إنها لقصة مثيرة جدًا؛ تلك القصة التي تحكي الفلسفة التي كانت وراء النهضة الصناعية والتكنولوجية الحديثة، ولكي ندرك الصورة بوضوح علينا أن نعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، الحرب الأبشع في تاريخ البشرية، والتي راح ضحيتها ملايين البشر، نصفهم من المدنيين، فضلًا عن الخراب الذي ساد الكرة الأرضية، نتيجة لسباق التسلح، والمطامع الاستعمارية المجنونة للعديد من الدول.

وبتدخل أمريكا في الحرب، تغيرت موازين القوى، وأرادت أن ترسل رسائل تهديد للجميع، بأنها القوة الأكبر في العالم، واستخدمت القوة المفرطة في تأديب اليابان بوجه خاص، والحق أن اليابانيين كانت لديهم مطامع استعمارية أيضًا، وقاموا بجرائم واعتداءات على جيرانهم في الصين وغيرها، فقررت أمريكا أن تكسر إرادة اليابان وتشل قدرتها العسكرية، بأن ألقت قنبلتين نوويتين على هيروشيما ونجازاكي، وهذه جريمة مروعة لم تحاسب عليها أمريكا حتى الآن، وكان ذلك في عام 1945م.

لكن الأمريكيين كانوا مدركين بشدة لأهمية الإدارة، قبل أن تتفرع لفروع شتى، وواضح جدًّا أن الإدارة العلمية التي وضع أسسها «فريدريك تيلور Fredrick Taylor»، كانت مرتبطة بالصناعة وهندسة الإنتاج وزيادته وتحسين الكفاءة، وهو نفسه كان مهندسًا في الهندسة الميكانيكية، فلم تكن أبدًا شيئًا نظريًا بعيدًا عن الواقع كما يعتقد الكثيرون خاصة في عالمنا العربي. بدأ «تيلور» أول خطوة في مشوار طويل لا ينتهي أبدًا، بتأليف كتابه «مبادئ الإدارة العلمية» عام 1911.

بعد ذلك الوقت، كان هناك صراع وتنافس بين المعسكرين الشرقي والغربي في الصناعة وتطويرها، استطاع «والتر شيوارت Walter A. Shewhart» الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة كاليفورنيا، أن يطور مفهومًا للضبط الإحصائي للعمليات في الصناعة Statistical Process Control (SPC)، وألف كتابًا هامًا يعد المرجع الرئيس في مفهوم ضبط الجودة ونشره عام 1931 واسم الكتاب:

Economic Quality Control of Manufactured Product.

على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وفي اليابان تحديدًا، بدأت الثورة الصناعية تظهر على يد مهندس ومخترع ياباني اسمه «ساكيشي تويودا Sakichi Toyoda» مؤسس شركة «تويوتا» للسيارات والأب الروحي للثورة الصناعية في اليابان، وبدأ يبلور فكره الصناعي في كتيب صغير في عام 1922م، يظهر فيه الفلسفة الشرقية التي تنظر للإنسان نظرة تختلف كثيرًا عن النظرة المادية الغربية، واستطاع ذلك الرجل أن يؤسس نظامًا يقلل من «الهدر» أو «waste» في العمليات الصناعية، مثلًا كالهدر في الوقت والمخزون والنقل وغيرها من الأشياء التي تبدو بسيطة بالنسبة للميكنة الحديثة، لكن ذلك النظام – والذي أسماه نظام الإنتاج بتويوتا Toyota Production System (TPS) – استطاع أن يحقق قفزة هائلة في صناعة السيارات بعد ذلك أذهلت العالم، لكن ليس ما ذكرته هو كل ما حدث في الحقيقة، وإنما هناك جهد كبير جدًا ومتراكم شارك فيه مجموعة من المهندسين اليابانيين، وسيأتي الحديث عن ذلك التطور لاحقًا.

بعد الدمار الذي حل باليابان إثر قنبلتي هيروشيما ونجازاكي والإنهاك الاقتصادي بسبب الحرب العالمية الثانية، استعانت اليابان بألد أعدائها، وأعلنت توبتها أمام العالم، وطلبت الدعم الفني والمالي من أمريكا، وسارعت أمريكا بمد يد العون، ودعمت اقتصاد اليابان بقوة، وقد نطرح تساؤلًا منطقيًا: لماذا فعلت أمريكا ذلك؟ ربما لأسباب كثيرة، منها التغطية على جريمتها البشعة، ومنها تحقيق نفوذ شرق آسيوي يقلق الروس، خاصة بعد بداية «الحرب الباردة» بين الروس والأمريكان عقب الحرب العالمية الثانية، وهناك سبب وجيه أيضًا، وهو التأكد من أن جهود اليابان ستوجه لبناء نفسها فقط، وأن مطامعها العسكرية الاستعمارية قد تم دفنها إلى الأبد.

في تلك الأجواء القاسية ظهر نجم مهندس الجودة في العالم، إنه عالم الرياضيات والفيزياء والهندسة الإلكترونية والإدارة «ديمنج William Edwards Deming»، والذي استفاد من جهود «والتر شوارت»، واستطاع أن يبتكر فلسفة جديدة في تطوير الصناعة وتحسينها، واشتهر بالمبادئ الأربعة عشر في إدارة الجودة، وأيضًا بدائرة PDSA (Plan-Do-Study-Act) وتعني خطط وافعل ثم ادرس النتائج وحللها وخذ قرارًا لتحسين النتائج وضعه في الفعل. سافر «ديمنج» لليابان عام 1950، واستطاع أن يساهم في النهضة الصناعية اليابانية، والتي تُدعى «المعجزة اليابانية»، ففي عام 1960 أصبحت اليابان ثاني قوة اقتصادية في العالم.

وامتزج «علم» الغرب بـ«حكمة» الشرق، واتفق غرماء الأمس على ابتكار فلسفة جديدة وهي «إدارة الجودة الشاملة» Total Quality Management (TQM).

وهذا يعني التحول من مجرد التفكير في جودة «المنتج» أو «الخدمة»، إلى التفكير في جودة كل العمليات والمهام، والنظر إليها باعتبارها عملية مستمرة، وكل العاملين مسئولون عن تحقيق الجودة الشاملة، وتغيرت النظرة للموظفين، وتأكد أن الاستثمار في البشر عن طريق تعليمهم وتدريبهم وتحفيزهم يؤثر بشكل كبير على النتائج، مع توفير بيئة تشجع على العمل الجماعي والتفكير الإبداعي وحل المشكلات واتخاذ القرارات بشكل علمي.

في ذلك الوقت ظهر عالمان آخران ساهما في بعض الإضافات المهمة، وهما:

Joseph M. Juran «جوزيف جوران»

متخصص في الهندسة الإلكترونية، كان معاصرًا لـ«ديمنج»، روماني المولد أمريكي الجنسية والإقامة، يهودي الديانة. كان بطلًا في الشطرنج، وأبلى بلاء حسنًا في عمله في أكثر من شركة، وبدأ من وقت مبكر نشر مقالاته عن الجودة، وأثار الانتباه إلى تكلفة «الجودة السيئة»، واستطاع بذكائه واهتماماته بالجودة أن يجذب «الاتحاد الياباني للعلماء والمهندسين»، الذي دعاه لزيارة اليابان عام 1952م، خاصة بعد كتابهQuality Control Handbook وهناك درب على إدارة الجودة، وتكررت زيارته لليابان، واستطاع أن يضع بصمته في مفاهيم الجودة بتركيزه على الإدارة أكثر، ووضع «ثلاثية جوران Juran trilogy» (التخطيط للجودة – ضبط ورقابة الجودة – تحسين الجودة).

Armand V. Feigenbaum «أرمند فيجنبوم»

أمريكي آخر لكن هذه المرة لم يكن مهندسًا وإنما خبيرًا في إدارة الأعمال، وأثره واضح جدًا في تشكيل فهم الجودة، واستطاع في عام 1951م أن يضع تصورًا وصفه بـTotal Quality Control ليكون قريبًا جدًا من المصطلح المعروف الآن بـTotal Quality Management، وذلك ضمن كتابه الذي نشره في نفس العام وترجم للغات عديدة. واستطاع «فيجنبوم» أن يُسوق لفلسفة الجودة بشكل كبير، وأضاف لها بُعدًا جديدًا، وهو الحديث عن القيادة وأثرها في تحقيق الجودة الشاملة، كما ركز على التميز في الجودة أكثر من عيوب سوء الجودة، وعمله مديرًا بشركة جنرال إلكتريك أعطاه مصداقية كبيرة، وكان هو الآخر ممن جذبوا أنظار اليابانيين.

Philip B. Crosby «فيليب كروسبي»

على الرغم من دراسته للطب إلا أنه برع في إدارة الجودة، وهو صاحب مفهوم «Zero Defects»، واستطاع – من خلال عمله في بعض الشركات الكبرى – أن يبرهن على نظرياته بصورة عملية ملموسة، مما جعل المهتمين بتحسين الجودة في الصناعة يتابعون إسهاماته.

وبعد خروج اليابان من كبوتها وتعافيها، بدأت تقود دفة سفينة الجودة، وتراجع الدور الأمريكي شيئًا فشيئًا، وظهرت القفزات الصناعية اليابانية تبعًا لفلسفة جودة جديدة نتيجة لتراكم جهود عديدة، وكما نوهت في أول المقال عن تويوتا، أكمل أفراد من عائلة «ساكيشي Sakichi» النجاح، وسطع نجم تلك الشركة لينافس أمريكا وأوروبا في صناعة السيارات. صحيح أن اليابانيين يمتلكون روح الفريق وحب العمل الجماعي والترابط الأسري، وهذا ما وجدناه في عائلة تويوتا، لكن لا ينبغي أن يغفل دور «أونو Taiichi Ohno»، الذي ساهم في التطور الحديث لتلك الصناعة بوجه عام ولـ«تويوتا» بوجه خاص.

Kaizen «كايزن»

نشأ في اليابان نظام للجودة غير مكتمل قبل الحرب، ولكنه سرعان ما نما وتشكل بعد النهضة الاقتصادية، ألا وهو Kaizen، وهي كلمة يابانية تعني «التحسن المستمر»، وظهرت بضع أفكار متناثرة منها في «Toyoda» كحلقات الجودة، وطريقة «5 لماذا» لاكتشاف أسباب المشكلات، ثم تطبيقات «Just in time»، وغيرها من منهجيات لحل المشكلات والتفكير العميق ومحاولة التخلص من الهدر بقدر المستطاع، حتى جاء «ماساكي إيماي Masaaki Imai»، الذي نشر كتابين يتحدثان عن هذا النظام بصورة أعمق، وبدا وكأنه الخلطة السرية للمعجزة اليابانية وتحولت أنظار العالم لليابان ليتعلموا منهم، وهذان الكتابان هما:

Kaizen: Japanese spirit of improvement (1985)

Gemba Kaizen: A Commonsense, Low-Cost Approach to Management (1997).

ربما دفع هذا التطور الرهيب في اليابان الأمريكيين لاستحداث أشكال جديدة من الأفكار والنظريات في طريق تحسين الجودة، وتحول تلامذة الأمس لأساتذة اليوم.

Six Sigma

«6سيجما»

بدأت القصة في سبيعنيات القرن الماضي، في مصنع «موتورولا» الأمريكي للتلفزيونات، والذي كان يخسر مسببًا إزعاجًا لإدارة الشركة، وعندما تم تغيير الإدارة لتكون «يابانية»، تحول المصنع لتحويل الخسائر لمكاسب، وليس ذلك فقط، بل تمكن اليابانيون من تخفيض مستوى العيوب إلى 1/20 مقارنة بالإدارة الأمريكية قبلها.

بدأت فكرة «Six Sigma» تظهر بعد هذه التجربة في «موتورولا»، مما يدفعني لأجزم بدور اليابانيين في صياغة هذه الفلسفة الجديدة للجودة، وفي عام 1981م أعلنت «موتورولا» على عزمها على تحسين جودة منتجاتها وخدماتها إلى عشرة أضعاف، ونفذت برنامج «Six Sigma» في الفترة من 1983-1987م، وكانت النتائج رائعة، فقد زادت الإنتاجية في المتوسط 12.3% سنويًا، وتم إزالة 99.7% من العيوب، وتوفير 11 بليون دولار من مصاريف التصنيع. مما أدى إلى حصول الشركة على جائزة «مالكوم بالديرج» للجودة عام 1988م.

تبعت «موتورولا» العديد من الشركات الكبرى في تفعيل «Six Sigma»، وحققوا نتائج مذهلة، مما جعل هذه المنهجية الجديدة للجودة المفضلة في مجال الصناعة.

وقد يصعب الحديث عن «Six Sigma» في بضعة أسطر، وربما خصصنا مقالًا قادمًا لها – بإذن الله – كما أنوي أن أفعل ذلك في الحديث عن «Kaizen»، لكن يكفي مؤقتًا أن نفهم التصور العام لها من خلال عناصرها الخمسة التي تكون كلمةDMAIC ، وكل حرف يرمز لإجراء أو عملية كالآتي:

  • D – Define opportunity

وتعني: تحديد الفرص المتاحة والأهداف المرغوب تحقيقها، والتي تتمثل عادة في ربح أعلى وإنتاجية أكبر وعيوب أقل، على أن يكون ذلك محددًا بالأرقام.

  • M – Measure performance

وتعني: قياس الأداء الحالي.

  • A – Analyse opportunity

وتعني: تحليل الفجوة بين الوضع الحالي والمرغوب.

  • I – Improve performance

وتعني: تحسين الأداء ووضع نظام وخطة عمل جديدة، تشمل المؤسسة بأكملها للوصول للأهداف المرجو تحقيقها.

  • C – Control performance

وتعني: الرقابة على الخطة الجديدة والتأكد من تفعيلها، ومتابعة التحسن المتوقع.

وهناك هدف يُقاس بعملية إحصائية رياضية متعلق بتقليل العيوب في كل العمليات، وهو الوصول إلى (3.4 عيوب لكل مليون فرصة لحدوثه).

لكن علينا أن نتفهم أن «Six Sigma» ما هي إلا منتج من منتجات TQM، ونتيجة لجهود ضخمة بذلت على مدار عشرات السنين.

وهنا علينا أن نوقن بأن الأمريكيين يحسنون التسويق لأفكارهم، بعكس اليابانيين، فمع كوننا نقر بدور أمريكا – بالأخص «ديمنج» و«جوران» – في تطوير مفاهيم جودة الصناعة في اليابان، لكن بقليل من الاستقراء سنكتشف عبقرية يابانية استفادت بسرعة من الخبرة الأمريكية، ثم أضافت وأنتجت خبرتها وفلسفتها الخاصة، ولدينا نموذج «إيشيكاوا Ishikawa»، الذي نال جائزة ديمنج في الجودة، وساهم في نقل الخبرة الإدارية، وابتكر أداة «السبب والنتيجة» لاكتشاف المشكلات، فضلًا عن تجربة تويوتا المثيرة للدهشة.

ومن المثير للدهشة كذلك أن الجودة وعلومها التي انتقلت لأغلب المجالات كالتعليم والصحة وغيرهما، شارك في تأسيسها وتطورها؛ الأمريكان كمثال لتفوق الحضارة الغربية التي تتسم بالمادية والذاتية وتقديس العلم، واليابانيون كمثال لتفوق الحضارة المشرقية التي تتسم بالروحانية والبعد الإنساني والعمل الجماعي وحب العمل، لذلك ينبغي على شعوب العالم أن يعتنوا عناية خاصة بعلوم الجودة – لا سيما العرب – وتفعيلها في شتى المجالات، وعدم الاكتفاء بالشكل الظاهري فقط، وإنما بالاهتمام بالتفاصيل، وأكاد أجزم أن ما عند اليابانيين من فلسفة وثقافة تساعدهم في مقاومة التحديات وسرعة النمو لم تكتشف بعد، لكن الدرس الأكبر الذي علينا أن نتعلمه هو: لا يعيبك أن تكون متخلفًا حينًا من الزمان عن الركب الحضاري، لكن كل العيب أن تقنع نفسك بأن هذا قدرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد