مواهب طفولية

المكان: مدرستي الابتدائية. الزمان: العام 2006.

حينما كنت تلميذًا في المرحلة الابتدائية، اعتدت الجلوس في مقدمة الصفوف باعتباره نوعًا نفاقيًّا طفوليًا من إظهار الاهتمام، ولسببٍ آخر حقيقي يرجع إلى ضعف نظري، لكني أحيانًا كنت أميل إلى الجلوس خلف الصفوف والاستمتاع ببراعة المشهد، مشهد زملائي وأصدقائي من خلف الستار، أُعطني الفرصة لتحليل شخصياتهم وانتقادها بحرية.

في أقصى المقدمة يمينًا يجلس صديقي المقرب وبجواره آخر يحاول إقناعه بشيءٍ ما، بالطبع سيغدو منتصرًا، ويبيتُ فائزًا، هو فقط يمارس هوايته المفضلة والمستفزة أحيانًا، قدرته على الإقناع  والتلفيق وسرد الأسباب وتوقع النتائج فاقت مستويات تعنُت كلَ من في الحجرة الصغيرة، بما فيهم أنا، يا لبراعته!

هل ترى ذلك الفتى متوسط البنية الذي يجلس جِلسة منتصرٍ وسط ثلاثة من زملائه وعلامات الإعجاب رُسمت بتلقائية على وجوههم الطفولية، يستمعون بآذان مُصغية، وقلوب بريئة. بلا شك يحدثهم عن هدفه القاتل في مباراتنا الأخيرة، جميعنا نحسده على موهبته تلك! حينما يكون أحد أعضاء فريقك الكروي لا بد وأن تحدث نفسك هامسًا لها «لن نهزم اليوم».

على بعد سنتيمترات يبدو التركيز في أعلى مستوياته، ماذا سيرسم تلك المرة؟ كل ما يحتاجه قلم من الرصاص وممحاة صغيرة وورقة بيضاء من كراسة لمتبرع آخر، بعدها بلحظات ستنعم بصورة طبق الأصل تحتفظ بها متى تشاء، أتذكرُ تهافت جل زملائي عليه في لجنة امتحان مادة التربية الفنية عادةً بمساعدة المراقبين طيبي القلب كما كنا نلقبهم صغارًا. مهلًا مهلًا! إنه أنا!

في حلقة مغلقة لا يتجاوز أعدادها الحد الأدنى لأصابع اليد الواحدة يتوسطها زميلٌ آخر قريبٌ من قلبي، ينشد شعره للمرة المائة، ﻻ أحد يهتم به وبشعرِه هذا! يا للمسكين! يقضي ليله كله يكتب بيتًا بيتًا، فما يبرح حتى يقابَل بالإعراض عنه، ربما تتعلق المشكلة بطريقة إلقائه المتواضعة، ﻻ أدري!

أين مصدر هذا الصوت الندي؟ هل هذا هو؟ كم أعشق الاستماع إلى عذوبة صوته! بين الغناء الطفولي وتلاوة القرآن يبدع صديقي هذا، صوت مميز عن البقية، دائمًا ما يتقدم الإذاعة المدرسية مرتلًا، حقًا إنني لحسود!

قتل الموهبة

تعددت النماذج وتعددت معها المواهب الفطرية منها والمكتسبة، فاعلم يا صديقي تمام العلم أن الله لم يخلق إنسانًا إلا وجعل له خِصلة تميزه عن غيره، تفوقه عن الآخرين، تعيطه نوعًا ما من القوة. ليس بالضرورة  أن يُعطى قدرةً على إلقاء شعرٍ، أو صوتًا نديًا عذبًا يباهي به القوم، أو خيالًا واسعًا يعبر عنه في كتاباته ورسوماته، قد يكون لديه فن الحوار، أو الإقناع، أو التحليل، أو الحفظ أوغيرذلك.

الآن، وبعد سنوات ليست بالقلائل، لم أجد من رفقائي المقرئ في محطة القرآن الكريم أو المغني في برنامج Arab Idol، لم يلتحق أحدهم بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة ويصبح سفيرًا أو وزيرًا للخارجية لبراعته في الإقناع، لم أسمع قط اسم صديقي الماهر هذا يتردد في أي صفقات كروية عالمية أو حتى محلية، لم يحظ شاعرنا المسكين على جائزة أمير الشعراء، كما أنني لم أشاهد لوحاتي المفترضة في عروضٍ مفتوحة! بل لم أعد حتى قادرًا على رسم وجه إنسان سوي، يا للحسرة! أتدري لماذا ضاعت أحلامنا، وتسربت مهارتنا؟ ﻷننا قتلناها بسيفٍ من صنع أيدينا، قتلناها يوم اخترنا تخصصًا لا يلائم مؤهلاتنا وميولنا الفكرية، قتلناها عندما رددنا «سمعنا وأطعنا» لرغبة آبائنا دون رغبتنا نحن!

فلتجرب كل جديد، ويكون لك في كل باديةِ ناقة، تعلم شيئًا عن كل شيء، تنهل من هنا وهناك، حتى إذا اهتديتَ إلى ما تحب وما تبرع فيه، سلكت الطريق فأبدعت ونفعت وقدمت خيرًا. في لحظة الوﻻدة وقبل أن يبادر الجنين بفتح عينيه الصغيرتين، قبل أن يختار له والداه اسمًا، يأخذ ختمًا طُبع على جسده الصغير محدِدًا مستقبله، راسمًا خريطة طريقة مكرهًا ومجبرًا.

القسم العلمي، كلية الطب، أو ربما الهندسة، وإلا فأنت فاشل وليس ثمة نفعٌ منك قريب، تأتي نظرة المجتمع القاصرة الظالمة عقبةً ﻻ يستهان بها ضد رغبتي ورغبتك، ضد موهبتي وموهبتك، ضد فطرتي وفطرتك. ومن ثمّ تتوالى المصائب، فلا طاقة لفلان بالرياضيات، وكم يكره فلان التاريخ والحفظ! وهذا آخر يضيق ذرعًا عند سماع كلمة «فيزياء». لم ﻻ نترك العنان ﻷنفسنا لاختيار ما نحب وما نمهر فيه وما نتميز به؟! ثم اعلم يا صديق أنك مهما تقدمت وتكيفت مع عملك الجديد، ومهمتك الحالية، لن تتفوق أبدًا إلا فيما تحب، ولن تبدع إلا فيما تتميز.

ألق نظرة يا صديقي على مشاهير الكون، لاعب كرة محترف يحقق المعجزات مع ناديه ومنتخبه، سباح ماهر يحصد عشرات الميدليات الأولمبية، مصارع عتيق يخطف الأنظار والقلوب في جولته الأخيرة، كاتب بارع يستعد لاطلاق روايته المائة في معرض الكتاب القادم، طبيب مشهور ينجح في إنقاذ الآلاف باكتشافه لعقار جديد. ليس على الجميع أن يتخرجوا أطباءَ ومهندسين!

 فلو كان «ليونيل ميسي» مهندسًا ما سمعت عنه. لو كان «نادال» طبيبًا لما تصدرت الصحف باسمه يومًا. كما لم يكن «دافينشي» جراحًا، كما لم يلتحق «مارك زوكربيرغ»  بكلية الطب. ألقاب وشهرة لم تأت من فراغ وإنما أتت من تنمية مواهبهم، واختيار الطريق الأصعب. فلا تضيع ما منحك الله إياه، وسر على قدمٍ وساق نحو هدفك، لا تفرط يا صاحبي فيما لديك من قدرات قد تكون نقطة تحولك يومًا من حيث لا تدري ولا أدري.

أترككم مع المبدع أحمد الشقيري وحلقه من برنامجه التليفزيوني «قُمرة»  ليحدثكم عن «الموهبة» ما هي؟ وكيف ننميها؟ والمشاكل التي تواجه أمتنا العربية، مدعمًا بنماذج من الواقع العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد