الرئيس الكوري الشمالي اليوم، كيم جونغ أون، وبعد فترة من وصوله إلى كرسي الحكم وراثة عن أبيه في التاسع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2011، ذاع صيته في العالم ولقي اسمه رواجًا بشكل خاص في العالم العربي.

يعود هذا الرواج إلى سياسته القاسية الملفتة للانتباه، والتي يتبعها في تسيير شؤون البلاد، والقوانين الصارمة التي لا يتجرأ ذوو النفوذ على مخالفتها، هذا إضافة إلى القيود المجحفة المفروضة على المواطنين من ناحية حرية التعبير وغيرها من القوانين الغريبة، إن لم نقل «المجنونة» التي تسير على منوالها شؤون البلاد، لتبدو لنا كوريا الشمالية راكعة تحت وصاية الرجل الواحد، وتصبح مثالًا للنظام وفرض النفوذ عالميًّا، ولأنه يحكم بيد من حديد؛ فقد وصفه الكثيرون بـ«زعيم كوريا»، أو كما يلقب هو نفسه بـ«الزعيم العزيز».

إن من يحيد عن أوامر الزعيم أو يقوم بحركة تعكر مزاجه فهناك فرصة كبيرة أن يعدم، وإن كان لتهمة بسيطة، ففي ظل حكم كيم جونج أون، لن يحميك منصب مهما علا شأنه، حتى لو كنت وزيرًا للدفاع، ولن تحميك درجة قرابتك منه من الإعدام وفق ما يجري تداوله، فمن يخالف أوامر الزعيم لن ينجو من القتل رميًا بقذائف الهاون، أو رميًا للكلاب، أو رميًا بقذائف مضادة للطائرات.

وهنا، يتابع المواطن العربي عن بعد ما يحدث هناك بشوق، فيضحك أحيانًا لتفنن الرئيس الكوري فى التخلص من خصومه بسبب تهم من بينها النوم أثناء عرض عسكري مثلًا. فقد أعدم كيم وزير دفاعه رميًا بطلقات مدفع مضاد للطائرات لأنه غفى لبضع ثوانٍ في أحد مؤتمرات الرئيس، كما أعدم زوج عمته وقدمه وجبة للكلاب إثر تهم بالفساد والخيانة العظمى. ومن بين مجموع الإعدامات، كان 70 شخصية من الأقارب وكبار المسؤولين.

من ناحية أخرى، أصدر كيم جونج أون قانونًا يمنع من خلاله استخدام العبارات التي تسخر من النظام في المحادثات اليومية. كل هذا وغيره قد لاقى استحسانًا لدى المواطن العربي الذي يرى أن هذا التوجه قادر على بسط النظام في بلده بالرجوع إلى الوضع المتدهور في أغلب البلدان العربية حاليًا. فقد تزامن صعود كيم جونج أون للواجهة مع بداية ثورات «الربيع العربي»، وما أفرزته من انفلاتات أمنية وفوضى سياسية واجتماعية واقتصادية عارمة، ما زالت متواصلة إلى اليوم.

إن تزايد حضور بعض الشخصيات النافذة وتمتعها بامتيازات على حساب الأفراد أصبح يثير قلقًا وتذمرًا شديدًا لدى المواطن العربي؛ لذلك يرى أنه لا بد من سياسة صارمة شبيهة لتلك التي يتبناها الزعيم الكوري أملًا في الحد من هذه الظاهرة. وزيادة على ذلك فقد تفاقمت ظاهرة الجريمة بشكل بشع، وتضاعفت ظاهرة السرقة واستهلاك المخدرات وترويجها، والاغتصاب بشتى أنواعه، إضافة لانتشار الفساد، وذلك بالتوازي مع ضعف تطبيق العقوبة اللازمة على المجرمين أو الإفلات منها أحيانًا، وهو ما لبث يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المواطن وتهديدًا للأمن والتعايش السلمي أحيانًا أخرى.

كما يبدي المواطن العربي تذمره الشديد من تفشي ظاهرة الفساد، خاصة من كبار المسؤولين، وهو ما يؤثر سلبًا في اقتصاد الدولة مباشرة، ثم في معيشة المواطن من جهة أخرى، وتتصدر البلدان العربية مؤشرات الفساد، مثل ليبيا، واليمن، والصومال، والسودان وفق تقرير منظمة الشفافية لعام 2019، مما جعل المواطن العربي يرى في كيم صورة المنقذ الذي يتماشى وطبيعة الوضع الحالي للبلدان العربية، التي في غالبها فتحت المجال لتسرب الفساد في مرافق الدولة، العمومية منها خاصة، وعدم محاسبة الفاسدين أو التغافل عنهم في بعض الأحيان. فالتوجه السياسي الحالي عربيًّا، مرن وفاشل وضعيف في مواجهة هذه الظاهرة، هذا إن ثبت عدم تواطئه، ليفقد المواطن العربي الأمل في الإصلاح، مما جعله يبحث عن شخصية مميزة تقف في وجه هذه الظواهر التي أصبحت تعكر صفو حياته وتنهك معيشته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وإن كان ذلك على حساب حريته.

وهنا أصبح الزعيم الكوري، ورغم ممارساته الغريبة والمريبة، وفي خضم هذا المخاض العربي المتواصل، رمزًا أو نموذجًا للرئيس المثالي الذي يلوح به المواطن العربي، فيقول المواطن التونسي على سبيل المثال لا الحصر «احنا لازمنا رئيس كيما رئيس كوريا» أو «نحنا العرب نفهمو كان بالعصا».

ولا يحيد المواطن العربي في غالبه عن هذا الموقف الذي يمجد الزعيم الكوري، ومن منا لم تعترضه تلك المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، في «تويتر» أو «فيسبوك»، والتي نقرأ فيها انبهار الشخصية العربية بالرئيس الكوري وسياساته؟ يرى المواطن العربي أن سياساته هي الطريق الأنسب والأنجع لاحتواء ما يمكن احتواؤه من الظواهر السلبية، فهو القادر على تطبيق العقوبة اللازمة، وبسط العدل، ويرى أن تمشيه ورغم غلوه في التسلط والديكتاتورية هو الأفضل لبلداننا العربية.

ونرى هنا أن الشخصية العربية، على قدر توقها للحرية والديمقراطية على قدر رغبتها في التسلط، خاصة من عبرت على بلادهم ثورة وتغير فيها نظام الحكم، واجتاحها نوع من الانفلات والديمقراطية المفرطة، أو الديمقراطية الكاذبة إن صح القول.

كل هذه العوامل جعلت المواطن العربي يرغب مجددًا في الاستبداد، إيمانًا منه أن بعودة الديكتاتورية سيجري كبح جماح الفوضى والتسيب وبسط العدل، فأضحى كيم، إن صحت العبارة، «محبوب العرب» القادر على إخراجهم من قاع الفوضى والهمجية والتسيب، الذي تشهده البلدان العربية ما بعد الثورات، خاصة في تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، واليمن أو غيرها من البلدان العربية، التي وإن لم تشهد ثورات فهي تتخبط تحت مرض الحروب الأهلية التي لم تترك وجهًا للحياة والنظام فيها، لتبقى في انتظار منقذها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد