تطل علينا نفحات ذكرى الهجرة النبوية لتضمد جراح المهاجرين الجدد وتنثر بأجوائهم عطور الأمل وتجدد في قلوبهم دماء العزيمة والعمل، فالهجرة من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي بإرهاصاتها وشخوصها وأحداثها ونتائجها، فلقد انتقل الإسلام بها من التعذيب والاستضعاف إلى التمكين والاستخلاف، ولذا فهي معين لكل باحث وملاذ لكل خائف وشعلة ضوء في ظلام أحداثنا، وستظل منهلًا ينهل منه الناس الدروس والعبر، وسأركز في دروسي على ما نفتقده عمليًا هذه الأيام بالرغم من حاجتنا إليه.

1- وضوح الرؤية أيقونة النصر والنجاح

حينما قرر الرسول الهجرة كان يعرف أين وجهته ولماذا اختار هذا المكان وكيف سيذهب إليه، وحين استعد للهجرة لم يدع شيئًا للظروف أو الحظوظ أو المعجزات، إنما خطط ودبر وفكر ووظف واستطلع واستخبر، بالرغم من أنه كان يمكن أن يكون بالمدينة في دقائق معدودة بدعوة خالصة وهو الذي أُعرج به إلى السماء في جزء من الليل، قرر الحبيب الهجرة للمدينة بعد بيعة العقبة والتأكد من صدق رجالها، وبعد أن أرسل مصعبًا ليهيئ قلوب الناس لماء الهداية، ووظف الأفراد كل حسب طاقته وإمكاناته فوصل بأمان لمكان دولته الفتية التي تحدث عنها قوة أخلاقها العالم فيما بعد.

لعل أصحاب الدعوات والثورات والحركات يعلمون أن القيادة ليست شعارات تقال ولا مسكنات تعطى إنما وعي وإدراك وحسن تخطيط وقيادة واعية لمركب الحق حتى يصل إلى شاطئ الهدف، فخطط لحياتك وضع رؤية واضحة لنفسك وتعلم من نبيك كيف يكون التوكل ممزوجًا بحسن التخطيط.

2- حسن الظن طوق النجاة

لقد ترك المسلمون ديارهم وأموالهم وكلهم ثقة في لقاء قريب، واستظل الرسول بظل حسن الظن حين اشتد عليه لهيب الحصار ومطاردة الكفار، فبالرغم من تخطيطه الكبير، إلا أنه لابد أن يلجأ للعلي القدير، وصل الكفار لباب الغار، ولكن أنى لهم أن يخترقوا حصون توكله ودروع حسن ظنه بربه “لاتحزن إن الله معنا” “ما ظنك باثنين الله ثالثهما” كلمات خالدة أنزلها الرسول غيثًا على قلب أبي بكر، “ارجع ولك سواري كسرى” قالها لسراقة بالرغم من أنه مازال يعاني من وعورة الطريق، مازال بين جحود الكفار في الماضي وغياب معالم الحاضر، ولكنه يكفيه ظنه بربه.

فما ظنكم برب العالمين؟

لا تحزن إن الله معك في كل همومك وغمومك، معك في الليل البهيم يسمع دعوتك ويتقبل دمعتك ويغسل حوبتك، معك ولو اجتمع العالم ضدك، معك حتى وأنت لست معه، فعجل بعودتك له وأحسن ظنك بربك وثق أنك ستعود لفرحك وستنشر بسمتك وستقتص من ظالميك، سيعود وطنك وستنتصر أمتك وسيشفي الله صدور المؤمنين ”ولكنكم تستعجلون“.

3- اجعل أبناءك جنود الحق

إن أبا بكر كان أمة بصدقه وسبقه وهمته وأضف إلى سجل إنجازاته حسن تربيته لبيته، فقد جيَّش بيته لخدمة النبي في الهجرة، فهذه أسماء ”شقت نطاقا كي تبلغ زادها في جرأة لا ترهب الأعداء” وهذا عبد الله بن أبي بكر ينقل الأخبار، وهذا ابن فهيرة غلام أبي بكر يمسح آثار الأقدام، وهذا قلب أبي بكر العامر بالإيمان يسبق خطوه مهيئًا المكان للنبي العدنان.

ليت آباء العصر يدركون أن أروع الطاعات تقديم القدوات، وأن أفضل القربات تربية البنين والبنات، وإن كان أبو بكر تميز في هجرته بخدمة الحق، فكثيرون في عصرنا الحديث حملوا عبء الحق على كاهلهم من الأب الشهيد أو المعتقل إلى الطفل الذي حرم من حضن أبيه.

4- اختر رفيق غربتك

الصديق الوفي كنزك المدخر، وصديق المواقف أفضل من جيش من أصدقاء الكلام والسلام،صديق المحنة تذكره وأنت تتطلع في وجه آلاف من أصدقاء المنحة، ولقد ضرب النبي المثل في اختياره لأبي بكر في هجرته، فنعم الصديق والرفيق، يدخل إلى الغار قبله لينظفه، ويمشي خوفا عليه عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه وكأنه جيش من الأصحاب، ولعل قولته التي تعلق في واحة المتحابين “فشرب حتى ارتويت” تبرهن على أن هذا القلب لم يكن ينبض إلا بالحب والصدق والإخلاص.

فكم أخ تفرحك بسمته وفرحته،وكم أخ ترتوي حين يشبع، وكم أخ تدمع لدمعته وتشعر به حتى وإن باعدت بينكما المسافات!

أخي المهاجر اختر رفيق رحلتك وغربتك فهو الأهل إن غاب الأهل وهو الأصحاب إن قل الصحب وهو الطبيب في المرض والأب الناصح إن غاب الأب الحنون.

5- قضيتك وطنك ووطنك قضيتك

الفراق من أصعب أكدار الحياة، ولقد تفطرت قلوب المسلمين لحظة ترك الوطن والديار، وحزن الرسول لفراق مكة، وما الذي يعوض الشخص عن وطن ولد فيه وتنفس فيه وكبر معه ؟!

لا شيء يستحق أن تفارق وطنك وتغادره سوى قضيتك التي تؤمن بها، عقيدتك التي تسعى لنشرها، ولذا فلقد هون الله على المسلمين الفراق لأنهم على علم بما عند الله من جزاء باق.

المكان الذي تستقر فيه وتدعو لله فيه هو وطنك، فدعك من البكاء على اللبن المسكوب وعش عزيزًا، ترك ابن عوف ماله بمكة وبدأ من الصفر بالمدينة من أول يوم ”دلني على السوق” قالها لسعد بن الربيع وبعدها بدأ يكون إمبراطورية التاجر المنفق.

لا تنس وطنك ولا تخن قضيتك، ستعود لوطنك مرفوع الرأس إن تمسكت بما خرجت من أجله، لقد عاد بلال مؤذنا فوق الكعبة وهو الذي خرج من تحت الحجر، وعاد ابن مسعود بعد أن اقتص من أبي جهل،وعاد المطاردون فاتحين مكبرين.

6- للحق ثمن.. فلا تبخل على نفسك

دفع صهيب الرومي كل ماله ثمنا لقضيته وهجرته، وتصدق أبو بكر بكل ماله وعمر بنصفه وعليٌّ فدى النبي بحياته يوم الهجرة، ترك مصعب ميراث أبيه ودفن فقيرًا بالمدينة، ترك الكثيرون الديار والأموال خلفهم ضريبة لجنان وأنهار.

هذا هو طريق الحق، صعب على سالكيه، ممتع لمن ضحى فيه، طريق قد يفصلك من عملك ويطردك من دارك ويحرمك من ولدك، يقف فيه من استصعب الضريبة وقد يعود!! ويكمل فيه من هانت عليه التضحيات مقارنة بنعيم الجنات، فكن مستعدًا وأنت في طريق الحق لدفع الثمن، فالحق لا ُينال بالحظ والأمنيات، بل بالبذل والتضحيات.

7- الأخلاق شمس لا تغيب

لقد فرض الرسول بأخلاقه على أهل مكة أن يحترموه ويقدروه، بل ويلقبوه بالصادق الأمين، فمن الطبيعي أن يبرهن الرسول بكل فعاله على صدقه وأمانته حتى بعد أن كادوا له ومكروا به، لقد خلف عليًا وراءه ليرد الأمانات إلى أهلها، بالرغم من صعوبة وجوده بمكة في أيام رفعت فيها مكة حالة التأهب القصوى، لقد أدى علي الأمانات وهاجر على قدميه متحملًا صعوبة الطريق ولفح اللهيب لأكثر من 480 كيلو متر.

فلا تندم على معروف فعلته مع جيرانك أو أقاربك حتى لو ظلموك، أنت لا تعامل الناس، بل تعامل رب الناس “ولا يذهب العرف بين الله والناس”.

مازال في جعبة الهجرة أسرار ومعان، فاقرأ الدروس بتدبر، وعش الهجرة بقلب من عاشوها وصنعوها، هاجر إلى ربك ببعدك عن المعاصي والكسل والجدال، هاجر بحسن ظنك بربك، لا تنكسر مهما ادلهمت بك الخطوب وضاقت بك الدروب، عش بأمل العودة، ولا تعد إلا وأنت قيمة وقامة، عد رقمًا صعبًا لا ينكسر، عد بدروس الهجرة الأولى وبمكاسب الهجرة الحالية، طبق سيرة الأوائل عمليًا في حياتك؛ لتكون نعم المهاجر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد