كثيرًا ما تُلجئنا ضغوط الحياة إلى تقديم تنازلات، وتدفع بنا الحاجة والعَوَز إلى درجة من درجات الامتهان، فنأتي بأفعال وأقوال ما كنا لنأتي بها لولا الاضطرار؛ وكلما زادت الضغوط والعَوَز أكثر، غصنا –مجبرين- في امتهان أنفسنا أكثر وأكثر؛ ولكن أن يصل الامتهان إلى أن تجعل من نفسك مهرجًا «حرفيًّا» أمام حفنة من المشاهدين لم يكن أحدهم يجرؤ يومًا أن يقف أمامك، فتلك هي القاصمة!

منذ فترة ذهبت بعائلتي الصغيرة إلى حديقة الحيوان بالجيزة، ذلك المكان الذي أحبه بصدق، والذي توقفت عن زيارته تمامًا منذ عدة سنوات، عندما وجدت أن سكان حي «بولاق» العشوائي المجاور قد احتلُّوه بالكامل بالملاءات التي افترشت العشب والشجر والحجر، وبـ«صواني الجلاش» و«حلل المحشي» التي كنا نكاد ندهسها بأقدامنا إذا تحركنا!

وللوهلة الأولى فور دخولنا أحسست أنني انتقلت إلى بلد تضربه المجاعة! فالحديقة تكاد تكون خاوية على عروشها من الزوار، والشجر فقد خضرته واكتسى بلون كالح، والعشب ذبل فعليًّا هنا وهناك! بل الأدهى أنني وجدت مساحة كبيرة من العشب قد جفت تمامًا وتصاعد منها الدخان، وكأن طائرة قد قصفتها في الليلة الماضية!

ولم تكن الحيوانات بأفضل حالٍ على الإطلاق، فقد علاها كلها الخمول وأصابها الوهن، ولطخت القذارة أجسادها، وكان معظمها مستلقيًا في مكانه غير راغب في الحركة، أو حتى غير قادر عليها! ومن كان يتحرك منها كان يتشمم الأرض وكأنه يبحث عما يسد به جوعه!

وحتى «جبلاية القرود» التي كانت وجهتنا الأولى سابقًا، رأيتها تبعث على الكآبة وقد أصيبت قرودها -على ما يبدو- بالجرب، وفقدت مؤخراتها تمامًا ذلك اللون الأحمر الزاهي الذي كان يفجر السعادة في أعماقنا ونحن صغار!

وأما الحراس فقد تحولوا -وقد فقدوا مِنَح الزوار وعطاياهم- إلى متسولين يتنافسون عليك، ويكادون يتخطفونك لأقفاصهم كما يفعل الباعة الجائلون في أسواق وسط البلد، ولم تكن هيئتهم بأحسن حالٍ من هيئة حيواناتهم على الإطلاق!

ذهبنا إلى بيت الأسود، حيث تقف ملوك الغابة محبوسة في أقفاص لا يتعدى الواحد منها مترًا ونصفًا في مترين، ولم تكن الأسود تتوقف للحظة واحدة عن الدوران حول نفسها في جنون، وكأنها تبحث عن مخرج لما هي فيه، أو تجد جوابًا لكيف انتهى بها الحال هكذا، أو لعلها جُنَّت من فقد صغارها الذين نزعهم الحراس ليتربحوا بهم، فما تكاد تَمُرُّ 10 ثوان إلا ويأتيك أحدهم يعرض عليك أن يلتقط لك صورة مع «شبل الأسد» بـ10 جنيهات فقط!

انتقلنا إلى أقفاص الشمبانزي ووقفنا أمام أحدها، كان القرد -سليل «كينج كونج»- في قامة طفل في العاشرة من عمره، وكان يبدو من حجم رأسه الكبير وجلده الجاف المتشقق وفرائه الأجرب المتسخ، أن له سنوات وسنوات في هذا القفص!

كان حارسه يحاول مستميتًا أن يجمع حوله بعض الزوار من الأطفال ليحصل على عطاياهم، وقد ابتكر لذلك حيلته الخاصة؛ سأل طفلة صغيرة «بعد أن وضعت في يده جنيهين» عن اسمها فأجابته: عَزَّة، فالتفت إلى القرد وقال له بلهجة آمرة: «بُوسَة لعزة»، ففوجئت بالقرد يحرك شفتيه على شكل قبلة! فقال له الحارس: «صقفة لعزة»، فصفق القرد بيديه، فرسم الحارس على وجهه ابتسامة مفتعلة، وقال له بصوت متمايل رقيع: «ارقص لعزة.. من وراااا» فحرك القرد مؤخرته قليلًا، فأكمل الحارس ممعنًا في إضحاك عزة: «من قداااام، من قدام يا ابن العبيطة» فحرك القرد بطنه المنتفخة قليلًا!

فضحكت عزة وضحك الأطفال، ووضع لها الحارس فوق عصاه قطعة من الخس «أصغر من كف يدها» لتقدمها للقرد، فقفز القرد بلهفة ووضع قطعة الخس في فمه بصورة تنبئ تمامًا عما يعانيه من جوع!

ثم التفت الحارس إلى الأطفال محاولًا إغراء طفل آخر ليكرر معه «الإسكيتش» ويحظى منه بالجنيهين، فيما انزوى القرد في ركن القفص وطأطأ رأسه ونظر إلى الأرض بانكسار في انتظار القادم!

لم أتحمل أكثر من هذا فقلت لزوجتي غاضبًا: أرأيت ما فعله هذا الجلاد المجرم بالقرد؟ هذا ليس قرد سيرك، هذا قرد حديقة حيوان من حقه أن يوفروا له طعامه وشرابه وأن يرعوه فقط مقابل أن يمكث في القفص، لا أن يجعلوا منه مهرجًا أمام الصغار! لو خرج هذا القرد من القفص فلن يجرؤ أحدنا أن يقف أمامه، ثم هو يرقص أمامنا نحن الأوباش ليسد جوعه، فأي امتهان وأي ذل كُتب على هذا المسكين، وأي عذاب وجوع تعرَّض له حتى يستسلم؟!

فأجابتني: لا تسب الحارس، فمثله مثل القرد، كلاهما أجبرتهما الحاجة والجوع على الرقص وامتهان النفس، كلاهما مسكين، وعزة أيضًا مسكينة دون أن تدري، وأمها وأبوها مسكينان أيضًا يرقصان في مكان آخر ليوفرا لها الجنيهين اللذين أعطتهما للحارس؛ كلنا مساكين!

صمتُّ قليلًا ثم قلت لها بأسى: بالفعل كلنا مساكين، وكلنا نرقص ونمتهن أنفسنا بشكل أو بآخر، وطالما ظللنا هنا فسيأتينا الدور تباعًا كي «نرقص لعزة» إن لم نكن نرقص لها الآن بالفعل دون أن ندري.

وابتعدنا في صمت وحزن؛ فيما تبعنا صوت الحارس وهو يقول بلهجة رقيعة ممطوطة تعجب الزراع والصناع ومحدودي الدخل: «من قداااام.. من قدام يا ابن العبيييطااااه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد