حدثني أحد المهاجرين آنذاك في الفترة العصيبة التي مرت بها منطقة قناة السويس بأنهم اضطروا إلى النزوح إلى محافظات مصر الأخرى، وترك بلدانهم الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، تاركين كل شيء باحثين عن مكان آخر يأويهم حتى يأتي نصر الله، فما كان من ساكني المحافظات الأخرى في هذا الوقت إلا حسن الضيافة القوية بالرغم من الظروف الصعبة التي كانت تمر بها مصر، فكان من لديه أكثر من مسكن تبرع بإحداهم لعائلة أو أكثر من هذه العائلات ولا يَطعَم أحدهم إلا ويقدم من طعامه شيئًا لهم وظلوا هكذا فترة كبيرة من الزمن.

وحدثني آخر بأنه عندما كان يستيقظ في الصباح ذاهبًا إلى العمل ويقابله جاره في المنزل يظل يدعو له حتى يمضي من الطريق، ورأيت قديمًا كم كنا نركب المواصلات وتقف الشباب لتجلس النساء والشيوخ والأطفال، ورأيت من يترك طريقًا يمشي فيه خشية أن يلتقى بمعلمه، وشاهدت في ظروف الفقر كيف كانوا يعيشون أُسرًا مكونة من اثني عشر فردًا في بيت واحد يضيق بهم ولكن سعداء، وكيف كان الابن يتزوج في غرفة واحدة من بيت أبيه، وزوجته تصبح فردًا من العائلة بمعنى الكلمة، وأن الكبيرين في البيت يصبحا أبويها، وأن الإخوان يصبحا أخواتها، وأن لفظ كلمة طلاق كان غريبًا في الأوساط، وأن طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، وأن يد الله مع الجماعة، وأن مهما قل المال فالابتسامة لا تترك الوجوه.

وسمعت من عجوز بأن النساء في صعيدنا كانت تحمل وتلد ولا يعلم بها جيرانها إلا بعد الولادة، وأن النساء كانت تحتشمن في مصر كلها، وأن من تعري جزءًا من جسدها كانت حالات شاذة تصيب الباقية بالاشمئزاز منها بل يتجنبها كثيرون، كانت المرأة تخشى أن تمر من شارع يكثر به الرجال خوفاً من أن ينظر أحدهم إليها، وأنه من العيب أن يعلو صوتها في أي موقف، وكنا نشعر بأنها جوهرة مصونة لا يقترب منها إلا صاحبها، وكنا نرى المصري يستطيع أن يضحي بنفسه دفاعًا عن امرأة مصرية لا يعرفها حتى لو كانت غير مسلمة، وأن الاختلاط في الجامعات كان عيبًا كبيرًا وإن كان ولابد أن يقسم المدرج بين الشباب والبنات.

كانت هناك نخوة غير عادية ورجولة واضحة، حتى في الصبيان المارين من شوراع المدينة، كان هناك كرم كبير برغم الفقر والدخل الضعيف، ولكن البركة كانت تحل على أرض المحروسة كلها، فقط لأن النفوس كانت نقية لا تحمل غلاً ولا حقدًا ولا حسدًا إلا حالات قليلة، كانت هذه الحالات معروفة وشاذة وينفر منها الناس، كان الجيران مترابطين بشكل غير عادي لدرجة أن منهم من يترك الحي إذا ترك جاره بيته، كانت المدن والشوراع يملؤها طقس المحبة والرحمة، أنا لا أبالغ فيما أقول، ولكن اسأل جدك وشيخك وقريبًا لك دب الشيب في رأسه.

كان رمضان في مصر يختلف عن باقي دول العالم، طقوس تملؤها الفرحة بالمحبة بين الناس والرضى بالقليل، كان الجود والإحسان يملأ ميادين البلاد، وتعم موائد الإفطار ليلتقي بها الغني والفقير والمسافر وغيرهم، وكانت المآذن تتلألأ بأفضل الأصوات وأعذب التلاوات، وكان الجيران يوزعون الأطعمة على بعضهم البعض، ويأتي العيد والكل يصل رحمه دون مصالح أو أهداف.

فما حدث في هذه الأيام من سوء خلق وانحلال عام، من ألفاظ نابيه وعدم احترام للكبير وبجاحة في الكلام وانعدام النخوة والرجولة، إلا ما رحم الله، عري في الملابس، ولا أحد يطيق أحد، ولا أحد يلتمس العذر لأحد الكثير يمشي بمبدأ أنا ومن بعدي الطوفان، ويتناسى أن الأيام دول ولا يدوم عبد على حال واحد أبدًا، كل هذا ما هو إلا نتيجة ذنوب تراكمت منذ سنين وسيادة الجهل الذي هو عدو الإنسان الأول والتمسك بالفاني وترك الباقي,

إضافةً إلى ابتعاد شيئًا فشيء عن الدين، بداية من فتاوى السلطان مرورًا بتحليل الربا والرشاوي وتفشي الفساد في كل أرجاء البلاد، من تدمير للمؤسسة التعليمية وعدم احترام المعلم الذي انشغل بتجميع أكبر قدر من الدروس الخصوصية التي استنزفت الأُسر فأصبح هدف المعلم الأول هو تجميع المال وليس العلم، فغاب دور المعلم في التعليم، وفقد أن يكون القدوة والأسوة الحسنة لطلابه، بالإضافة للانشغال التام من الأسرة بجمع المال وترك الأولاد بين أجهزة حديثة وفضائيات وتكنولوجيا عالمية تصنع وتشكل الأولاد كيفما شاءوا، فكان الوقت غير كاف من الأم والأب لمتابعة أبنائهم، فحصل انفلات أخلاقي من جهة الأبناء وحدث التطاول والسب على الوالدين، وفقدان العلم والبصيرة في الحياة ومع كثرة هذه الحالات، كل هؤلاء خرجوا إلى المجتمع ليبينوا خلل الأسرة الأول في السيطرة على تربية الأبناء.

وحدث ولا حرج عما يحدث في المؤسسة الإعلامية من انهيار تام من مضمون البث فانفتحت القنوات على ملأ، فشغلت الناس عن العبادة والمكوث أمام شاشات تعرض كل ما يغضب الله، وتبث السموم في أجيال تعلمت كل شيء قبيح من خلال أفلام هابطة ومسلسلات لا هدف لها، وزيادة برامج الأخبار المسمومة التي أثرت بالسلب على الناس وأظهرت المجتمع كأنه غابة يقتل القوي فيها الضعيف.

والغريب أن أخلاق المصريين تتغير في الأزمات، بمعنى لو قرأت التاريخ لوجدت الوحدة بين المصريين في أوقات الحروب والثورات واتحاد بينهم، وحبهم بعضهم بعضا فهل ينتظر المصريون الاستعمار والحروب حتى يحبوا بعضهم بعضا ويقبلوا بعضهم بعضا.

والحل من وجهة نظري بالرجوع إلى الله وفرض تعليم الدين الإسلامي في المناهج منذ الصغر حتى الجامعة، والاهتمام بالصلاة وجميع أركان الإسلام، تأهيل المقبلين على الزواج بمعرفة لماذا نتزوج وما رسالتك من الزواج، عدم المساعدة على نشر الإعلام الهابط سواء من أفلام ومسلسلات وبرامج كئيبة وحاول أن تكون أنت الإعلام البديل على قدر استطاعتك بوقوفك أمام الباطل وقول لا، بعدم نشر ما هو سيئ وإيقافه عندك، بعدم قدومك على سماع فيلم هابط وهجومه، بقراءتك في الفقة والدين حتى تستطيع أن ترد على المشوهين للدين.

وأهم شيء أن كل شخص يبدأ بنفسه ومن يعول ويحاول أن يغير المنكر الواقع أمامه على قدر المستطاع وعدم اليأس في ذلك فبين غمضة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال، عدم دفع الرشوة وعدم المساعدة على ذلك، الدعاء دائمًا بأن يصلح الله البلاد والعباد، عدم أكل الحرام والتفشي فيه، لا تجعل همك هو جمع المال فقط بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة وتترك هذه الأموال لمن لا يترحم عليك وتلقى مصيرك وكتابك ينطق عليك بكل صغيرة وكبيرة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.

لا تقلد في الخطأ وراقب الله في جميع أعمالك وتصرفاتك؛ فكل واحد يحاسب على عمله ونفسه، انظر للسابقين وخذ العبرة والعظة وأنه لن تدوم الدنيا لأحد، فمن ظلم فالله بالمرصاد ومن أكل حرامًا، فلن ينفعه ومن ارتشى فقد لعنه الله ومن جمع مالاً من حرام فالنار أولى به، اعلم حقيقة الدنيا حتى ترتاح فيها؛ فهي دار ممر وليس دار مستقر، فما أنا وأنت إلا في رحلة قصيرة وسنعود قريبًا؛ فاترك كل ما أنت تاركه إلا عملاً صالحاً، حتى تعود بلادنا أجمل مما كانت وترجع مصر أرض طيبة مرة أخرى وتخرج منها الأوغال ويعود المجتمع نظيفًا ويسود الحب والرحمة بين الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, دين, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد