( 1)
من المتعارف عليه والمسلم به قاعدة احتكار الدولة للعنف في مقابل التزامها تجاه مواطنيها بتوفير الأمن والسلم الاجتماعي. أو بمعنى آخر هو تنازل المواطن طواعيةً عن حقه في الدفاع عن نفسه بنفسه طالما أن الدولة تنتزع له حقه، تمارس الدولة هذا العنف عبر أجهزتها ومؤسساتها (أي عبر النظام القائم والمسيطر على الدولة) وفقا للقانون (العادل) وفقط.

تلك القاعدة تدرج في دساتير الدول بنصوص واضحة كما يدرج أيضا الالتزام بتوفير الأمن للمواطنين بنصوص واضحة لا تقبل التأويل.

لكن العبرة ليست بالنصوص والقوانين ولكن بمسلك السلطة الحاكمة إما الالتزام بهذه القواعد والنصوص والقوانين أو خرقها، عند الالتزام تستطيع الدولة (النظام) إلزام مواطنيها جبرًا، غير هذا تنتفي طريقة الجبر.

(2)
عدم التزام أجهزة ومؤسسات أي دولة بالقانون (العادل) هو إعلان صريح بفشلها في توفير الأمن لمواطنيها، وهو ما يفتح الباب أمام المواطن ليسترد حقه بتوفير الأمن والحماية بنفسه.

احتكار الدولة للعنف يسمح لها بالقتل داخل إطار القانون (العادل)، أما إذا اتجه النظام إلى القتل خارج إطار القانون (قتل على المشاع) فهو يتحول إلى ميليشيا ليس أكثر ويتجه إلى احتراف صناعة القتل.

لكن السطة القامعة القاتلة (الميليشيا) لفرض سطوتها وسلطتها تحتاج لإقناع العامة أنها لازالت سلطة وتمتلك شرعية فتعمد إلى تغيير الوضع الطبيعي للمواطن (الوضع الذي يأمن المواطن فيه على حياته وممتلكاته)، تغيير هذا الوضع لعبة سهلة في أيدي الأجهزة الأمنية والمخابراتية .. أو ما يطلق عليه “صناعة الاحتياج”.

الاندفاع المهووس إلى القتل يصحبه استعمال كل أدوات السلطة لخدمة هذه الصناعة، أجهزة شرطية، قوات جيش، آلة السلطة الإعلامية والموالية لها (يجيد الإعلام التحريضي تجسيد الخطر الوهمي ويسهب في افتعال التهديدات ويلقي باتهامات القتل بحسب هوى السلطة القامعة)، مرورًا بمنصة قضاء السلطة لإضفاء شرعية قانونية على صناعة القتل.

لكن بعد صناعة الاحتياج هذه قد يصعب السيطرة على الوضع، قد يتحول الخطر الوهمي إلى حقيقة والافتعال إلى واقع، عندها تكون كرة اللهب قد تدحرجت ولن يستطيع أحد إيقافها.

(3)
عندما تنتصر السلطة (أو كما تظن) تعمد إلى قتل أى أحد حتى تستقر هي، لكن لفعل هذا تحتاج السلطة إلى توريط الجميع معها، تعمل على إشراك النخب السياسية معها في قراراتها، وتطلب نوعًا من التأييد الشعبي أو على الأقل الرضا أو السكوت لأكبر عدد من المواطنيين، (تأييد مفتعل يقوم به الإعلام التحريضي، ومن ثم يعتاد المواطن العادي على أنباء القتل وهو في حالة تقترب من الرضا أو عدم الاكتراث)، ثم تسيطرعلى القضاء لإصدار أحكام القتل، إلى هنا الجميع متورط مع السلطة في القتل.

المواطنون (على اختلافهم) لديهم موروث تقبل القتل الذي تقوم به الدولة ظلمًا وعدوانًا وهم لايدرون أن هذا القتل قد يطالهم يوما ما فالأنظمة الفاشية تقتل لتبقى لا لتحمي الدولة كما يعتقد المواطن أو يوهمونه.

القتل صناعة (هذه حقيقة)، صناعة ككل الصناعات لها أدوات وصانع ومروج ومقنن يشتركون في مُنتَج هو القتل، ولكنها صناعة مكلفة ومؤلمة، وألم هذه الصناعة يتجاوز ضحاياها إلى صانعيها و ربما إلى من ارتضاه أو سكت عنه طالما انتشرت الصناعة، لأنه ببساطة كما تستطيع الأنظمة صناعة القتل عبر أجهزتها ومؤسساتها أيضا يستطيع غيرها تقليد صناعتها تلك حتى لو بجودة أقل.

(4)
” العنف هو اختناق صوت العقل في الحنجرة”

فإذا لم يجد كلام العقل طريقه للخروج وسدت جميع الطرق أمام المنادين به فلربما اختنق صوت عقلهم، فما استشعره الناس من استباحات لقمعهم وقتلهم يدفعهم (حتمًا) نحو حالة اغتراب إزاء الدولة والمجتمع. وخصوصًا بعد التأكد من ضياع القانون العادل، ومن أن حقوق الإنسان أصبحت خطابًا مشكوكًا في أمره.

(5)
هذا الكلام ليس دعوة للعنف ولا ارتضاء له لكن دعوة للتصدي للقتل، العدو الشخصي للجميع، دعوة لتصويب موروثاتنا، لرفض التعايش مع أمراضنا وسعيًا إلى الشفاء منها، دعوة لكسر وإنهاء متلازمة الانتهاك والسلطة.

دعوة للسلطة لمراجعة نفسها والتوقف عن القتل لأنها تعلم (يقينًا) أن صناعة القتل التي تجيدها هي باحتراف يمكن للهواة تقليدها.

إنها دعوة لكسر الصمت، لتفتيت التواطؤ الإعلامي الأعمى لتأييد المتسلطين الجدد، لإلغاء التأييد النخبوي (غير المشروط) للسلطة وزبانيتها، دعوة للرفض الشعبي للقتل ورفض التوريط فيه، دعوة لزيادة الأعمال التي قد توسع مثل هذا الرفض المجتمعي.

دعوة لإيقاف جدل السلطة والنخب والإعلام عن أشياء لا تُسمع ولا تُقال بمثل ما هي واضحة للعيان (فأوامر القتل لا تحتاج إلى أوراق، إثبات القتل وتحديد القاتل لا يتطلب إلا مشاهدة بعض الفيديوهات)، دعوة لمحاسبة صانعي القتل.

دعوة لضمير ووعي متضامنين مع الذين يعانون على أيدى القامع ويقتلون أيا ما كانوا أو كانت انتماءاتهم فالقتل يطال الجميع.

ولأن التاريخ لا يسرف في النهايات السعيدة ولأننا لا نريد أن نتعلم من تجارب الدول التي مرت بما نمر به، فعلينا انتظار الحد الذي يُنتج به اختناق صوت العقل نوعًا من الفعل السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد