قدّم ناشطون حقوقيون سعوديون، عريضةً للديوان الملكي السعودي تحت عنوان: “عريضة معتقلي الرأي”، طالبوا فيها الملك سلمان بن عبد العزيز بلمّ الشمل وإطلاق سراح معتقلي الرأي في البلاد، وإنهاء المنهج الأمني في التعامل مع حرية التعبير.

سلمان

وجاء في العريضة: “قد ساءنا كمواطنين اعتقال نخب من مثقفي الوطن على خلفية اتهامهم بشق الصّف والخروج على ولي الأمر، وما إلى ذلك من اتهامات لا أساس لها من الصحّة”، مشيرةً إلى “توعّد خبر منشور بتاريخ 19 ذو الحجة 1436هـ في صحيفة مكة، المواطنين بالعقوبات وحتى القتل تعزيرًا على مجرد إبدائهم آراء سلمية”.

وأضافت العريضة: “خادم الحرمين الشريفين: إن استهداف الشخصيات الوطنية ومعاقبتها على اهتمامها بالشأن العام هو إقصاء لدورهم في وطنهم، وتقويض للعلاقة بين الشعب وقيادته، وهذا الخطاب هو دعوة من مواطنين للمّ الشّمل وزرع الثقة ودعم جهود التنمية والإصلاح الحقيقي، ولتحقيق رؤية وطنية جامعة في وطن آمن و حر وقوي”.. انتهى.

العريضة التي قدّمها الناشطون:

الرابط

واقع الحريات في المملكة:

سجن أصحاب الرأي والتنكيل بهم في عالمنا العربي من الأمور المسلّمة، نتيجة غياب سيادة القانون وقيم العدالة والحد الادنى من الديمقراطية، فمن الصعب أن نجد صاحب رأي مختلف أو منتقد لأداء السلطة الحاكمة، أيّ سلطة كانت، وفي أيّ دولة عربية، لم يكن عنوانه يوماً “السجن”.

وللأسف، نحن في المملكة العربية السعودية شأننا شأن باقي الدول العربية، إن لم نكن ضمن أسوئها في مجال حرية التعبير، فالدولة لا تزال ترى في المدافعين عن حقوق الإنسان والجمعيات الأهلية والتجمعات المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية “خطرا يجب مواجهته”، وهو ما يفسّر وجود نحو (30 ألف) سجين سياسي في المملكة، بحسب صحيفة ميدل إيست مونيتور، رغم نفي الحكومة السعودية ذلك وتأكيدها بأن عددهم  2742 سجينًا فقط.

بطش وتنكيل بالجمعيات الحقوقية:

ولعلّ أبرز الشواهد على ذلك، هو ما حصل من بطش وتنكيل بجمعية “حسم” و “إصلاحيي جدة”، وزج أعضائها في السجون.

•    “جمعية حسم”: هي «جمعية الحقوق المدنية والسياسية» في السعودية، أسسها 11 ناشطا حقوقيا سعوديا هم «عبد الرحمن الحامد، محمد فهد القحطاني، عبد الكريم يوسف الخضر، عبد الله الحامد، فهد عبد العزيز العريني، محمد حمد المحيسن، محمد البجادي، عيسى حامد الحامد، ومهنا خليف الفالح، سعود الدغيثر، فوزان الحربي، سلمان الرشودي، موسى القرني، منصور العودة». وتهدف الجمعية إلى التوعية بحقوق الإنسان مركزة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. وكان أول ظهور بارز للجمعية عقب السيول التي شهدتها مدينة جدة فى 2009، بعدما أصدرت الجمعية وقتها بيانا أدانت فيه «الفساد السياسي»، ودعت الملك إلى تشكيل برلمان منتخب بصلاحيات أكبر تمكنه من حساب المسئولين، فتمّ حلّ الجمعية  بقرار قضائي واعتقال أعضائها.

•    “إصلاحيو جدة” أو خلية “الاستراحة” كما يسميهم الإعلام السعودي: مجموعة من 16 ناشطًا سياسيًا إصلاحيًا، أغلبهم سعوديون اعتقلت المباحث السعودية 9 منهم في 2 فبراير 2007 بمدينة جدة، ثم اتهموا بتمويل أعمال عنف في العراق، والتخطيط لتأسيس حزب سياسي، لكن منظمة العفو الدولية ذكرت أن اجتماعاتهم كانت لتأسيس جمعية حقوق إنسان، ولصياغة عريضة تدعو للإصلاح السياسي.

انتهاكات كبيرة تعرض لها المعتقلون:

حالة المدافعين عن حقوق الإنسان من أعضاء “حسم “و “إصلاحيو جدة” داخل السجون تعارضت مع أحكام الأمم المتحدة حول “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، فلم يُسمح لهم بمقابلة محاميهم بانتظام أو الحصول على معلومات عن المواعيد المتوقعة للمحاكمات أو الإجراءات الخاصة  بقضاياهم كما أن الاستجوابات كانت تستغرق وقتا طويلا وغالبا ما تحدث في أوقات غير مناسبة من اليوم” وهو ما أكده نائب مدير مركز الخليج لحقوق الإنسان خالد إبراهيم.

كما أن أعضاءها تعرّضوا للمضايقة والتعذيب في السجون، وقد حصل مع عضو “حسم” (صالح العشوان) الذي تم تعذيبه وتعليقه، وتعرية جسده بشكل كامل، ناهيك عن زج آخرين في الحبس الانفرادي لفتراتٍ طويلة، وكشف د.محمد القحطاني ـ عضو جمعية حسم ـ إن هذه الانتهاكات كانت بتوجيه من جهات عليا، بقوله: “هناك شهادات موثقة وواضحة من المعتقلين، بأن الضباط يقولون لهم “لدينا توجيه بتعذيبكم”.

سلمان3

د. محمد القحطاني

أحكام صادمة:

ولم تكتفِ السلطات عند هذا الحد، فمعظم المتهمين تم تقديمهم للمحاكمة بعد مضي أربع سنوات من اعتقالهم، وهذه مخالفة واضحة صريحة لنظام الاجراءات الجزائية في مادته الـ(114)، قبل أن تصدر بحقّهم أحكام صادمة في أكبر محاكمة سياسية شهدتها المملكة.

نموذج لبعض الأحكام الصادرة بحق معتقلي الرأي:

د. سعود الهاشمي:  السجن لمدة 30 سنة والمنع من السفر لمدة 30 سنة أخرى بعد إطلاق سراحه وفرض غرامة قيمتها 2 مليون ريال.

د. عبدالعزيز الخريجي:  السجن لمدة 22 سنة، والمنع من السفر لمدة 20 سنة أخرى بعد إطلاق سراحه وفرض غرامة قيمتها مليون ريال.

د. موسى القرني:  السجن لمدة 20 سنة والمنع من السفر لمدة 20 سنة أخرى بعد إطلاق سراحه.

سليمان الرشودي:  السجن لمدة 15 سنة والمنع من السفر لمدة 15 سنة أخرى بعد إطلاق سراحه.

عبدالرحمن صديق: السجن لمدة 20 سنة والمنع من السفر لمدة 20 سنة أخرى بعد إطلاق سراحه.

عصام بصراوي: السجن لمدة 10 سنوات والمنع من السفر لمدة 10 سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه.

سيف الدين الشريف: السجن لمدة 10 سنوات والمنع من السفر لمدة 10 سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه.

فهد القرشي: السجن لمدة 10 سنوات والمنع من السفر لمدة 10 سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه.

د. عبدالرحمن الشميري: السجن لمدة 10 سنوات والمنع من السفر لمدة 10 سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه.

وليد العمْري: السجن لمدة 25 سنة، والمنع من السفر لمدة 25 سنة أخرى بعد إطلاق سراحه .

عبد الله الرفاعي ( يحمل جنسية سورية): السجن لمدة 15 سنة وترحيله إلى سوريا بعد إطلاق سراحه .

معتصم مختار: السجن لمدة 10 سنوات والمنع من السفر لمدة 10 سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه .

علي القرني:  السجن لمدة 10 سنوات والمنع من السفر لمدة 10 سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه .

ردة المجايشي: السجن لمدة ثماني سنوات والمنع من السفر لمدة ثماني سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه .

خالد العباسي:  السجن لمدة ثماني سنوات والمنع من السفر لمدة ثماني سنوات أخرى بعد إطلاق سراحه .
صالح الراشدي (يحمل جنسية يمنية): السجن لمدة خمس سنوات والترحيل إلى اليمن بعد إطلاق سراحه .

هذه الأحكام القاسية أساءت لسمعة المملكة بالخارج، وجعلتنا محلّ سخرية وانتقاد المنظمات الحقوقية الدولية كـ”منظمة هيومن رايتس ووتش”، سيما وأنها بهذه الأحكام تنتهك التزامها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق العربي لحقوق الإنسان، حيث يضمن كلاهما حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحرية التعبير بكل الوسائل السلمية، خصوصاً وأن جميع هؤلاء المعتقلين، لم يكن لسجنهم من سبب، سوى ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات أو الانتماء إليها.

وكذلك أولئك الذين لا يزالون في المعتقلات والسجون لمجرد أنهم أفصحوا علناً عن بواعث قلقهم بشأن هذه المحاكمات ومنهم الناشط الحقوقي والمحامي وليد أبو الخير، الذي حُكم بالسجن 15 عاماً إضافةً إلى منعه من السفر مع غرامة مالية قدرها (200 ألف) ريال.

سلمان4
مجموعة من معتقلي الرأي

معركة خاسرة في مرحلة حرجة:

تفرض التحديات التي تواجه المملكة خارجياً وخوضها غمار الحرب في اليمن ومواجهة التمدّد الإيراني، ضرورة البدء بترتيب البيت السعودي من الداخل، وأولى هذه الخطوات هي تفعيل حق حرية التعبير والنقد دون ملاحقة أو تضييق وخلق أجواء المشاركة السياسية ، فمن غير المعقول أن تبقى  جميع أشكال التعبير عن الرأي وتشكيل الأحزاب السياسية أو المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات الأهلية “محظورة ويعاقب عليها القانون”، لأن مفهوم الدولة الحديثة يستدعي فكّ الحجر على مؤسسات المجتمع المدني المستقلة وإعطائها غطاءً قانونياً للعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد