين مستقبل الأولاد ننسى أو نتناسى تأمين مستقبلهم المعنوي وحماية صحتهم النفسية، وبناء شخصياتهم بحيث تكون شخصيات سوية غير معقدة ولا مريضة نفسيًا.

المسلسل مكتوب بأسلوب السهل الممتنع، بأسلوب درامي تراجيدي يجعلك تبكي في كل حلقة، تبكي من صدق مشاعر الممثلين، وصدق إحساسهم، أو ربما وهو الأصح تبكي لإيمانك بتلك المواقف التي تحدث بين كل أب وطفله، وبين كل أم وطفلها، أو ربما حدث معك بالفعل، ولمت نفسك عندما تذكرت موقف مشابه حدث مع طفلك وتصرفت فيه بشكل خاطئ.

المسلسل يدق ناقوس خطر على باب كل أسرة، لا تراعي مشاعر أطفالها، لا تسمعهم، لا تتفهم لمشاكلهم، ولا تتقبل طريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور، بل تركز فقط على تأمين مستقبلهم وتوفير احتاجاتهم المادية الملموسة، بينما تغفل عن احتياجاتهم النفسية والمعنوية وما يدعمهم ويقويهم، ويبني ثقتهم في أنفسهم، ويجعلهم قادرين على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. قادرين على مواجهة من يتنمر عليهم، ولا يقعون فريسة سهلة أمام المتحرشين، وأصدقاء السوء.

فأطفالنا يعيشون في عالم منفتح على نفسه أكثر من اللازم، في عالم أصبح الإنترنت فيه أساسي وضرورة من ضروريات الحياة، عالم فيه الاكتشاف وحب المعرفة والتجربة هوس يتباهى به أولادنا أمام زويهم.

عالم قتلت فيه البراءة، ونما فيه التنمر. عالم مهووس بالمظاهر الخارجية و«الفشخرة الكذابة». عالم لا يقبل القسمة على اثنين، فالأطفال لا يرون اللون الرمادي من الحياة، إما أبيض أو أسود. إما غني أو فقير. عالم مرعب مليء بالمشاكل النفسية المعقدة والأمراض النفسية الأكثر تعقيدًا. عالم يحكمه المادة وتسيطر عليه الشكليات والمظاهر الخداعة. عالم فاسد مليء بالظلم، والتكبر، والجبروت. عالم ينهش فيه الكبير الصغير، ويأكل القوي حق الصعيف، ويسيطر فيه الغني على الفقير.

عالم إن لم يحتط الآباء فيه، ويأخذوا حذرهم، ويصاحبوا أولادهم، ويزعوا فيهم الإيمان واليقين بالله، وبعظيم عطاياه، فسيسقطون إلى الهاوية، ويحفرون قبور أبناءهم بأيديهم.

عالم لا وقت فيه للندم أو الحسرة، إما أن تكون مسؤول أو غير مسؤول، مسؤول عن جدارة بمجيء طفل إلى الدنيا، وتجعل منه ذرية صالحة سوية نفسيًا، أو أن تعيش بلا أطفال أنت ستكون عبئًا عليهم بمشاكلك وهمومك ونظرتك للحياة، بتربيتك الخاطئة ومشاكلك النفسية، بعدم تحقيقك لطموحك وأهدافك للحياة، في انتظار هذا الطفل المسكين كي يحقق لك ما فشلت أنت في تحقيقه.

فالأطفال بتصرفاتهم هم مرآة لآبائهم.. فلا تحقق في طفلك طموحك وأحلامك التي فشلت في تحقيقها، فتجعل منه مسخًا لا يعرف كيفية الاختيار، وما هو الأنسب له.

أو تجعله شخصًا اعتماديًا أنانيًا لا يحب إلا نفسه، عن طريق توفير كل شيء له.

أما إذا كنت ترغب في أن تصبح أبًا، أو أنت عزيزتي حواء ترغبين في أن تكوني أمًا، فيجب الآتي:

أنصت جيدًا لطفلك، تعرف أكثر على عالمه، اعرف مفاتيح شخصيته، لا تتفه من أموره وما يريده، اعرف ماذا يحب، وماذا يكره، اتركه للتجربه مع المراقبة عن بعد، لا تخاف عليه بشكل خانق يجعل منه شخصًا جبانًا، أو كاذبًا يتصرف وراءك كي لا تغضب منه.

فالبيئة المحاطة بالطفل هي أيضًا مرب، النت مرب، المدرسة مرب، النادي مرب، لست وحدك من تربي عزيزي الأب.. عزيزتي الأم، لكن البيت هو الأساس، هو الزرعة التي باهتمامكم سينمو الطفل داخلها صالبًا طوله، لا ينكسر.

ازرع فيه الثقة بالنفس، خذ برأيه وشاركه في حياتك وتفاصيلك، لا تعيش معه طفولتك وتصلح ما أفسده أهلك معك، فالزمن غير الزمن، والطموح غير الطموح، حتى الألعاب غير الألعاب، فحاول أن تستمتع بطفولته وبمشاركته لحظات فرحه، حزنه، انكساره، وألمه، كن دائما بجواره سند ومصدر آمان.

وقبل كل هذا، ربه على  فهم وتدبر آيات القرآن الكريم قبل حفظه. ربه على الاقتداء بخاتم الأنبياء، محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فالتنشئة على أسس دينية صحيحة من كتاب الله وسنة رسوله لا التشدد أو التفريط، كالبنيان المتين والبيت الذي يتحمل بناء العديد من الأدوار دون الخوف من الهدم.

فنجاحك في مشوار تربية أطفالك لا يحتاج إلى كثير من العلم، أكثر من احتياجه إلى حكمتك في التصرف، وصبرك على تصرفاتهم، مع وجود ثقة متبادلة بينكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد