انتشر مصطلح «أطفال الثورة» في المجتمعات العربية وخاصة في الفترة الأخيرة، وهذا بسبب الحراك السياسي والفكري والثقافي الذي عايشته هذه المجتمعات التي طال سباتها. ولهذا السبب، تم صك هذا المصطلح للدلالة على ولادة جيل جديد ثوري يتسم بنقائه السياسي دون أن تؤثر عليه أي من ذكرياته التاريخية ولا بعض من اتجاهاته الأيديولوجية والفكرية.

ساهمت هذه الفئة من الشباب في تحرير بلادها من الحكم الديكتاتوري ووضعت الحرية نصب أعينها لأنها كانت تتميز وتنفرد عن باقي فئات المجتمع بنقاء سريرتها وحسن نيتها اتجاه أوطانها، فوضعوا الحرية نصب أعينهم واعتبروها بمثابة القيمة النهائية التي تأملها الشعوب وتبحث عنها. تعتبر هذه الفئة الشعبية بمثابة خطر يحدق بالدكتاتوريين ويعود فضل ذلك إلى أن هذه الفئة وبفضل نقائها السياسي الذي لا تشوبه شائبة لا يمكن تهديدها. ثانيا لا يمكن لأي ثمن في هذا العالم مهما ارتفع سعره بأن يشتريهم، لأنهم وبكل بساطة وضعوا الحرية نصب أعينهم، فما يكون أغلى من الحرية ثمنا؟

وبعد أن تأكدت الحكومات الديكتاتورية بفشل أفضل استراتيجيتين تمتلكهما، عمدت الدولة العميقة إلى تشويه صورهم، وتحريف هذا المصطلح عن دلالته الحقيقية، وعبر ترديده على العامة، أصبح يعدو شبيها لذلك المعنى الذي يقصد به عدم قدرة هؤلاء على تسيير المستقبل والتحكم فيه، لأنهم وببساطة شديدة «أطفال» لا يملكون من الحنكة السياسية الكافية التي تسمح لهم بإدارة شؤون الدولة. لا تتعجب ذلك، فالسياسة في العالم العربي هي من مرادفات السرقة والكذب والنفاق. فلو سألت أبسط مواطن جزائري عن «أويحي» لأخبرك بأنه سياسي محنك، لكن العدالة الجزائرية أقرت بأن الوزير السابق في الحكومة الجزائرية «سارق» – إلى حد الساعة- لأنه وفي حالة صدور قرار ينفي هذه التهمة، فسأكتب مقالا، أعتذر فيه إلى السيد أويحي عما بدر مني من بلاهة وغباء. وهذا طبعا نابع من ثقتي بأن العدالة الجزائرية لن تغير رأيها في يوم من الأيام.

 – «أعذرني أيها القارئ، فأنا لا أعتبر نفسي من أطفال الثورة، وأرجو أن يكون لديك اطلاع بسيط على ماهية السخرية».

في هذه الأيام، تبادر إلى أسماعنا خبر تنحي المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» من منصبها بعد 18 سنة من خدمة وطنها. كانت هذه المرأة تسكن في شقة بسيطة لا تتعدى كونها مجرد غرفتين أو ثلاث، وتشارك العامة في نظام حياتهم. بل كانت لا تملك حتى سيارة خاصة، وإنما تركب في سيارة أجرة كل يوم للذهاب إلى عملها. أما نحن، فاللعنة علينا، مسئول بسيط، مستعد لإغلاق الطريق لأنه يريد الذهاب إلى طبيب الأسنان لكي يعالج ضرسه، بعدما قضم يد أحد الفقراء صبيحة ذلك اليوم.

مصطلح «أطفال الثورة» قد يكون مصطلحًا حديث النشأة لأن القارئ العربي لم يعتد سماع هذه النوعية من المصطلحات، لكنه بالنسبة لي وبالنسبة للكثير من الجزائريين مصطلح قديم يعود إلى تلك السنوات الغابرة التي قضاها الشعب الجزائري بحثا عن حريته. ربما لم يذكر هذا المصطلح حرفيا، لكنه كان موجودا، فالجاذبية كانت موجودة قبل أن يكتشفها «إسحاق نيوتن».

«محمد العرباجي»، تم تجنيده من طرف المجاهدين عندما كان يبلغ من العمر 12 سنة، فكان مسئولا عن نقل الدواء والأخبار والمناشير الصادرة باللغة الفرنسية، ويقال إنه كان مجندا لحماية مسجد بـ«سانت اوجان» أثناء إلقاء الشيوخ لخطب حول القضية الجزائرية.
«فتيحة طيب ابراهيم»، تجندت لخدمة الثورة الجزائرية المجيدة عندما كانت تبلغ من العمر 14 سنة. لقد كانت ممرضة ماهرة، وهذا بسبب مرافقتها لأحد الأطباء الفرنسيين.

«مصطفى بيطام»، الرجل الذي لبس بذلة المجاهدين وتدرب في الجبال وهو طفل صغير، ولديه مقولة شهيرة عن الأطفال الجزائريين الصغار الذين شاركوا في الثورة: «عاشوا محرومين من كل شيء. من التعليم والعلاج واللعب، ومع ذلك كانوا رجالا حقيقيين».

«مقران بوسبحة»، هذا الرجل العظيم الذي عذبته فرنسا عندما كان طفلا صغيرا بعدما تم طرده من مدرسة فرنسية بسبب تفوقه. عندما كان طفلا صغيرا، كان يضع منشورات تحمل عبارات «الجزائر ليست فرنسية» داخل علب البريد الخاص بالفرنسيين.

يمكنني أن أسرد لك عزيزي القارئ المئات من الأمثلة عن الأطفال الجزائريين الذين ساهموا في إنجاح الثورة، لكن هذا المقال سيكون طويلا، لدرجة أنك لن تتمكن من الانتهاء من قراءته.

مصطلح أطفال الثورة، لا يحمل في طياته إلا جوهرًا واحدًا، «النقاء» والذي لن تتمكن سياستكم الخبيثة، وتقلباتكم السياسية من تدنيسه، ووجب علي عزيزي القارئ أن أذكرك بأن الجيل الذي أنتج الثورة الجزائرية، ولد بعد قرن من الاستعمار الفرنسي للجزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد