لو قال قائل إن مصمصة الشفاه والتباكي على ماضٍ تليد هي غاية ما تستطيعه النخبة لكان جديرًا بأن يدخل مستشفى المجانين، فالبكاء للأطفال والعاجزين، لكن يبدو أن التماسيح لديها قدرة فائقة على إظهار الدموع، فما بكاء الكبير بالأطلال؟

بدأتُ الكتابة وفي خاطري بعض الأفكار بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، لكنني في لحظة توقفت، وتساءلت: ما مدى صدقنا في حبنا للغتنا العربية؟ وماذا قدمنا أو نستطيع أن نقدم لها؟ ولماذا يكون اهتمامنا بلغة الضاد يومًا في السنة ثم تستمر جهود المنظمات العالمية والإعلاميين وأهل الثقافة وأهل الفن لهدمها وإفسادها؟

توقفت مرة أخرى، ليطل عليَّ الجاني برأسه، ذلك الجاني الذي كثيرًا ما رأيته في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وفي كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ورأيته في كليات الآداب، ورأيته في الاحتفاليات المهيبة باللغة العربية، رأيته بوجوه متعددة وأشكال شتى، ذلك الجاني هو اللغويون الكبار في عالمنا العربي!

نعم، أنا أتهم جيل اللغويين الكبار بالتقاعس والإهمال، جيل النكسة والسلام والخنوع، وخصوصًا مشاهير ذلك الجيل، ممن أشبعتهم الدنيا مالا وشهرة ومناصبَ، فلم يتبنوا مشروعًا قوميًّا للنهضة باللغة التي أطعمتهم الشهد، ولم يقووا حتى على إنشاء كتاتيب ولو في مسقط رؤوسهم، وأغلبهم فلاحون وصعايدة من القرى والنجوع.

حقا، إنهم الكهنة الكبار، الذين وصلوا إلى مراتب يمكنهم من خلالها تغيير واقع اللغة العربية، والانتصار لها وفرض وجودها على التعليم والإعلام، فلم يقوموا بشيء من ذلك. أجل، هم الذين تقوقعوا وتشرنقوا في جامعاتهم فلم تبرح أنشطتهم أسوارها، وقنعوا بالألف والدال والمنصب والمال، وهم الذين تغمغموا بغِماء الأكاديمية وكبرها وغبائها، فنسوا حظًّا مما أوتوا، وطرحوا نفع الناس أرضًا.

هل مما يتسق مع العقل والمنطق أن تكون نظم التعليم الأساسي كلها في الدول العربية عاجزة عن تخريج طالب يستطيع قراءة العربية وكتابتها بطلاقة وبلا أخطاء في نطاق زمني يبلغ 12 سنة هي مدة التعليم الأساسي؟ في حين يستطيع أي إنسان إتقان أي لغة من اللغات في مدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات؟ وإذا كان هذا حال المتخرجين في الجامعات فلا تسأل عن عبثية برامج محو الأمية، فضلا عن ادعاءات التنوير والنهوض الثقافي.

أين هي المناهج؟ أليس من العار أن أصدم الفتيان في سن السادسة عشرة وما حولها بجلاميد امرئ القيس ولغته الآسنة التي عفا عليها الزمن؟ وأين شعر البهاء زهير أو الشريف الرضي، أو حتى بعض قامات الشعر المعاصرة؟

أليس من انعدام البصيرة أن أشغل الفتيان بقواعد جامدة للنحو والصرف ليزدادوا كراهية في اللغة، وأهدر الوقت الذي كان ينبغي أن يصرف إلى زيادة الحصيلة اللغوية، وتنمية مهارات التحدث والاستماع التي قتلها نظام التعليم غدرًا؟

نزار قباني حين أخلص لمشروعه الشعري ترك وزارة الخارجية، فماذا فعل أعضاء مجمع اللغة العربية للمجتمع؟ وماذا فعل الحاصلون على جائزة الدولة التقديرية؟ وماذا فعل الحاصلون على جائزة الملك فيصل؟ وجائزة محمد بن راشد وغيرها؟ وهل تبنت وزارة الثقافة مشروعًا قوميًّا للنهوض باللغة العربية؟ الحق أقول لكم: الكل عمل بمبدأ (خذ الفلوس واجرِ)!

سأرسل رسالة إلى أحدهم وأقول له: عيب يا دكتور، أن أراك مكرمًا اليوم وغدًا أراك تمدح العبرية وجهود أهلها في خدمتها. أليس في وجهك قطرة من ماء الحياء؟ إن كان أقصى جهدك انتقاد مجتمعك فماذا فعلت أنت؟ ماذا قدمت؟ وأي قضية خدمت غير مصلحتك؟ أنا أعلم أنك لم تشبع بعد وأن السبوبة تجري في دمك، بل صارت جزءًا من الحمض النووي. لكن اقرأ سيرة المطبعين من قبلك، ربما تعتبر أو تفيق.

أقولها صادقًا: إن أزمة اللغة العربية في متخصصيها وأكاديمييها، الذين صار أغلبهم بين متكاسل ووصولي ونخبوي وأناني، وجعلوا من مؤسساتهم مقابر للغة العربية، ولم يفكر أحدهم في نشرها بأجمل شكل إلى خارج الأقسام الأكاديمية، إلى الفضاء المجتمعي الرحب، لتصبح العربية للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, اللغة
عرض التعليقات
تحميل المزيد