كل منا يقرأ التاريخ، ويرى أن مصر كانت قوية في حقبة من الحقب، فيتمنى لو عاد بنا الزمن إلى تلك الحقبة، وهي مجرد أمنيات!

الماضى لا يعود، ومن بين الحالمين نجد من يتمنون عودة الملكية لمصر، وعلى رأسها أحد أبناء بيت «محمد علي»، وبالتحديد عودة «أحمد فؤاد» ملكًا للبلاد، فهم يرون أنه خُلع بشكل غير شرعي من قبل بعض الانقلابيين- كما يقولون – لكننى وبنفس المنطق أعتبر أن أحمد فؤاد هو الآخر، لم يكن ملكًا شرعيًا للبلاد، ولذلك قصة تعود لسنة 1882م.

فى تلك السنة أحكمت بريطانيا قبضتها على مصر المحروسة، وعاد «الخديوي توفيق» إلى عاصمة البلاد مع رجال الجيش الإنجليزي، وقام «اللورد دافرين» بوضع نظام لإدارة المستعمرة البريطانية الجديدة، وكان من معالم هذا النظام أن تظل مصر تحت السيادة الاسمية للدولة العثمانية كما هي، و«الباب العالي» هو من يعين الخديوي، وكل تلك الشكليات، وكان ذلك تفاديًا لمعاداة الدول الكبرى التي كانت تحلم هي باحتلال مصر، وخاصة فرنسا.

وبالتالى ظل نظام ولاية العهد الموجود في مصر ساريًا؛ إذ يرث الأريكية الخديوية أكبر أبناء الحاكم سنًا؛ بموجب «فرمان تولية» يصدره الباب العالي، وبذلك تولى «عباس حلمي الثاني» خديوية مصر، بعد وفاة والده «محمد توفيق».

وقد كان الخديوي يفكر غير والده، ولم تكن علاقته بالإنجليز طيبة على أية حال، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى كان الموقف الدولي قد تغير؛ فقد عقدت اتفاقات وفاق بين الدول الأوروبية المختلفة، ومع دخول الدولة العثمانية الحرب ضد بريطانيا وفرنسا انتهزت إنجلترا الفرصة، وأعلنت الحماية على مصر في الوقت الذي كان فيه عباس في زيارة لاسطنبول فتم خلعه عن العرش.

وهكذا فقدت مصر استقلالها الاسمي وحاكمها المعين من قبل الخليفة، ولم يكن الانجليز ليعينوا على عرش البلاد ولى عهدها الشرعى الأمير «محمد عبد المنعم»، فهو نجل الخديوى المخلوع، والذي كان يتمتع بكراهية المحتلين، وبذلك لم يُعين ولى العهد الشرعي.

وكان طبيعيًا أن تبحث بريطانيا عن حاكم من الأسرة العلوية؛ ليجلس على عرش محميتها، ووجدوا ضالتهم في عم الخديوى المخلوع «الأمير حسين كامل»، والذى مُنح لقب «سلطان»؛ ليكون موازيًا للقب السلطان العثماني، ووافق حسين على منحة الإنجليز، وظل المصريون يحلمون بعودة عباس حلمي على رأس جيش عثماني؛ ليحرر مصر، ويسترجع عرشه، حتى أن الأطفال –وحتى وقت قريب- كانوا يرددون الهتاف قائلين «الله حى عباس جى»، وهو ما لم يحدث.

وقد رشح حسين نجله «الأمير كمال الدين»؛ ليتولى العرش خلفًا له، غير أن الأمير قد رفض ذلك، وأرسل لوالده خطابًا بذلك؛ الأمر الذي جعل مقعد ولاية العهد شاغرًا.

الأمير كمال الدين حسين

وبعد وفاة السلطان حسين عُرض العرش على الأمير أحمد فؤاد الذي وافق، وبسرعة، على تولي عرش تحت حماية الإنجليز، ونراه يقول في خطاب تكليفه لـ«حسين رشدي» برئاسة الوزراء «قد تولينا بالاتفاق مع الدولة الحامية عرش السلطنة المصرية على أن يكون من بعدنا لورثتنا طبقًا للنظام الوراثي الذي سيوضع بالاتفاق بيننا وبينها».

فالسلطان الجديد، وببساطة، يقر أن من جعله حاكمًا على بر مصر، هم الإنجليز، وأنهم هم من سيختارون له ولى عهده!

بهذا المنطق وصل فؤاد لعرش البلاد، فهل نستطيع أن نعتبره هو وولي عهده حكامًا شرعيين؟ أم أن شرعيتهم إنجليزية اكتسباها من دولة الاحتلال، التي أجلست فؤاد على عرش البلاد؟

ربما وجُد قائل يقول: إن مصر بعدها نالت استقلالها، وأن الأمور تغيرت، لكننا نقول لهم أن ما بُنى على باطل فهو باطل، وأن هذا الاستقلال الاسمي، لم يغير من الأمر كثيرًا، خاصة وأن دفة الأمور ظلت بيد الإنجليز.

ولعل قائل يقول: إن ذلك العهد كان عهد استقلال ورخاء، لكننا نقول إننا في هذه السطور، لسنا بصدد إصدار أحكام على مميزات وعيوب ذلك العهد، ولكن يكفي أنه كان عهدًا لصيقًا بصفحة سوداء من تاريخنا، وهى صفحة الاحتلال البريطانى لمصر.

الملكية

عباس حلمي حفيد الخديوي عباس حلمي الثاني

وفي النهاية، طالما أن البعض يصر على عودة الملكية، وعلى أنها الأفضل، فليرد الحق لصاحبه، ويطالب بعودة الوريث الشرعي عباس حلمى بن محمد عبد المنعم، بدلًا من سليل الملك فؤاد الذي أعتلى العرش، بناء على رغبة المحتل الإنجليزى وبمباركته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد