• اسم الكتاب: النظرية الحركية في السياسة الشرعية
  • المؤلف: محمد مصطفى النوباني
  • دار النشر: نداء (إسطنبول: تركيا)
  • عدد الصفحات: 216 من القطع الكبير
  • الطبعة: الأولى (يناير 2016م)
  • من إصدارات: هيئة علماء فلسطين في الخارج

ليس كتابًا بقدر ما هو تمهيد لمشروع بحثي ضخم، يريد بناء النظرية الحركية الإسلامية في باب السياسة الشرعية، وهو من الكتب التي يصعب استعراضها في مقال، وإن كان ضروريًّا التعريف به والإشارة إليه.

ومؤلفه باحث أردني هو أبو الحسن محمد النوباني، ويعمل عليه –كما أخبرني- منذ عشر سنوات أو يزيد، وقد نتج عن هذه النظرية تطبيقات جزئية بعضها مثير للتأمل والنظر، وله بعض التنبؤات السياسية، وبعضها مثير للأخذ والرد والاعتراض.

والمزية الكبرى للكتاب هو انطلاقه من القرآن والسنة، من المرجعية الإسلامية، إذ الغالب على من يكتب في هذا الباب هو أن ينطلق من كتب السياسة ثم يحاول تنزيل ما فيها على القرآن والسنة، فكأنما كتب السياسة أصل، بينما الواجب أن يكون العكس، إذ مجرد ترتيب أبواب العلم جزء من فلسفته وتعبير عن انحياز فيه. وسنعود لتناول هذا الأمر بعد الانتهاء من عرض الكتاب إن شاء الله تعالى.

ينقسم الكتاب إلى أربعة عشر فصلا بالإضافة إلى مقدمة وتمهيد وخاتمة. على أنه يمكن لنا أن نختصر تقسيمه إلى محاور على هذا النحو:

(1) المحور الأول: أصول النظرية

وهو يشمل المقدمة والتمهيد والفصول الأربعة الأولى:

تنطلق المقدمة من حقيقة أن الله كما خلق كونًا بديع النظام محكومًا بقوانين دقيقة، فإن خلقه للإنسان على ذات المستوى من النظم والإحكام، وحيث انحرفت الإنسانية فظهر فيها الفساد فلا بد لأمة الإسلام أن تتحمل مسؤوليتها في الإصلاح، لا سيما وهي تمتلك القرآن الذي هو أعلى قدرًا وأعمق أثرًا من عصا موسى ومسحة عيسى. إلا أن المشكلة قائمة في عدم الاستفادة المثمرة من القرآن في مسألة السياسة، إذ البعض يحسبه مجملًا لا يتناول تفصيل شأن السياسة، والبعض يحسب السياسة خارجة عن متناول القرآن خاضعة للرأي وحده، والبعض يجمد على النصوص حتى يقدم قراءة يستحيل تطبيقها فتفقد بذلك صلاحيتها. فصار واجب الوقت استكناه القرآن لفهم النظرية السياسية التي تضبط حركة الكتلة المسلمة كما تضبط حياة الإنسان.

ويقدم التمهيد خلاصة منهج المؤلف في بنائه للنظرية وهي: مزاوجة استنباطية بين آيات القرآن والواقع الذي نزلت فيه، فتكون مهمة الباحث إدراك الواقع الذي هو فيه ليحسن تنزيل الآيات عليه، فنتخلص بهذا من فتوى الاستدلال والاستشهاد.

ثم يقدم الفصل الأول تعريفات للنظرية والحركة والسياسة والسياسة الشرعية.

ويقدم الفصل الثاني تأصيلًا للنظرية الحركية من المرجعية الإسلامية، فيتناول ضرورة الاتفاق على مرجعية القرآن في النظرية السياسية، وخطورة الانهزام النفسي الذي يؤدي للتخلي عن المرجعية، كما أن الانطلاق بغير رؤية واضحة لعموم النظرية يؤدي إلى مصائب عملية، وطفق الباحث يؤصل مستشهدًا بآيات القرآن ضرورة الالتزام بالقرآن والاهتداء به والتحاكم إليه والتسليم له، فهو الهدى والبصائر والنور والشفاء، وقد وعد الله المستمسكين به بالنصر والتمكين والتأييد والفلاح، وتوعد المنحرفين عنه –باتباع المتشابه أو بتقديم غيره عليه أو بترك التحاكم إليه- بالتنازع والفشل والخسارة والحبوط. ثم إن اتباع القرآن يقود إلى اتباع السنة، واتباع السنة يقود إلى اتباع سنة الخلافة الراشدة، وهذه الثلاثية (القرآن والسنة وسنة الخلفاء الراشدين) هي المرجعية للنظرية السياسية.

ويقف الفصل الثالث مع «خصائص الأصول المرجعية الإسلامية» فيذكر أن أي مرجعية لا بد أن تتوافر لها خمس خصائص كي تكون صالحة للتطبيق: الربانية، والثبات والحركية، والشمولية، والتوازن، والواقعية. ثم يذكر أن لمرجعية الأمة ثلاث خصائص إضافية تميزت بها هي: العالمية، والخلود والحفظ، والإعجاز.

ويُختم هذا المحور بالفصل الرابع الذي يشرح «محاور العملية السياسية» فيتناولها باختصار شديد عند الغرب وعند الفقهاء، ثم يجمع أطرافها في خمس كليات رئيسية:

  1. نظام الحكم: ويشمل علاقة الحاكم بالمحكوم أو القائد بالأتباع، وطريقة اختيار القائد وصلاحياته وعلاقته بالمؤسسات وواجباته وحقوقه، وطبيعة السلطة والقوانين والقواعد.
  2. منظومة الدعوة والمواجهة: وهي منظومة تحقيق الغايات الكبرى للمشروع الإسلامي التي تشمل الإستراتيجيات والمنهجيات والأدوات المستخدمة للمواجهة في كل مرحلة، في حالات السلم والحرب وحالات التحديات الداخلية والخارجية، وإدارة الإمكانيات والموارد.
  3. علم الاقتصاد السياسي: ويشمل الإدارة المالية ونظام وسياسة الكسب والإنفاق والرقابة.
  4. علم الاجتماع السياسي: ويشمل دراسة المجتمع المحيط بالكتلة أو الدولة الإسلامية وتصنيفها وفرزها وكيفية التعامل معها.
  5. علم النفس السياسي: ويشمل الخطاب والسلوك الموجَّه لكل كتلة من كتل الاجتماع السياسي، وإدارة جهاز الإعلام وأدوات التواصل.

إلى هنا ينتهي هذا المحور الأول الذي هو تأسيس نظري يمهد للنظرية ويُعَرِّف بأدواتها، وقد استغرق نحو ثلث الكتاب.

(2) المحور الثاني: النظرية السياسية من خلال القرآن الكريم

ويشمل أربعة فصول: الخامس والسادس والسابع والثامن

يؤصل الفصل الخامس لشمولية القرآن وأدلة كونه مرجعية، وغرض الفصل الذي يدور حوله هو تثبيت وجوب اتخاذ القرآن الكريم مرجعية في بناء وتأصيل النظرية السياسية، وكون ذلك ليس بخيار بالنسبة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، فأورد الآيات وأقوال المفسرين التي تدل على شمولية القرآن الذي نزل (تبيانًا لكل شيء)، ومن أهم هذه الأشياء: الجانب السياسي الذي يدير حياة الناس ويدبر أمورهم ويتحكم في مصائرهم، فليس يُعقل أن الكتاب الذي نزل تبيانًا لكل شيء أغفل جانب السياسة أو تركه عامًّا مجملًا لا يُهتدى فيه لبيان مفصل، لا سيما والإسلام نفسه حركة سياسية أنشأت دولة وقادت العرب والعجم، وقد أبان عن المنهج السياسي منذ لحظاته الأولى وتبدت أصول الفكر السياسي في القرآن المكي. ولذلك أفرد المؤلف مبحثًا لبعض الآيات التي تتناول بعض الأمور التفصيلية في الجانب السياسي للدلالة على خطأ من اعتبر أن هذا الجانب قد ورد مجملًا.

ويتناول الفصل السادس، وهو من أدق وأهم فصول الكتاب، موضوع «حركية القرآن»، فيقرر أن معنى الحركية هو: قابلية القرآن للحركة مع الواقع وتطويعه وصلاحية تطبيقه في مختلف الظروف والملابسات في الزمان والمكان، ويستدل في هذا الفصل بنصوص مطولة من «ظلال القرآن» لسيد قطب تدور حول معنى أن القرآن لما نزل على أصحاب رسول الله إنما كان يقودهم في حركة الدعوة وفي معركة إقامة الدولة وفي تحديات مواجهة الكافرين والمنافقين، وحيث كان هذا دور القرآن حينئذ فليس يمكن تحصيل الاستفادة الحقيقية منه في واقع الحال إلا إذا أُخِذ على ذات القدر وبذات الكيفية. ويتوصل من تقرير هذا إلى القول بأنه لا بد من فهم طبيعة المرحلة التي نزلت فيها الآيات ليكون تحديد المرحلة في الواقع سبيلًا للفهم الأحسن للآيات المناسبة لهذه المرحلة. وقد قاده هذا المعنى إلى التوقف عند ما أسماه «المدخل العلمي لفهم الحركية»، ويعني بها أنه يجب التنبه الدقيق لأمور في القرآن كي لا تشرد الأفهام في التفسير، وحددها في ثلاثة أمور:

  1. التفسير الموضوعي، وله ثلاث صور هي: وحدة الموضوع في السورة الواحدة حيث لكل سورة موضوع، ووحدة الموضوع في ألفاظ القرآن حيث يُفهم لفظ القرآن على وجهه الصحيح حين ينظر في سائر سياقاته، ووحدة الموضوع في سائر القرآن.
  2. المحكم والمتشابه، وله في هذا رأي لم أقف عليه سابقًا، وهو قوله بأن المحكم هو ما اتضحت دلالته من خلال الأخذ بالتفسير الموضوعي –بصوره الثلاث- وسياق نزوله، والمتشابه هو ما لم يؤخذ فيه بهذا وقُطِع عن سياق نزوله وموضوعه، ومفاد كلامه أن كل متشابه إذا ضُمَّ إلى وحداته الموضوعية –في اللفظ والسورة والقرآن- وعُرف سياق تنزله فإنه يصير محكمًا واضحًا. وبهذا يتضح معنى النص وفائدته في التنزيل السياسي على المراحل المختلفة لحركة الكتلة المسلمة أو الدولة الإسلامية.
  3. نفي الترادف في القرآن، حيث يأخذ المؤلف برأي أن كل لفظ في القرآن له معنى ودلالة تختلف عن غيره، وأنه لا يتحد لفظان في معنى واحد، ومآل هذا أن لكل لفظ أثرًا مختلفًا في الفهم والتنزيل السياسي عن اللفظ الآخر، مما يجعل قدرتنا على فهم وتحليل الآية القرآنية سياسيًّا أعلى وأكثر وضوحًا.

وختم هذا الفصل برأي لم يُسبق إليه، فيما أعلم، وهو تفريقه بين «النزول» و«التنزيل» في القرآن الكريم، حيث قال بأن النزول إنما قُصِد به النزول الأول للقرآن، والتنزيل هو «منهجية اتصال القرآن بالواقع بعد اكتمال النزول الأول»، ولدقة هذا الرأي فقد أفرد له الفصل السابع والثامن.

تناول الفصل السابع موضوع «فقه النزول»، ويعني به فقه نزول القرآن، وقيمة هذا الموضوع هو في فهم تفاعل القرآن مع الوقائع التي نزل فيها، وقد شرح أهمية نزول الوحي متفرقًا وكيف كان هذا مثيرًا لتوتر وارتباك الكافرين والمنافقين الذين تمنوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، لكن الجديد الذي أتى به هو أننا نستطيع أن نحدد متى نزلت كل آية –أو مجموعة آيات- من القرآن، فبعضها نحن نعرف أسباب نزوله، وبعضها الآخر الذي لا نعرفه يمكن أن نستنتجه من «جو النزول»، إذ لا نريد أكثر من أن نعرف في أي مرحلة نزلت هذه السورة أو هذه المجموعة من الآيات، ولو أننا استطعنا ضبط هذا الموضوع لتمَّت لنا صورة واضحة من خريطة القرآن بالنسبة لمراحل السيرة وعرفنا منها ما الذي يناسب مرحلتنا الحالية بوضوح ويسر.

ثم جاء الفصل الثامن ليتناول القضية الجديدة التي ابتكرها وهي «فقه التنزيل»، وخلاصة كلام المؤلف فيه أن التنزيل غير النزول، فالتنزيل هو المعبر عن صفة الحركية في القرآن، وهو بمعنى استمرار تنزل معاني القرآن على الواقع الحالي طالما تشابهت الظروف والأحوال، فتشابه الظروف والأحوال يسميه «أسباب التنزيل»، وهذا كامن –بحسب المؤلف- في خمسة أمور هي: السنن والقوانين، والقصص، والأمثال، والأحكام والتوجيهات، وقد أفاض في بيان كيف أن هذه الأمور الخمسة منبع ثرٌّ فياض بالتوجيهات السياسية، خصوصًا إذا روعيت المراحل التي نزلت فيها. ثم إن تشابه الظروف والأحوال يحملنا على «التبديل»، وهنا يذهب المؤلف إلى القول بعدم النسخ في القرآن (مقتصرًا هنا على الأحكام السياسية منه فحسب، ولا يمتد هذا على بقية الأحكام الفقهية، وفي هذه القسمة إشكال ظاهر)، إذ المنسوخ منه إنما يناسب مرحلة من المراحل نحتاج للاهتداء به إن كنا في ذات المرحلة. كذلك فإن تشابه الظروف والأحوال يحملنا على التعامل مع القرآن كأنه «روح» كما تعامل الصحابة معه على أنه «وحي متصل»، وقال في هذه النقطة كلامًا بلاغيًّا لا ينضبط بمعنى واضح، أو لعلي أنا الذي لم أفهمه.

وهنا وصلنا تقريبا إلى منتصف الكتاب، ونواصل عرضه في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات