شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء من حيث الشكل، من خلال خريطة أفريقيا وراء ظهر الملك؛ رسائلَ متعددة لمن يهمهم الأمر بأن المغرب يشكل دعامة أساسية ومهمة في تنمية وازدهار القارة الأفريقية، فالخطاب الملكي مقسم إلى أربع حلقات؛ أولًا السياق العام للخطاب الملكي الذي جاء في فترة مهمة يقوم خلالها عاهل البلاد بزيارة لمجموعة من الدول الأفريقية التي تشكل نواة أساسية يوجه من خلالها الملك رسائل إلى الخصوم وأعداء الوطن بأن المغرب مهتم بالمشاكل التي تحيط بالقارة الأفريقية، كونه أحد الأقطاب المشكلة للاتحاد الأفريقي. فخطاب الملك من السنغال يشكل حلقة أساسية ومهمة في تعزيز وتقوية الروابط مع الجارة الأفريقية في شتى المجالات، وخصوصا قضية الوحدة الترابية للمغرب، خصوصًا وأن السنغال تشكل نقطة انطلاق أساسية نحو أفريقيا.

فالخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء، يشكل أداة وصل واتصال ما بين عاهل البلاد وشعبه، يخبرهم من خلالها بما قام به في جولاته الأفريقية. فالخطاب الملكي جد مهم خصوصًا وأنها أول مرة يقوم خلالها الملك بتوجيه خطابه خارج حدود المملكة، من مدينة دكار، عاصمة جمهورية السنغال، التي تشكل دعامة أساسية في قضية الوحدة الترابية للمغرب والمغاربة.

فالملك حاول الربط بين مسألتين سنتطرق لهما بالتفصيل في متن هذا التحليل، النقطة الأولى تتعلق بالزيارات التي قام بها إلى الدول الأفريقية ونتائجها وربطها بضرورة المواكبة الوطنية من طرف الدبلوماسية المغربية، بحيث وجه رسائل قوية ومهمة للوزراء بضرورة مواكبة هذه المنجزات وتتبعها وإنجاحها عن طريق دبلوماسية قوية تعطي لما يقوم به الملك الفعالية والنتائج المرجوة.

أولًا: الملك ومسألة التواصل مع الشعب

إن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء يعزز ويؤكد طرح أن الملك محمد السادس عازم على توطيد أواصر الثقة ما بين المؤسسة الملكية والشعب، من خلال تواصل بناء ومتواصل، يضع فيه عاهل البلاد المواطن المغربي في قلب الأحداث، وفي قلب البرامج التنموية والزيارات الملكية التي يقوم بها لدول المنطقة. فالملك أكد من خلال هذا الخطاب على الصيرورة المتوالية للخطب التي رسخت للمنهجية التواصلية المعتادة للملك مع الشعب، والتي اعتاد عليها المواطن المغربي، وهو الشيء الظاهر في كلام عاهل البلاد من خلال قوله: «إنني وأنا أخاطبك اليوم، بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء، من مدينة دكار، عاصمة جمهورية السنغال الشقيقة، أعرف أنك لن تتفاجأ بهذا القرار. فالسنغال كان من بين الدول التي شاركت في هذه الملحمة الوطنية، إلى جانب دول أفريقية وعربية أخرى.كما أن هذا البلد العزيز كان دائمًا في طليعة المدافعين عن الوحدة الترابية للمملكة»، وأيضًا ما أكده بصريح العبارة بأنه: «إذا كنت قد خاطبتك، في مثل هذا اليوم من السنة الماضية، من العيون، بالصحراء المغربية، بخصوص أفريقيا، فإني أخاطبك الآن من قلب أفريقيا، حول الصحراء المغربية. فهذا الخطاب من هذه الأرض الطيبة، تعبير عن الأهمية الكبرى التي نوليها لقارتنا».

ثانيًا: الملك ومسألة العودة إلى الحضن الأفريقي

لقد أكد الملك محمد السادس على أن عودة المغرب إلى مكانه الطبيعي (الاتحاد الأفريقي) هو مسألة أساسية ومهمة وأكيدة، نظرًا لوجوده من فترة ليست بالقريبة في صلب القضايا المتعلقة بالقارة الأفريقية، ونظرًا لكون المغرب يوجد في مكانه الطبيعي ألا وهو أفريقيا. فلا حاجة لتبرير عودته أو انتظار موافقة أحد على هاته العودة، فالملك عبر غير مرة على أن أفريقيا تشكل نقطة محورية في جدول أعمال المملكة، وأي عطب يصيب أو يمس أفريقيا فهو يمس بالأساس المغرب، فالمغرب يوجد في قلب أفريقيا ومهتم بجل القضايا التي تصيب الجسم الأفريقي. وهو الشيء الذي عبر عنه الملك محمد السادس بقوله: «إن عودة المغرب للاتحاد الأفريقي ليست قرارًا تكتيكيًّا، ولم تكن لحسابات ظرفية. وإنما هو قرار منطقي، جاء بعد تفكير عميق. وعندما نخبر بعودتنا، فنحن لا نطلب الإذن من أحد، لنيل حقنا المشروع. فالمغرب راجع إلى مكانه الطبيعي، كيفما كان الحال، ويتوفر على الأغلبية الساحقة لشغل مقعده داخل الأسرة المؤسسية الأفريقية. وإن المغرب، الذي لا يتدخل في السياسة الداخلية للدول، ولا ينهج سياسة التفرقة، يأمل أن تتعامل كل الأطراف مع هذا القرار بكل حكمة ومسؤولية، لتغليب وحدة أفريقيا، ومصلحة شعوبها. فهذا القرار تتويج لسياستنا الأفريقية، وللعمل الميداني التضامني، الذي يقوم به المغرب مع العديد من دول القارة، على مستوى النهوض بالتنمية الاقتصادية والبشرية، في سبيل خدمة المواطن الأفريقي. وإضافة إلى التعاون الثنائي ومع المجموعات الإقليمية، سيتيح هذا الرجوع لبلادنا، الانخراط في إستراتيجيات التنمية القطاعية بأفريقيا، والمساهمة الفعالة فيها، وإغناءها بالتجربة التي راكمها المغرب في العديد من المجالات. أما على مستوى القضايا والإشكالات الكبرى، فإن عودة المغرب إلى أسرته المؤسسية، ستمكنه من إسماع صوت القارة في المحافل الدولية. وستتيح له مواصلة وتعزيز انخراطه، من أجل إيجاد حلول موضوعية لها تراعي مصالح الشعوب الأفريقية وخصوصياتها. وفي هذا الصدد، فإننا حريصون على مواصلة المساهمة في توطيد الأمن والاستقرار بمختلف المناطق التي تعرف التوتر والحروب، والعمل على حل الخلافات بالطرق السلمية. كما أن هذه العودة ستمكن المغرب من تقوية انخراطه في الجهود القارية لمحاربة التطرف والإرهاب، الذي يرهن مستقبل أفريقيا. وإننا ملتزمون بتقاسم تجربتنا المتميزة، المشهود بها عالميًا، مع إخواننا الأفارقة سواء في مجال التعاون الأمني أو على مستوى محاربة التطرف».

ثالثًا: الملك ومسألة الحكومة المغربية المقبلة

لقد حاول الخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء، ملامسة الشق المتعلق بالدبلوماسية الوطنية والبرامج الحكومية المغربية تجاه القضايا الأفريقية، فقد أكد الملك على أنه يجب القطع مع كل الأشكال السابقة التي كانت تسير وتدبر بها الحكومة السابقة والتي وصفها بأنها لم تكن وفية تجاه التزاماتها مع شركائها، وهو ما عبر عنه من خلال قوله بأنه: «وإننا نتطلع أن تكون السياسة المستقبلية للحكومة، شاملة ومتكاملة تجاه أفريقيا، وأن تنظر إليها كمجموعة. كما ننتظر من الوزراء أن يعطوا لقارتنا نفس الاهتمام الذي يولونه في مهامهم وتنقلاتهم للدول الغربية. إن المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة. غير أن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية، تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية. بل الحكومة هي برنامج واضح، وأولويات محددة، للقضايا الداخلية والخارجية، وعلى رأسها أفريقيا. حكومة قادرة على تجاوز الصعوبات التي خلفتها السنوات الماضية، في ما يخص الوفاء بالتزامات المغرب مع شركائه. الحكومة هي هيكلة فعالة ومنسجمة، تتلاءم مع البرنامج والأسبقيات. وهي كفاءات مؤهلة، باختصاصات قطاعية مضبوطة. وسأحرص على أن يتم تشكيل الحكومة المقبلة طبقًا لهذه المعايير، ووفق منهجية صارمة. ولن أتسامح مع أي محاولة للخروج عنها. فالمغاربة ينتظرون من الحكومة المقبلة أن تكون في مستوى هذه المرحلة الحاسمة». المغرب اليوم يدخل بقوة إلى الحضن الأفريقي، الشيء الذي يجب أن تكون معه الحكومة المغربية ودبلوماسيتها قوية حتى تتحقق الأهداف المرجوة والجهود التي يقوم بها عاهل البلاد من خلال جولاته الأفريقية، وتفتح الأبواب الأفريقية من أجل مغرب قوي، فعال، جدي على الصعيد القاري والدولي.

لذلك، فالمغرب يجب أن لا يقطع العلاقة مع أشقائه الأفارقة، ولكن يجب أن تكون هناك توازنات في العلاقة ما بين الدول الأفريقية من أجل استشراف أفق مستقبلي يتيح للمملكة فتح قنوات جدية مع هذه الدول في إطار علاقة رابح-رابح، تدر على المملكة العديد من المزايا الإيجابية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، مع توسيع التنمية المستدامة في الشق الأفريقي، الشيء الذي يحتاج إلى حكومة قوية قادرة على وضع الإستراتيجية الملكية نحو أفريقيا على الشكل والنحو المطلوب.

أما بخصوص الجانب المتعلق بالرسائل الموجهة للحكومة، فقد كان عاهل البلاد صارمًا في هذا الاتجاه، وهو ما عبر عنه من خلال المنطق المتحكم في تشكيل الحكومة من خلال المزايدات وتقسيم الكعكة والغنيمة. فعاهل البلاد من خلال ما جاء به خطابه من دكار، أكد على ضرورة وجود حكومة مشكلة انطلاقًا من منطق المسؤولية وربطها بالمحاسبة والمساءلة، وتغليب مصلحة الوطن على المصالح الشخصية الضيقة، فالدستور المغربي لسنة 2011 جاء بالعديد من النقط الإيجابية لفائدة السلطة التنفيذية والتشريعية، فالفصل 89 مثلًا من الدستور ينص على أنه: «تمارس الحكومة السلطة التنفيذية. تعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية».كما ينص الفصل 92 من نفس الدستور على أنه: «يتداول مجلس الحكومة، تحت رئاسة رئيس الحكومة، في القضايا والنصوص التالية:

  • السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري.
  • السياسات العمومية.
  • السياسات القطاعية.
  • طلب الثقة من مجلس النواب، قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها.
  • القضايا الراهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام.
  • مشاريع القوانين، ومن بينها مشروع قانون المالية، قبل إيداعها بمكتب مجلس النواب، دون إخلال بالأحكام الواردة في الفصل 49 من هذا الدستور.
  • مراسيم القوانين.
  • مشاريع المراسيم التنظيمية.
  • مشاريع المراسيم المشار إليها في الفصول 65 (الفقرة الثانية) و66 و70 (الفقرة الثالثة) من هذا الدستور.
  • المعاهدات والاتفاقيات الدولية قبل عرضها على المجلس الوزاري.
  • تعيين الكتاب العامين، ومديري الإدارات المركزية بالإدارات العمومية، ورؤساء الجامعات والعمداء، ومديري المدارس والمؤسسات العليا. وللقانون التنظيمي المشار إليه في الفصل 49 من هذا الدستور، أن يتمم لائحة الوظائف التي يتم التعيين فيها في مجلس الحكومة. ويحدد هذا القانون التنظيمي، على وجه الخصوص، مبادئ ومعايير التعيين في هذه الوظائف، لاسيما منها مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية.

يطلع رئيس الحكومة الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة». هذا إلى جانب الصلاحيات المعطاة للسلطة التشريعية، بحيث نجد مثلًا الفصل 64 من الدستور ينص على أنه: «لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان، ولا البحث عنه، ولا إلقاء القبض عليه، ولا اعتقاله ولا محاكمته، بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي، أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك». بالإضافة إلى الصلاحيات التي خصها الدستور للمعارضة البرلمانية من خلال الفصل 10، والتي نجد من بينها المساهمة الفاعلة في الدبلوماسية البرلمانية، للدفاع عن القضايا العادلة للوطن ومصالحه. هذه الصلاحيات والمسؤوليات ربطها المشرع المغربي بالمحاسبة من خلال إخضاع كل من له مسؤولية للمحاسبة والمساءلة والاستجواب، وأن تكون الجودة والشفافية واضحة ومعمولًا بها في هذا الجانب، فلا يمكن أن تكون حكومة مبنية على أسس تقسيم الغنيمة أن تشكل نقطة محورية في ربح الرهانات المستقبلية لبلادنا، فالملك لا يمكن أن يقوم بكل شيء في هذا الوطن، الملك منحه الدستور صلاحيات وسلطات يقوم بها على الوجه المطلوب، في حين أن الحكومة لا تقوم بعملها بناء على أسس وركائز تغليب المصلحة العامة للوطن والمواطنين. لذلك، فقد أكد الملك على ضرورة وجود حكومة جدية، فعالة، قوية تشكل نواة محورة من أجل ربح الرهانات المستقبلية سواء على الصعيد الوطني، القاري وحتى الدولي.

إن المغرب يحتاج لحكومة جادة قادرة على استثمار القدرات التي في حوزة المملكة من ناحية الموارد البشرية، تقطع مع النمط القائل بأن الفائز هو عدو الخاسر أو العكس، هذا المنطق لا شك وأنه يجزئ الوطن ويجعل منه بلدًا غير قادر على لعب دوره على النحو المطلوب. لذلك، على الحكومة أن تكون جادة، تقدر ما تقوم به البلاد وما يقوم به ملك البلاد من مشاريع وبرامج وعلاقات خارجة ومكتسبات، وقادرة على المحافظة عليها. الحكومة المنتظرة يجب أن تكون حكومة مقتدرة على الصعيد السياسي، لها نفس التطلعات التي يسعى لها عاهل البلاد قاريًا ودوليًا، ويجب القطع مع جميع الخروقات التي طالت الولاية الحكومية السابقة والتي عُرِفت بحكومة الفضائح، والتي تشوه صورة البلاد على الصعيد القاري، الشيء الذي لا نريده للبلاد في ظل ما نعيشه اليوم من تطورات متسارعة على الصعيد العالمي، وهو ما يتطلب حسًّا وطنيًّا عاليًا وقويًّا تغلب معه مصلحة الوطن، والمصلحة الشخصية يجب أن تبقى دائمًا هي السفلى. فالمغرب يجب أن يبقى شامخًا دائمًا وأبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الملك
عرض التعليقات
تحميل المزيد