كثيرا ما نسمع عن العديد من القضايا التي تخص النزاعات بين الأعراق والأجناس المختلفة بشأن الأحقية في الأرض، ومنها ما هو معروف إعلاميا، ويلقى اهتمامًا واسعًا ومنها لا يكاد ينصت أحد إليها، ومن هذه القضايا قضية مملكة فطاني المسلمة، أو ما يعرف بقضية جنوب تايلاند، وفي خلال هذا المقال سنتعرف على القضية التي تكاد تكون منسية لدى أغلب المسلمين، ونعرف أبعادها وأسبابها لعلنا نكون سببًا في توعية المسلمين حول العالم بتاريخهم، الذي طالما تعمدت الأنظمة الفاسدة في بلداننا التلاعب به وتزويره ضمن خطة التغريب التي نعيشها منذ فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وتحديدا منذ بداية عصر التنظيمات في عهد الدولة العلية العثمانية، والتي كانت تهدف إلى نزع القيم الإسلامية واستبدالها بالقيم والقوانيين الغربية. ولن نتطرق بشكل واسع إلى تلك النقطة لأنها تحتاج إلى عشرات الكتب والمقالات لكي تُعطى حقها.

والآن لنعود إلى موضوعنا الأصلي. نشأت مملكة فطاني في القرن الثامن الهجري وتبلغ مساحتها 50000 كيلومتر مربع، وتقع بين خطي عرض 5 – 8 شمال خط الاستواء في جنوب شرق آسيا، وتحدها تايلاند من الجنوب وماليزيا من الشمال والمحيط الهندي من الغرب وبحر الصين من الشرق وتضم سبع ولايات. تتعدد الآراء حول أصل تسميتها بهذا الاسم ومن هذه الآراء أن أصل تسميتها يعود إلى فطنة أهلها وهو ما جذب إعجاب العرب والمسلمين الذين كانوا يقطنون فيها في القرن التاسع الميلادي فأطلقوا عليها فطاني من الفطنة والتي تعني الذكاء في اللغة العربية، وذلك بعد أن كانت تسمى بفتاني أي “أبو الفلاح”، وذلك بسبب رسوخ النظام الإقطاعي في ذلك الوقت، وفطاني كانت قديما تشتهر بمينائها الكبير حيث كانت تعتبر مكانًا هامًّا لتصدير البضائع من أوروبا إلى شرق آسيا.

وتتميز بأجواء ماطرة عموما في مواسمها، وتتميز بوجود الغابات الكثيفة وتعد الزراعة المهنة الرئيسية لدى معظم سكانها، وينتمي السكان عرقيا إلى طائفة الملايو والتي تقطن في سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وبروناي حيث لهم نفس الثقافة والعادات والتقاليد، ويتحدثون بنفس اللغة، وقبل وصول الإسلام إلى فطاني كان السكان يتبعون كل من الديانة البوذية والهندوسية.

يعود انتشار الإسلام في فطاني إلى القرن الخامس الهجري، وذلك بواسطة التجار القادمين من شبه الجزيرة العربية إلى جنوب الهند ومن ثم إلى شبه جزيرة الملايو، والتي تعتبر فطاني جزءًا منها كما أن العلاقة القوية التي كانت ناشئة في ذلك الوقت بين كل من الهند التي انتشر فيها الإسلام منذ وقت بعيد وشبه جزيرة الملايو كان عاملًا مهما في انتقال الإسلام إلى تلك المنطقة، كما أن شبه جزيرة الملايو وخاصة فطاني كانت تعتبر ميناءً إستراتيجيًّا.

وفي ظل سيطرة المسلمين على طرق التجارة في كل من المحيط الهندي والهادي أصبح انتشار الإسلام سهلًا في تلك المناطق، كما أن تجارًا من شبه جزيرة الملايو كانوا قد وصلوا إلى بغداد في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد، وهو ما يعتبر عاملا آخر مهما في نشر الإسلام في تلك المناطق، حيث مثلت العقيدة الإسلامية بما فيها من عدالة اجتماعية وأخلاقية جذبًا مهمًّا للعديدين في ذلك الوقت، وانتشر الإسلام بشكل واسع في فطاني بالتحديد في القرن التاسع الهجري مع إسلام ملكها في ذلك الوقت “أندراسري”، لتصبح مملكة إسلامية.

وبلغت فطاني أوج تقدمها في جميع المجالات في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، حيث كانت تبحر من فطاني السفن المحملة بالحجاج إلى الديار المقدسة ومكة المكرمة بالإضافة إلى الطلاب الراغبين في دراسة العلوم الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتخرّج من أهالي فطاني العديد من العلماء والدعاة والذين بعد عودتهم أسسوا المدارس الفقهية والمراكز التربوية التعليمية في جميع أنحاء الملايو والهند الصينية، ومن البلدان العربية التي زاروها اليمن الجنوبية أو ما يعرف قديما باسم حضرموت.

ويوجد العديد من الكتب المؤلفة من قبل أهالي فطاني والتي كتبت باللغة الملايوية بأحرف عربية، وتعرف فطاني إلى الآن بجناح مكة في شبه جزيرة الملايو؛ لما يتمتع به أهلها بإسلامية شديدة حيث يُعتبر أهلها شديدي الالتزام بقواعد وعادات وتقاليد الإسلام وحاليا يشكل الإسلام ما نسبته 80% من السكان في فطاني، والنسبة الباقية تتبع المسيحية والهندوسية والبوذية.

وقد بدأت مأساة المسلمين في فطاني عندما تعرضت دولتهم للغزو من مملكة سيام البوذية – التي عرفت فيما بعد بتايلاند – التي اعتبرتها جزءًا من أراضيها؛ فقد عمل البوذيون منذ أواخر القرن الثاني عشر الهجري على احتلال البلاد؛ كراهية لأهلها الذين دانوا بالإسلام، وطمعًا في خيراتها وثرواتها، إلا أن هذا الغزو فشل في احتلال البلاد في ظل المقاومة الشرسة التي أبداها السكان وذلك في عام “1603”.

وقد بدأت الأزمة عام 1786م، حين شنَّت مملكة تايلاند حملات ضد سلطنة فطاني المسلمة، أحرقت خلالها مدينة “فطان” وقلاعها العسكرية، وأسرت 4 آلاف من سكانها المسلمين، وأجبرتهم على السير على الأقدام مسافة 1300 كيلو متر، وهم مكبَّلون بصورة غير إنسانية، ثم استخدمتهم تايلاند في أعمال شاقة، مات فيها الكثير منهم؛ مثل شقِّ القنوات.

ثم سقطت فطاني في أيديهم سنة 1832م، وفي سنة 1902م قضت تايلاند نهائيا على استقلال السلطنة المسلمة، بإبعاد آخر سلاطينها المسلمين “تنكو عبد القادر قمر الدين”، وتعيين حاكم بوذي عليها، وبذلك ضُمَّت فطاني إلى تايلاند، التي أصبحت تدّعي أنها جزءٌ من بلادها، وذلك بعد الاتفاقية التي وقعتها مملكة تايلاند في عام 1901 للميلاد مع بريطانيا التي كانت تحتل ماليزيا والتي أسفرت في النهاية عن تقاسم إقليم فطاني بين ماليزيا وتايلاند المحتلةـ حيث حصلت تايلاند على أربع ولايات وماليزيا على الولايات الثلاثة الباقية.

بعد الاحتلال قامت الحكومة البوذية في تايلاند باتخاذ أساليب اضطهادية ضد المسلمين في فطاني تنوعت تلك الاضطهادات بين إرغام المسلمين على اتخاذ الأسماء والألبسة والتقاليد البوذية والتحدث باللغة التايلاندية، وإرغامهم على السجود لتماثيل بوذا التي انتشرت في الساحات العامة والمعابد التي أقاموها، كما قامت بتوطين آلالف من البوذيين داخل الأراضي الفطانية لتغيير التركيبة السكانية المسلمة حيث قامت بالاستيلاء على الأراضي الخصبة في فطاني، وتوطين البوذيين فيها ومدهم بالمرافق اللازمة، وتستعمل السلطة البوذية في تايلاند هؤلاء المغتصبين والمستوطنين من أجل التجسس على المسلمين.

ورفع نسبة البوذيين لتغيير التركيبة السكانية بالإضافة إلى السيطرة على المرافق الاقتصادية للإقليم سواء كانت الزراعية أم المعدنية، كما قامت بنشر الفواحش بالترخيص لبيوت الدعارة والملاهي الليلية، كما قامت بعزل وحصار الإقليم عن العالم الخارجي.

كما قامت الحكومة التايلاندية بجلب المدرسين اليهود من فلسطين المحتلة لبث الكراهية للعرب والمسلمين في نفوس السكان غير المسلمين، كما قامت بتحريف القرآن الكريم والأحاديث الشريفة عند ترجمتها إلى اللغة التايلاندية، وتتعدد أساليب الاضهاد التي قامت بها الحكومة التايلاندية بعد احتلالها للإقليم والتي تحتاج إلى مقال منفصل ليتم ذكر جميعها.

مع استمرار الاحتلال في أساليبه القذرة تجاه المسلمين، نشأت العديد من الحركات المقاومة للاحتلال البوذي وذلك عام 1950 للميلاد إلا أنها لم تتخذ طابعًا تنظيميًّا ومن الحركات التي اتخذت طابعا تنظيميا فيما بعد:

1-الجبهة الوطنية لتحرير فطاني: أُسست عام 1960م، وهي أول جبهة أنشئت في فطاني، وتدعو إلى تنظيم المجتمع الإسلامي، ووسيلتها حرب العصابات.

2-المنظمة المتحدة لتحرير فطاني: أُسست عام 1968م، وتتبع أساليب العنف ضد الحكومة البوذية.

3-الحركة الإسلامية الفطانية: أُسست عام 1975م، أسسها عدد من العلماء، وقد قامت بنشاط إعلامي للتعريف بقضية فطاني.

كما تلعب الحركات الطلابية دورًا مهمًّا في مقاومة الاحتلال التايلاندي متمثلة في الاتحاد العام لطلبة الثورة الفطانية، وتعتبر إسرائيل لاعبًا مهمًّا في قمع واستعباد المسلمين في فطاني من خلال علاقاتها القوية مع تايلاند، حيث إنها تقدم مساعدات استخباراتية وعسكرية لتايلاند، كما أنها وكما ذكرنا من قبل قد أرسلت مدرسين يهود لتشويه صورة الإسلام والمسلمين لدى الشعب التايلاندي غير المسلم.

وفي عام 2004 وقعت اشتباكات بين الجيش التايلاندي ومسلحين قُتل على إثرها 60 شخصًا في المناطق المسلمة قامت على إثرها قوات الجيش التايلاندي باعتقالات لعشرات الشبان المسلمين في المناطق المحاذية لماليزيا.

وقبل أحداث عام 2004، وما تلاها والتي أدت إلى مقتل ما يقرب من 5500 قتيل من المسلمين والبوذيين معا، قامت السلطات التايلاندية باعتقال العديد من قادة الحركات المقاومة ومنهم:

1-رضوان بن عصام الدين الشهير بالحنبلي، والقيادي البارز في الجماعة الإسلامية الآسيوية وذلك في أغسطس من عام 2003، والمتهم من قبل واشنطن بتدبير تفجيرات بالي وفندق ماريوت في جاكرتا وذلك في أكتوبر من عام 2002 وأغسطس 2003 على التوالي.

ووصل الصراع إلى أوجه بين الجيش التايلاندي ومسلحين ينتمون إلى حركة تحرير فطاني المتحدة (بولو)، وذلك في تاريخ الـ 28 من أبريل عام 2004 في مدينة فطاني قتل على إثرها 108 من الشباب المسلم قتل 30 منهم من خلال قصف القوات التايلاندي لمسجد كانوا يتحصنون فيه على رؤوسهم.

بالرغم من السعي الدائم للحكومة البوذية لتغيير تركيبة السكان الإسلامية ومعالم الإقليم الإسلامية إلا أن السكان ظلوا يحاولون الحفاظ على إسلامية الإقليم من خلال إنشاء العديد من المدارس والمعاهد الدينية بديلة للمدارس التي هدمتها الحكومة البوذية أثناء الاحتلال في بدايته، ومن أبرز تلك المدارس المدرسة الإسلامية في ولاية ناريتوات والتي أنشئت عام 1968، ومدرسة الدعوة الإسلامية التي أنشئت عام 1974، بالإضافة إلى العديد من المدارس الأخرى للحفاظ على الهوية الإسلامية للسكان، إلا أن نسبة التعليم الجامعي للمسلمين في تايلاند قليلة للغاية؛ بسبب الفقر الشديد وبسبب عدم إرسالهم إلى المدارس الحكومية البوذية، ومن يكون قادرًا منهم على التعليم الجامعي فيكون في ماليزيا وإندونيسيا والدول العربية.

وتنتشر في فطاني العديد من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية والدعوية ومن أبرزها جمعية الشبان المسلمين وجمعية أنصار السنة المحمدية واتحاد الطلبة المسلمين.

مع وصول رئيسة الوزراء ينجلوك شيناواترا إلى سدة السلطة، انفرج أمل بدء محادثات للسلام بين الطرفين برعاية ماليزية لإنهاء المعاناة التي يعيشها المسلمون في الإقليم، وهو بالفعل ما أسفر عن توقيع اتفاق بين الحكومة التايلاندية والحركات المتمردة وعلى رأسها جماعة باريسان ريفولوسي ناسيونال في تاريخ الـ 28 من فبراير لعام 2013، وتنص على بدء محادثات سلام رسمية بين الأطراف المتنازعة وتُنهي 9 سنوات من الاستخفاف بدم المسلمين، إلا أن تلك المفاوضات لم يعد يعرف مصيرها بعد الانقلاب العسكري الأخير في تايلاند والذي أطاح برئيسة الوزراء ينجلوك شيناوترا وحكومتها.

كان الهدف من هذا المقال هو تسليط الضوء ولو على جزء بسيط من معاناة يعيشها المسلمون في إقليم فطاني؛ ليكون وسيلة للبحث عن معاناة تكاد لا تنتهي للمسلمين في أماكن أخرى كالصين والفلبين وفلسطين والقوقاز وغيره من أراضينا المحتلة، ولكن للوصول إلى اليوم المنشود والذي قد لا نعيشه فعلينا بتوعية أنفسنا والأجيال القادمة بقيمنا الإسلامية وبقضايانا على مستوى العالم من أجل إعادة أسلمة المجتمع الذي طرأ عليه التغرييب والعلمنة، لكي نعيد أمجاد وذكريات التاريخ العظيم للحضارة الإسلامية وأول النصر يبدأ بالوعي، وذلك رغم قلة وشُح المصادر والمعلومات الناتج عن التعتيم الإعلامي على القضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد