«كيم جونغ» الشاب السمين ذو الوجه الطفولي الذي يمكن لأحدنا أن يتصوره مكان مغني البوب الشهير وهو يرقص ويهتز على نغمات «غانغام ستايل»، هذا الشاب قد جعل الأمريكيين يرقصون من الهلع والرعب عندما أطلق تجربة ناجحة لإحدى القنابل الهيدروجينيّة التي في إمكانها أن تحول مدنا في الولايات المتحدة إلى جزيئات من الرماد تذروها الرياح في ثوان معدودة، إذا ما كانت فعلا بيونغ يانغ -حسب تقارير المخابرات الأمريكية- قد نجحت في صناعة رؤوس نووية يمكن حملها على صواريخ باليستية.

فعندما تصل كوريا الشمالية إلى أن تصبح قوة نووية برؤوس هيدروجينيّة فقد انتهى السباق، أو بالأحرى فإن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» وصل إلى الحلبة متأخرًا، بعد أن أضاع أسلافه طيلة السبعين سنة من الصراع فرص وضع حد لهذه الدولة الشيوعية الصغيرة، حتى أصبحت بعبعًا يبث الهلع في أعظم دول العالم. لقد أضاع الأمريكيون الفرصة في مطلع التسعينيات من القرن الماضي عندما تم التراجع عن القيام بضربة استباقية لتقويض القدرات النووية لكوريا الشمالية.

ففي الوقت الذي انشغلت فيه الولايات المتحدة ومن ورائها الاتحاد الأوروبي بالملف النووي الإيراني، كانت كوريا الشمالية في سباق محموم تعد العدة في صمت لمثل هذا اليوم، ولا شك أنه بالنسبة لـ«كيم» يوم من أيام النصر، فامتلاك رؤوس هيدروجينية مدمرة، هو امتلاك الهيبة، والقدرة، وقوة الردع ، فسبحان من جعل رؤوسًا ترفع رؤوسًا… وبذلك تصبح أمريكا بكل هيلمانها وجبروتها في عيني «كيم» بفضل هذا السلاح المدمر غريما موازيًا له في القوة أو قريبًا من ذلك.

فعندما تمتلك سلاحًا للدمار الشامل فأنت تمتلك كل سلاح دونه، ويلغي وجوده في المعادلة كل وجوه المقارنة والتفوق الأخرى، بما فيها حجم الدولة وتسليح الجيش وكفاءة القتال وأعداد الجنود، أو على الأقل تتضاءل فاعليتها، ويضعف تأثيرها في حروب غير تقليدية، مصداقًا للمثل المغربي الدارج «أقَلْ زَادْ.. يوصلكْ لْبْلادْ»، وبصواريخ بالستية عابرة للقارات تحمل رؤوسًا نووية، تصبح أمريكا – بلاد الحرية، والهامبورغر، وهوليوود، وجاستن بيبر – في خبر كان.

فلا جرم أنّ «كيم جونغ» قد وضع «دونالد ترامب» وخلفه العنجهية الأمريكية ومن يتحامى به ككوريا الجنوبية واليابان في خانة اليكّ، وأصبح له الحق كل الحق أن يحدّق في عيني ترامب بعينيه الصغيرتين ويقول له «كنْ أسدا…وكُلني»، فلم يعد للولايات المتحدة من خيارات ولا أوراق للضغط أكثر من الحصار الاقتصادي، ويبدوا أن هذا الأمر لا يعني كثيرا للدولة الشيوعية، لأنها تحقق  تسعين في المائة من مبادلاتها التجارية مع التنين الصيني، والصين وحدها قارة، لا يجرأ ترامب على فرض عقوبات عليها  بسبب تعاملها التجاري مع كوريا الشمالية، لأنها وببساطة تمتلك أزيد من تريليون دولار من سندات الخزينة الأمريكية، فهل يجرؤ وينتحر؟

 ورغم أن تقارير صحفية تشير إلى أن ترامب يعتزم إرسال حاملات طائرات إلى شبه الجزيرة الكورية لحفظ ماء الوجه بعد الصفعة الحادة التي تلقاها على قفاه، فإن ذلك لن يجدي نفعًا ولا يعدو أن يكون رد فعل طبيعي لمن أحس بألم الصفعة فأراد أن يرد بأي شكل كان.

وهو بين أمرين لا ثالثَ لهما: أحدهما أن يستخدم القوة العسكرية ويهاجم كوريا الشمالية، فتشتعل حرب نووية لا هوادة فيها تكون بها نهاية عالمنا السعيد هذا نهاية دراماتيكية وكوميدية في نفس الوقت، إذ لا أحد يتصور أن يسخر القدر من تاريخ الإنسانية بكل ما حفل به من أحداث، وتقلب فيه من أطوار، وما وصل إليه من تطور، وما يستشرفه من مستقبل يغزو فيه الفضاء وينطلق إلى عوالم أخرى، لتكون نهايتنا على أيدي معتوهَيْن أحمقَيْن اثنين، أحدهما شيخ في السبعين، والآخر فتى متهور لا يمكن أن يتكهن أحد بردود أفعاله حتى هو نفسه.

وإذا نظرنا لوهلة إلى الأمر بجدية، فإننا سنجده يَمَسُّنا جميعا، يمَسّني وأنا أكتب هذه السطور، ويمسّكَ وأنت تقرأها، ويمسُّ الموظف الذي يرتشف قهوة الصباح في مكتبه، والمذيعة وهي تقدم نشرة المساء، والتاجر البسيط وهو يرتب عُلَبَ السردين في الدكان، وذلك القروي الذي يدلي بدلوه في البئر. أياّ كان موقع أحدنا، فإنه قد يجد نفسه فجأة وكأن نيرانا محرقة تلتهم جسده في أجزاء من الثانية. بضغطة زر.

 لأنّ حربًا مثل هذه لن تقتصر على بلدين يفني أحدهما الآخر، إذ أنّ السياسة الدولية تقوم على مبادئ التحالفات واتفاقيات الدفاع المشترك، وبالتالي فإن بعضها يجر بعضًا في الحروب والنزاعات مثل أقراص الدومينو، أو مثل الخيط إذا سلَلْتَه من قميص الصوف فإنه لا يلبث أن يتداعى له نسيج القميص كله.

أليس الإنسان اخترع التكنولوجيا لراحته ورفاهيته؟، وها هي اليوم تهدد وجوده على سطح الأرض، فكل شيء ممكن إذا أضحى مصير العقلاء بأيدي المجانين.

أما خياره الثاني فهو التفاوض وهو الأرجح، لأن «ترامب» وإن كان على استعداد للتضحية بالبشرية جمعاء في سبيل تحقيق مصالحه، فإنه على الأقل يخشى على أسرته وأبنائه -خصوصًا حفيده دونالد الصغير الذي يشبهه في كل صغيرة وكبيرة- والأهمّ من ذلك أن الكونغرس الأمريكي لن يسمح بتهور خطير كهذا، وقد يذهب إلى عزل الرئيس كما جاء في بعض التقارير المسربة عن ويكيليكس،ولذلك فليس «لدونالد» مندوحة عن التفاوض في حدود ما تسمح به أوراق الضغط المتبقية بيده، ويبدو أن المسألة ستطول إلى ما بعد ترامب الذي سيشيخ ويفنى والمسألة الكورية لم تنته إلى حل، لأن من تهيأت له أسباب القوة فمن العته أن يفرط فيها.

وفي مناسبابات عدة، شهدنا الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية تتأزم وتنتفخ، وتتناسل التقارير الإعلامية والاستخباراتية، وتحتد المواقف، وتعلو نبرة التهديد والوعيد، حتى نكاد نجزم أن الحرب وشيكة لا محالة، ثم ينكمش البالون فجأة ويصمت الجميع عن الكلام. ويبدو مع التجربة السادسة الناجحة لاختبار قنبلة من هذا النوع، أن التعامل الأمريكي والدولي مع الملف النووي الكوري بلغ  مرحلته الأخيرة، توجت بانتصار ساحق لكوريا الجنوبية، ليبدأ فصل جديد من العلاقات، عنوانه الدبلوماسية  والتفاوض ولا شيء غير الدبلوماسية والتفاوض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد