لعل المتتبع للأخبار العالمية عن وباء «كورونا» يلاحظ من خلال الربط البسيط للأحداث والتطورات العالمية أننا بتنا أمام نظام اقتصادي عالمي تعدى التوحش، فانتشار الفيروس القاتل صاحبه ارتفاع كبير لمبيعات الأدوية المضادة، خاصة الكمامات التي ارتفعت أثمانها في السوق الدولية، ومن مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الذي نعيش تحته أن المضاربات لا تتوقف في لحظات الأزمات والكوارث الطبيعية، فكل الكمامات الطبية بيعت في السوق الدولية وبأثمنة مرتفعة قبل أن تتحول إلى السوق السوداء قصد بيعها بأثمان خيالية بعدما عرفت ركودًا لسنين طويلة، علما أن هذه الكمامات مدة صلاحيتها لا تتجاوز الثماني ساعات يوميًا، وبالتالي فإن النظام الرأسمالي يعمل على ترويج المنتج، وبيع أكبر عدد ممكن قصد الوصول إلى الربح كهدف أعلى، متجاوزًا الأعراف والأخلاق الكونية، كالتضامن بين بني البشر.

فالرأسمالية باعتبارها نظام اقتصادي يقوم على الربح والمنافسة الحرة بين الشركات، لا تعتبر القيم الكونية الأخلاقية والمنافسة الشريفة قيم ذات مكانة مهمة في النظام الاقتصادي، لنأخد على سبيل المثال حروب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (ليبيا) التي لا تنتهي بسبب الدورة الاقتصادية للشركات المصنعة للأسلحة التي تقتات من تأزم العلاقات والحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، فلا يمكن لهاته لشركات أن تشتغل إذا توقفت الحروب فهي من الأسباب المعقولة لعدم حل المشاكل السياسية، خاصة في سوريا والعراق وليبيا حاليًا، حيث تعمل لوبيات الشركات الضخمة على إشعال فتيل الحروب ضمانًا لعدم إغلاق مصانع الأسلحة، وهنا نستحضر ما أوردته مجلة «فوربس» بكون الشركات الأمريكية لها حصة الأسد في المبيعات الدولية للأسلحة، فقد وصل عدد مبيعاتها 207.2 مليار دولار حسب إحصائيات 2016، وتحتل شركة «لوكهيد مارتن Lockheed Martin» المركز الأول في صناعة الأسلحة بحجم مبيعات وصل إلى 84.40 مليار دولار وتنتج الشركة قذائف الصواريخ والمدرعات وغيرها خصوصًا لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، تليها شركة البوينغ.

إن ظهور أوبئة فتاكة مثل «إتش وان إن وان» أو فيروس «الإيبولا» اللذين اختفيا بعدما أديا دورهما، أي بيع أكبر نسبة ممكنة من الأدوية خدمة لجشع الشركات المصنعة للقاحات والأمصال، يشير إلى وصولنا إلى مرحلة متقدمة من التوحش الرأسمالي التي نخرت كوكبنا، وما يسري على الفيروسات المستحدثة يسري أيضًا على فيروس «كورونا» الطارئ في غفلة من الجميع، فلا يمكن أن ننخذع بسذاجة أمام الترويج الأبله لأسبابه، التي حصرها الكثيرون في الأغذية التي يتناولها الصينيون المكونة من الحيوانات خاصة الأفاعي والسحليات وغيرها، والتي تجعل من المفروض أن يصاب الصينيون بهذا الفيروس منذ سنين بعيدة، وليس اليوم.

إن إعلان الرئيس الأمريكي ترامب انطلاق الحرب التجارية بين الصين وأمريكا منذ أكثر من عام، برفع الرسوم الجمركية بين البلدين وحالة الجفاء التي ميزت علاقة العملاقين الاقتصاديين تشير إلى أن فيروس «كورونا»، ما هو إلا استمرار للحرب التجارية في شكلها البيولوجي، عن طريق تدمير اقتصاد البلد الذي ينافس أمريكا بقوة، خصوصًا في مجال الإليكترونيك خاصة مع تراجع مبيعات شركة «أبل» و«الآيفون» لصالح «هواوي» الذي اخترق جميع الأسواق العالمية بما فيها أفريقيا وأوروبا وحتى قلب أمريكا، فالمجلات الأمريكية مؤخرًا تنشر دوريًا تقارير عن الحالة الاقتصادية للصين، فمجلة «فورين بوليسي» الواسعة الانتشار أشارت في أحد مقالاتها إلى أن الصين تضررت كثيرًا، خصوصًا في قطاع صناعة السيارات المتوقف بالكامل عن الإنتاج، بالإضافة إلى قطاع النقل والتعدين؛ مما سيؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي بالصيني، كما أن الرئيس الأمريكي في أحدث تغريداته أكد أن الأمور في أمريكا بخير وتحت السيطرة؛ مما يزيد من احتمالية طرحنا حول الفيروس المستحدث.

وبذلك تكون الولايات المتحدة أول مستفيد من تراجع الاقتصاد الصيني الذي تكبد خسائر فادحة جراء فيروس «كورونا» الذي أوقف العجلة الاقتصادية بملازمة العمال لمنازلهم بعدما أغلقت المصانع وتوقفت حركة السير الجوية والبرية، كما أن تراجع الاقتصاد الصيني له أثر وخيم على اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا، أي القوى الاقتصادية الصاعدة، وكوريا الجنوبية التي تنافس بقوة الصناعة الإلكترونية الدقيقة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا طرح آخر يؤكد أن الفيروس مستحدث قصد مواجهة الزحف الاقتصادي الآسيوي على دول العالم في المنطقة.

نخلص في النهاية أن أمريكا لا زالت تتبع نهج الحروب الناعمة التي أشعلتها في المنطقة من خلال التخلي عن الخيار العسكري لتدمير الدول، فالحروب بالوكالة ونشر الفيروسات القاتلة أصبحت ضمن إستراتيجياتها لمواجهة القوى المنافسىة بأقل تكلفة، والحل يكمن فقط في تقوية البحث العلمي والتكنولوجي من خلال رصد ميزانيات سنوية ضخمة تتجاوز ميزانية كل الدول العربية مجتمعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد