هجوم في سوريا بالغازات الكيميائية المحرمة دوليًا وأخلاقيًا، يسقط فيه العشرات من القتلى من رجال ونساء وأطفال، ويثور رد الفعل – المتوقع – سواء من المجتمع الغربي بالتنديد والاستنكار، أو من بعض المجتمع العربي بالدفاع عن بشار. وتصدر بيانات من مختلف الأطراف تعبر عن المواقف، وتتصاعد وتيرة ردود الفعل، ويثور الغبار وترتفع الصيحات وتدق طبول الحرب، ويتوعد الأقوياء بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولا تنقضي ساعات كثيرة حتى تنطلق طائرات الموت ترمي بصواريخ من سجيل على من اجترح جريمة أنكرتها البشرية منذ قامت على الأرض، فتوقع الجميع أن يصبح كيماوي الأسد كعصف مأكول لا يبقى منه شيء ينفع أو يضر. لكن سرعان ما هدأ الغبار؛ وانكشفت العاصفة عن لا شيء.

في أغسطس (آب) 2013 شن الأسد هجومًا بالغازات على مواطنيه في الغوطة، فقتل منهم حسب التقديرات الغربية 1429 شخصًا بينهم 426 طفلًا والباقي من النساء والرجال العزل، وأكد تقرير خبراء الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) من نفس العام اتهام نظام بشار بتلك الجريمة، وأشعل جهودًا كبيرة نحو نزع الأسلحة الكيماوية السورية، لكن الحكم على نجاح أو فشل تلك الجهود جاء بعد فترة وجيزة، ففي سبتمبر من العام التالي مباشرة 2014 صدر تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ليؤكد تكرار استخدام الغازات السامة وبشكل ممنهج في وسط وغرب سوريا، ثم تكررت الهجمات في مارس (آذار) 2015. ثم أبريل (نيسان) 2017 يسقط أكثر من 85 قتيلًا بينهم حوالي 30 طفلًا في إدلب حسب تقديرات مختلفة سواء من الأمم المتحدة أو وكالات أخرى، وتتوالى الهجمات المتفرقة ويسقط المزيد من الأبرياء.

والآن وبعد كل هذه الهجمات التي أقر الجميع بوقوعها وانكشفت أماكن انطلاقها ودور روسيا في دعمها، هل ستصبح الأسلحة الكيميائية سلاح حرب مقبولًا ضمنيًا؟ هذا التساؤل أطلقته المحللة السياسية في مؤسسة راند للدراسات ناتاشا لاندر في تعليقها على هجوم أبريل الأخير بالغازات على المدنيين في سوريا. وتقارن ناتاشا بين ردود الفعل الغربية لواقعة تسميم ضابط روسي السابق وابنته والعديد من المارة في بريطانيا واتهام روسيا بالوقوف خلف الهجوم، وبين الهجوم السوري الأخير الذي تحميه روسيا وتزود عنه سياسيًا وعسكريًا.

فردًا على استخدام روسيا للسلاح الكيماوي في بريطانيا؛ طردت الولايات المتحدة الدبلوماسيين الروس وأغلقت القنصلية الروسية في سياتل، كما طردت أكثر من 24 دولة أخرى الدبلوماسيين الروس من مكاتبهم، وكان الهدف من ذلك – تؤكد لاندر – توجيه رسالة إلى روسيا أن هناك عواقب أكيدة على أفعالها، ثم جاءت الضربات الجوية لبشار في ظل الوجود الروسي الضخم في سوريا كرسالة أخرى، لكن يبدو أن تلك الرسائل والعواقب لم تكن كافية لتدفع روسيا لكبح جماح بشار عن استهداف شعبه بالغازات.

وفي رد فعل إيراني على الهجمات، يشير الزعيم الإيراني علي خامنئي بأن روسيا وفرت المزيد من المقاتلات للدفاع عن الأجواء السورية ضد من وصفهم بالمجرمين (ترامب وماكرون وتيريزا ماي)، وانطلق سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي ليعلن أن الهجمات الكيميائية هي تهمة ملفقة من جانب المخابرات الغربية، وتقع ضمن الحملة المناهضة لروسيا. وكانت دمشق هي نجم السيرك الروسي كما يطلق عليه بعض المحللين السياسيين الغربيين، فإيران استثمرت مليارات الدولارات لإبقاء نظام الأسد حاكمًا في سوريا، وبوتين هو المنفذ لمشيئة آيات الله، وصاحب السيرك المنصوب في البلد المنكوب بحكامه وجيرانه.

في 15 أغسطس 2017 يكتب تيد كلارك أستاذ العلوم السياسية – والرئيس السابق لمحللي وكالة الأسلحة الكيميائية التابعة للاستخبارات المركزية الأمريكية – في مجلة فورين بوليسي مقالًا بعنوان هجمات الأسد الكيميائية يجب منع تكرارها أو نسيانها أو تبريرها. ويرى كلارك أن الأسد عندما يطالع مصائر الطغاة السابقين عليه مثل القذافي وصدام؛ حسين ويقارنها بالرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، سيكتشف بالتأكيد أن كيم هو الباقي على قيد الحياة بفضل ترسانته القوية من أسلحة نووية وكيميائية، لذا فبدلا من أن يتخلى الأسد عما لديه من كيماوي؛ سيتمسك به أكثر وأكثر.

ويطرح كلارك حلولًا لمواجهة الأسد وغيره ممن قد يلجؤون إلى استخدام السلاح الكيماوي، لكن كل تلك الحلول لا تصل إلى حل عسكري شامل وناجع، بل فقط التهديد بالإجراءات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية التي تتبع عدم امتثال الدول المارقة. بل الواقع أن هذه الحلول تتحطم على صخرة الموقف الروسي الذي يعرقل صدور أي قرار من مجلس الأمن ضد النظام الروسي، وتخاذل المجتمع الغربي أن ينهج ما فعله من قبل مع القذافي عندما فجر طائرة لوكيربي واكتفاؤه بالتنديد والوعيد، وهو الموقف الذي تسخر منه ناتاشا لاندر وتطلق عليه «بالمعادل للدعوات والصلوات» أمام استمرار قتل السوريين ببعض أسوأ الأسلحة التي تم اختراعها على الإطلاق.    

ورغم مرارة الكلمات المستخدمة من قبل لاندر وكلارك، فإن كلاهما لم يستطع وضع الحل الناجع لوقف هجمات الأسد على الأبرياء، أو منع تحول الأسلحة الكيميائية إلى سلاح حرب مقبول ضمنيًا. وتأتي المبادرة الصريحة من شالوم ليبنر – من مركز سياسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينغز والذي عمل مع سبعة رؤساء وزراء إسرائيليين متتاليين – أن التبرير الوحيد لوجود الأسلحة الأمريكية الباهظة الثمن حول العالم هو حماية المصالح الأمريكية. وأفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف في سوريا هي أن يستطيع ترامب إقناع روسيا بأنه لن يتردد في نشر واستخدام قوة ساحقة لمنع ووقف استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية وإنهاء التواجد الإيراني بسوريا، وإذا لم يستطع ترامب فعل ذلك؛ فعليه أن يستعد لرفع القاذورات من المكان بعد أن تنتهي روسيا من استعراضها في سوريا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد