قال الأستاذ إسلام بحيري في أحدث تدوينة له على فيسبوك بمناسبة حادثة تفجير المصلين بمسجد الروضة بالعريش – رحمهم الله وتقبلهم عنده في الشهداء، وقطع دابر قاتليهم – قال: (منتظرين بيان الإدانة الفظيع المرعب من الأزهر؛ لأن طبعا انتم عارفين، إدارة الأزهر مش بتاعة تجديدات، إدارة الأزهر بتاعة إدانات)، وقد أرجع سبب التفجير إلى الخطاب الديني عند ابن تيمية وأنصاره من السلفيين، وسار على طريقته السيد عمرو أديب وعدد من الإعلاميين.

وحين يعم المجتمع الفوضى الأخلاقية، تنتشر الدعارة الجنسية، وحينما يعم المجتمع الفوضى العلمية، تنتشر الدعارة الفكرية، فبدلًا عن أن يطلق – هو وغيره – الكلمات بالمواساة في مصاب الأمة وضمد جروحها، وبدلًا عن أن يعمل عقله بحكمة في اقتراح حلول لمشكلتها، تراه ينطلق بألسنة حداد، يستعمل أسلوب السوقة في فرش الملاءة دونما أية حيادية علمية، وكأنما باع مهنيته في سوق النخاسة، يُسَوِق لها بالقول: إن

  •       الأزهر أساس كل بلاء، وخطابه الديني أصل كل تطرف وشر، وشيخه المكرم مأوى الإرهابيين والمتطرفين، وكأنما هي عبارات يتم تلقينها لهم يزيفون به وعي الناس.
  •       سبب التفجير أن السلفية بسندها المتصل لابن تيمية تكفر الصوفية.

يا سيدي:

أظن أن أفق الناس قد اتسع، ووعيهم قد نما وزاد، وأصبح تفسيرك أن حدوث التفجيرات كان بسبب تقصير الأزهر الشريف وشيخه المكرم في تجديد الخطاب الديني – هو تمامًا للناس – كتفسير مجيء الليل بأن كائنًا ضخمًا وضع يده على عين الشمس، وتفسير البرق والرعد في مصر بأن دونالد ترامب عطس في البيت الأبيض في أمريكا، ومثل هذه التفسيرات لا يلجأ إليها إلا الكسالى الذين يتسرعون في إصدار الأحكام، ويملون التجريب ولا يصبرون على الملاحظة يهلكون أنفسهم وأوطانهم بألسنة حداد.

يا سادة:

مرارًا وتكرارًا – والله ليس لدينا أصلًا في جامعة الأزهر كليات شرطية، ولا معاهد عسكرية تعلمنا قواعد التأمين والحراسة، أتريدون منا أن نخلع العمائم ونقف على أبواب المساجد والكنائس، وتؤمون أنتم الناس في المساجد!

يا سادة:

التطرف ليس نتيجة خطاب ديني تقادم عليه الزمن وفقط، بل هو في المقام الأول نتيجة تراكم لمشكلات الفقر والجهل والمرض والفراغ والبطالة…إلخ، كما صرح بذلك فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب حين قال في مؤتمر السلام العالمي في ألمانيا: والإنصاف يقتضي أن نسجل كثيرًا من الأسباب السياسية والدينية والتعليمية والاجتماعية التي ساعدت بشكل أو بآخر في تهيئة المسرح لهذا اللامعقول. ولكنكم تصمون آذانكم.

أما بخصوص أن سبب التفجيرات هو تكفير السلفية – الممتدة لابن تيمية – للصوفية.

ففي هذه العبارة مغالطات:

1-   فيها تقزيم للقضية وتحجيم لقدرها، وإظهار أن المصاب مصاب صوفية وفقط، وهو في حقيقته مصاب أمة، وجرح وطن ينزف!

2-   ثم إن هؤلاء المتطرفين الذين يتبنون الإطلاق في مبدأ التكفير، يكفرون أصلًا الشيوخ السلفيين أمثال (الألباني، وابن باز، وابن العثيمين، وغيرهم…) – ومن اتبعهم – قبل تكفيرهم للشيخ (السيد البدوي أو الشيخ إبراهيم الدسوقي) أو أنصار الطرق الصوفية.

3-   ثم كيف استحللت لنفسك الاجتزاء، ثم الافتراء على ابن تيمية، وهو القائل: فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت، ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – مما يخالفه. انتهى من كتاب: الرد على البكري. (2/ 731).

ثم إن الربط والتلازم الحاصل بين التكفير، وبين استحلال الدم بإطلاق، واقع فقط في مخيلتك أنت ورفاقك فقط يا أستاذ إسلام، تماما كما هو واقع في مخيلة هؤلاء المتطرفين.

هذا وبالرغم من أن ظاهرة التكفير ظاهرة دينية عامة في كل الأديان، وبالرغم من أنه في كل دين تنزع بعض الطوائف تجاه الغلو في التكفير، إلا أن الإطار العام للتكفير كحكم شرعي ديني يبقى – عند المعتدلين المتوسطين من أهل السنة – محكومًا بضوابط وقواعد، وفِرق الإسلاميين في تنظيرهم حول هذا الموضوع، ما قالت أبدًا بالتلازم بين التكفير، وبين استحلال الدماء.

بل يفرق جميعهم بين:

  • الحكم والتكفير النوعي وبين الحكم والتكفير العيني.
  • بين الإسرار بالكفر والبدعة، وبين قصد إفساد المجتمع بالجهر بالكفر والدعوة إليه.
  • بين المجتهد المتأول، وبين الجاهل المعاند المغالط.

ويكاد ينعقد إجماعهم على:

  • إسناد سلطة القتل – لعلة الكفر والردة – إلى الحاكم أو السلطان وفقط، لا إلى آحاد الناس وعامتهم.

فما ذنبهم إن أساء فهمهم إسلام البحيري وغيره!

ثم يا أستاذ إسلام! إن هؤلاء الخوارج القتلة الذين سفكوا دماء المصلين – مبتدعة وضالين – فهل تنقم على قواتنا المسلحة قتالهم؟ – وقد أفتى ابن تيمية – نفسه – بقتالهم فقال: فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج، كالحرورية والرافضة ونحوهم: فالصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه، ونحو ذلك ممن فيه فساد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أينما لقيتموهم فاقتلوهم. وقال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. مجموع الفتاوى (28/499).

الخلاصة:

إن أسلوب معالجة مشاكل الوطن – على طريقة نساء الحواري – بالسب والشتم والتهييج، أسلوب عفا عليه الزمن، وليس في حقيقته إلا خلقًا لمعارك جانبية، وتأجيجًا لصراعات هامشية، ولعبًا بجراح الوطن، ومتاجرة بقضاياه.

وأنصحك يا أستاذ إسلام نصيحة المشفق، هنالك يجلس في أروقة الجامع الأزهر علماء أصوليون، مدققون ومحققون، لن تخسر شيئًا إذا جالستهم، أظن أنك ربما تجد عندهم الدواء الشافي، والله يهديني وإياك إلى سواء الصراط

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد