لقد تنازل العرب عن الكثير، ولم يبق إلا أن يتنازلوا عن هويتهم ومواقع أقدامهم! حين قرأت هذه المقولة للدكتور مصطفى محمود في كتابه إسرائيل البداية والنهاية، مر أمام عيني فلسطين بكل ما تعانيه من احتلال وعدوان وتجاهل دولي بل عربي أيضًا، نعم تجاهل سنسأل عنه يوم القيامة.

أتذكر في سني الجامعية الأولى حين طرح سؤال عن تاريخ القضية الفلسطينية وما مر خلال سنوات طويلة من اتفاقيات ومعاهدات والأطراف المشاركة، رفضت دفعتي المكونة من 250 طالب وطالبة الإجابة لصعوبة السؤال ولاستهلاكه وقتًا لا طائل منه، إذ بمقدورهم الإجابة على آخر لا يحتاج لهذا الوقت في الإجابة، رفضوا جميعًا إلا طالبة واحدة هي أنا، اخترت السؤال رغم صعوبته وطول إجابته، قد يكون اختياري وراءه شغفي بمتابعة القضية عن كثب بكل ما يجري بها، والآن وبعد ست سنوات لا أعتقد الذاكرة تسعفني لسرد إجابة السؤال نفسه لتسارع وتيرة الأحداث بين ليلة وضحاها بشكل جعل كل متابع للقضية لا يعرف إلى أين ستؤول الأمور.

وبقراءة بسيطة لما يحدث حاليًا في القدس خاصة وفلسطين عامة، نجد تغطية إعلامية “ساذجة” هدفها الأول تغييب العقول عن الانتهاكات الإسرائيلية ضد كل ما هو فلسطيني في ظل تطورات أكثر سخونة في ليبيا غربًا إلى سوريا والعراق واليمن شرقًا، تطورات تؤكد حقيقة واحدة “سايكس ـ بيكو” جديد، فبعد أن حاول تشرشل إخفاء خجله بكتاب “أبيض” عام 1922، أصبح اللعب الآن على المكشوف، وكست الحمرة بدلاً من الوجه، الأراضي الفلسطينية بدماء شبابها وبناتها.

لا يمكن بأية حال من الأحوال فصل القضية الفلسطينية عما يدور حولها من مستجدات على الساحة السورية والعراقية واليمنية والليبية، ولا نعلم ماذا في جيب الغيب لباقي الدول العربية “المسلمة”؟! فكل شيء يحدث في منطقتنا ينعكس سلبًا على القضية ويسحب البساط الإعلامي والسياسي من تحت قدمها؛ إذ وجهت الكاميرات إلى سوريا والعراق بدلاً من فلسطين ورفعت أيادي السياسيين لضرب دمشق وبغداد وليبيا بدلاً من دعم غزة والضفة والنازفة الدمع والدم “القدس”.

والمضحك المبكي في الأمر رفع يد جمهورية مصر العربية في الأمم المتحدة لصالح انضمام الكيان المحتل للجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، نعم، سلمية في الفضاء الخارجي دموية في أرضنا، إنها الحقيقة التي نحاول إخفاءها بالحديث بين الفينة والأخرى عن السلام “المذبوح” مثل ديوكهم عند حائط المبكى، سلام خرج من رحم الصراع مشوه المعالم.

ففي استطلاع للرأي عبر 57% من الفلسطينيين عن دعمهم لاندلاع انتفاضة مسلحة في حين رأى 80% أن قضيتهم ليست على لائحة اهتمامات العرب؛ لذا ما العجب في رفع الشباب لسكاكينهم في وجه الديوك الإسرائيلية، فهم رفعوها في وجوهنا قبلهم بعدما يأسوا من تعاطف عربي لا يُسمن ولا يغني من جوع.

والغريب أن الاحتلال الإسرائيلي يرانا أعداء إرهابيين لا نتعلم شيئًا من دروس الماضي في حين نراهم أحباب نستطيع صُنع سلام معهم، ففي افتتاح الدورة الشتوية للكنيست أعلنها نتنياهو “الإرهاب لن يكسرنا ولن يهزمنا بل على العكس، لقد كان موقف العرب منذ وضع الحجر الأول في الدولة الدمار والتدمير إلى أن تدمر موقفهم، واليوم يعيش في تل أبيب مليون شخص و100 عام من الإرهاب و100 عام من محاولات تدمير المؤسسة والنظام الصهيوني، لم يتعلم منها الأعداء شيئًا”، أما آن الأوان أن نخجل من أنفسنا قليلاً.

أرادوا دولة يهودية يعترف بها الجميع فحولها الشباب الفلسطيني إلى كيان لا يعرف سوى الخوف والاختباء يرتعش من أقل شئ كـ”مسطرة خشبية مكسورة” للفتى محمد الزغل ابن الـ14 عامًا أو من كلمة “سامحوني” لبنت القدس تمارا أبو لبن فتطيح اعتقالاً في القاصي والداني حتى لو كان طفلاً ما يزال في الثالثة من عمره، استطاعت انتفاضة السكاكين مطلع أكتوبر الماضي في فعل ما فشل فيه حكام العرب بل الأمم المتحدة.

لم يتخيل العدو أن هؤلاء الشباب قادرون على زرع الخوف رغم التحصينات الهائلة بسكين مطبخ، نعم، “يأسوا من الأمة العربية فلجأوا إلى مطابخ أمهاتهم”، ليس بالأمر المضحك ولكنه أظهر جليًا مدى قلة حيلة الفلسطينيين أمام الانتهاكات المتواصلة والمتصاعدة من جانب الإسرائيليين وسط صمت عربي ودولي لا يخلو من تنديدات لا طائل منها.

منذ ما يقرب من 12 عامًا خرجت فتاتان لا تتجاوزان من العمر 15 عامًا من محافظة دمياط المصرية بدون علم أحد من الأهل بعد توفير مبلغ من المال للسفر إلى فلسطين عن طريق معبر رفح من أجل المشاركة في المقاومة ضد الاحتلال، وبالفعل وصلتا إلى الحدود لولا عثور أحد الفلسطينيين عليهما ومحاولة معرفة أي شيء عنهما لإرجاعهما إلى بلدتهما سالمتين، إيمان الفتاتين بالقضية وحماستهما جعلاهما تتحديان أي خوف وتسافران بمفردهما لأول مرة في حياتهما للمشاركة في المقاومة الفلسطينية، إيمان صادق لا يشوبه النفاق أو مصلحة مجرد أطفال شعروا بآلالام أطفال فلسطين ورأوا ضرورة دعمهم ولو بحياتهما، إنه الإيمان بالقضية والسعي الجاد لدعمها ليس بالكلمات الرنانة بل بالأفعال الوضاءَة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد