تحدثنا في المقال السابق عن بعض الخصائص العامة للجيل Z وذكرنا باختصار كيف يصف نفسه. في هذا المقال سنتحدث في بعض التفاصيل الإضافية عنه.

كما ذكرنا سابقًا، فإنه من المتوقع أن يكون هذا الجيل، هو الجيل الأقل عنصرية عبر تاريخ الولايات المتحدة والعالم الغربي عمومًا. وهو يدرك أن العرق الأبيض أو القوقازي لن يعود هو العرق المسيطر خلال سنوات قليلة قادمة، مما جعله متقبلًا للاختلاف العرقي بين الأفراد. في الواقع، الجيل Z متقبل لكل أشكال الاختلاف بين الأفراد، ولا يعتقد أن هذا الاختلاف يجب أن يؤثر بأي شكل من الأشكال على تصنيف الأفراد، مهما كان ذلك التصنيف بدائيًا. فمثلًا مسألة النوع الاجتماعي أو الجندر (صبي أو بنت) للأفراد، لم تعد مهمة.

في العام 2015 بينت دراسة أجريت على 1000 مشارك بأعمار بين 12:19 سنة، أن 82% يعتبرون أن الجندر لم يعد مهمًا في تحديد هوية الشخص كما كان سابقًا [1]. يعرف اليوم هذا بالجندر السائل أو المائع Gender Fluid ولذلك هناك اليوم مصطلحات مثل gender neutral وهناك خط أزياء يستهدف هذه الفئة حتى عند المتاجر التي تستهدف الطبقة الوسطى متل تارجت Target في الولايات المتحدة. انتشرت منذ فترة على الفيسبوك صور لعارضي أزياء يلبسون ما بدا أنه ملابس نسائية، في الحقيقة هذه الملابس هي محايدة الجنس، كما أن شركات التواصل الاجتماعي بدأت تتيح خيارات أكثر في خانة تحديد الجنس، فمثلًا تسمح شركة فيسبوك باختيار جنس من قائمة فيها 56 نوعًا اجتماعيًّا [2]. وفي حقيقة الأمرـ فإن فيسبوك لم تحدد قائمة محددة، بل تركت للناس إدخال الجنس الذي يرغبون به، ومع التكرار تشكلت هذه القوائم، وبالتالي فإن المجال ما يزال مفتوحًا لإدخال أسماء جديدة من تسميات النوع الاجتماعي لهذه القائمة.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن كل الأفراد في الغرب من هذا الجيل لا يحددون أنفسهم وفقًا لكونهم ذكورًا أو إناثًا، بل يعني إن هذا الجيل متقبل لفكرة وجود أنواع اجتماعية أخرى عديدة غير الذكر والأنثى. لا تتعلق المسألة هنا، بالتعريف البيولوجي للفرد من ناحية كونه ذكرًا أو أنثى أو متحول الجنس، بل يتعداها لوضع هؤلاء الأفراد في المجتمع، وما ينتج عنه من تبعات قانونية، كحقوق الزواج والتبني وضمانة عدم التمييز بناء على الجنس، بل حتى حق استخدام الحمامات العامة، وهي قضية تحولت لمعركة قضائية بين المدافعين والمعترضين على قرار منع استخدام الحمامات العامة إلا وفق الجنس المعطى للفرد لحظة الولادة[3]. فمثلًا ما يقارب 75% من المنتمين لهذا الجيل يرون أن حق الزواج يجب أن يمنح للجميع، وذلك بغض النظر عن التوجه الجنسي للأفراد وذلك وفق دراسة ضخمة لجامعة نورث إيسترين [4]. وفي دراسة أخرى، وجد الباحثون أن أكثر من نصف الأفراد المنتمين لهذا الجيل، قالوا إنهم يهتمون لحقوق المثليين، لكن لا يعني ذلك إعطاءهم موافقة ممتدة على طول الخط [5]. كما بينت نفس الدراسة أن بعضهم يعتقد أن هناك الكثير من الحقوق المعطاة لهذه الفئة، وأنهم يعتقدون أن الزواج يجب أن يكون حصرًا بين رجل وامرأة، في حين أشار 16% منهم أنهم لايهتمون أبدًا لحقوق هذه الفئة على الإطلاق [5].

غير أنه وبعيدًا عن هذا الموضوع الشائك، فإن هذا الجيل بشكل عام يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة، كيف لا، وهو نشأ على أفلام ديزني الجديدة، والتي تكون البطلة فيها فتاة (ليست أميرة بالضرورة)، وليس بالضرورة أن تبحث هذه الفتاة عن حبيب، أو أن تكون أميرة، كما في كلاسيكيات أفلام ديزني. بدءًا من فيلم Lilo & Stitch المنتج في 2002، و Brave المنتج في 2012، وصولًا إلى Zootopia المنتج في 2016، هذا عدا عن أفلام لشخصيات بشرية، تكون فيها البطلة أيضًا فتاة، ولا تكون حياتها متمحورة حول شاب مثل Akeelah and the Bee المنتج في 2006. والسمة الملاحظة أيضًا أن بعض هذه الفتيات لسن من العرق الأبيض، بل هناك أميرات في أفلام ديزني ببشرة سمراء. في الواقع، نشأ هذا الجيل وهناك أفلام تقدم أميرة غير بيضاء. فديزني كانت أنتجت فيلم علاء الدين في العام 1992 وفيه الأميرة ياسمين السمراء، وفيلم بوكاهونتاس في عام 1995 والذي كانت فيه الأميرة تحمل نفس الاسم وهي من الهنود الحمر، ثم فيلم مولان في العام 1998 والذي ظهرت فيه أميرة اسمها فو مولان من أصول آسيوية. وبعدها لم تتم إضافة أي أميرة جديدة لأميرات ديزني حتى العام 2009 حين ظهرت تيانا، وهي أميرة ببشرة سوداء في فيلم الأميرة والضفدع.

إذن نحن أمام سلسلة من أحدث أميرات ديزني، ليس فيهن واحدة من العرق الأبيض، ومتوفرات أمام أفراد هذا الجيل، سواء في الأفلام أو في المحلات على شكل دمى، أو حتى في الكتب على شكل قصص مصورة. أكثر من ذلك، وكما ألمحت أعلاه، فإن بعض أدوار هذه الفتيات لم تكن متمحورة حول إيجاد فارس الأحلام. فمثلًا فيلم ليلو و ستتش بعيد تمامًا عن هذه الأجواء، ولا تعتبر الفتاة التي ظهرت به جميلة بالمقاييس الغربية. بل حتى فيلم Brave والذي ظهرت فيه أميرة من أصول أسكوتلاندية، اختلفت بأنها كانت ترفض الواجبات التقليدية للأميرة، وأنها يجب أن تتزوج وتجد رجلًا، ولم تهتم بلباسها بوصفها أميرة، بل إنها لم تغن أيضًا في الفيلم وأكثر من ذلك هي من قام بإنقاذ أسرتها في النهاية، وكلها أدوار غير تقليدية لفتاة. وصولًا لفيلم Zootopia عن الأرنبة التي تتحدى التقاليد وتقرر أن تصبح أول شرطية في مدينة الأحلام وتصطدم بالواقع وتغيره.

 ويمكن في الحقيقة تخصيص مقال كامل عن هذه الأفلام وحجم التغيير الاجتماعي الذي أحدثته، سواء في هذا الجيل أو في الأجيال السابقة. إن فكرة أن تقوم الفتيات بأدوار غير تقليدية استمرت مع الألعاب، عندما قدمت الشركة المنتجة للعبة باربي مجموعات بناء أنثوية، وتبعتها شركات أخرى حيث قدمت مسدسات من الإسفنج أنثوية، وصولًا لشركات الألعاب ليجو والتي قدمت في 2014 شخصيات أنثوية على هيئة عالمات [6]، لتعطي إشارة لكسر إحتكار الذكور لبعض المهن. فإذن نحن أمام جيل نشأ وكبر على مثل هذه الوقائع أمامه، وبالتالي من الطبيعي ألا ينظر للنوع الاجتماعي باعتباره عائقًا أو محددًا للشخص.

العرض التقديمي لفيلم Lilo &  Stitch

في الواقع يتعدى إدراك أفراد هذا الجيل للاختلاف كل ذلك، ويصل لأنفسهم. بمعنى أنهم يدركون أن كل فرد فيهم مختلف عن الآخر، وكل فرد لديه إمكانيات وقدرات مغايرة، وبالتالي كل فرد هو حالة خاصة، لا يمكن مقارنتها مع الآخرين. وبالتالي هذا يدفعهم لقبول أنفسهم بشكل غير مسبوق، واعتبار أن أي وضع، بغض النظر عن جودته أو سوئه، هو وضع طبيعي. وهذا ما التقطته مثلًا الشركات الكبرى (وهم بشكل عام يثقون بما تقوله هذه الشركات 8). فيمكن مثلًا مشاهدة هذا الإعلان لشركة المنتجات الرياضية نايكي وملاحظة الكلمات المرافقة، ونمط الشخصيات التي تظهر في الإعلان، هذا الإعلان كان من حملة أطلقتها الشركة في العام 2012 [7]. ويمكن بسهولة ملاحظة أن الإعلان يتمحور حول الذات، وأن ماتقوم به هو البطولة وهو العظمة، حتى لو كان مشاهدة التلفاز، وإن كان هذا في نوع من التبسيط المخل بالإعلان. لكن ما يقوله الإعلان فعلًا هو أن عدم الكمال هو الكمال بحد ذاته، وأن الكمال ممل [8].

Imperfect suddenly becomes perfect – perfection is boring

إذن هناك تمركز حول الذات ينشأ عليه هذا الجيل. ولذلك لا عجب في انتشار السيلفي والهوس به مثلًا، حتى لو عكس الأمر شخصيات نرجسية مثلًا [9] أو أنماطًا من المرض العقلي أو Psychopathy [10]. الكثير من الدراسات وصفت الجيل Z بأنه نرجسي. يرى أفراد هذا الجيل أنهم أفضل من أقرانهم [11] بشكل عام، ولا غرابة إذن أن 40% منهم يعتزمون تغيير العالم باختراع جديد [12]. إذن هناك ثقة كبيرة بالذات، وتمركز كبير حولها، مما يزرع فكرة ضرورة الحصول على القبول الاجتماعي في عقول هذا الجيل، ويجعلها محورية ومركزية جدًا في رؤيته لنفسه [13]، وتساعده فلاتر الصور على تطبيقات التواصل الاجتماعي بذلك.

إحدى الدراسات وجدت أن استعمال الفلاتر الموجودة في تطبيقات الموبايل مثلًا، تزيد نسبة المشاهدة بـ 21%، وتزيد احتمال تلقي تعليق على الصورة بنسبة 45% على موقع Flicker وهو موقع مخصص للصور [14]. ولا شك أن هذه نسب مرتفعة لمجرد فلتر يضاف للصورة، ومن غير المستبعد أن تفعل فلاتر الإنستغرام والفيسبوك والسناب شات الأمر نفسه. تعمل الفلاتر على إضافة أجواء شخصية personalized على الصورة، بل حتى على الصورة الشخصية وهنا مكمن المفارقة. تضيف الفلاتر شيئًا آخر للصورة الشخصية، وربما يعوض ذلك شعورًا بالنقص. بل إن إضافة الصورة الشخصية وبالذات صورة الوجه على مواقع التواصل الاجتماعي يشعرهن بالثقة بالنفس لدى 41% من النساء البالغات وترتفع النسبة لتصبح 65% لدى المراهقات [15]. وفي الواقع يصبخ استخدام الفلاتر نوعًا من الهوية الجديدة التي تضاف للفرد [16].

ولا يتوقف الأمر على مجرد صور، بل يتعداه حتى لأشياء أخرى لا ينتجها هؤلاء الأفراد، ومع ذلك يرغبون بإضافة شيء شخصي عليها. فمثلًا تسمح شركة آبل بإضافة اسم المشتري على الهاتف بواسطة الليزر، إذا اشتراه مباشرة من موقعها دون أي تكلفة إضافية، ولعل الكثير منا رأى إعلانات شركة كوكاكولا والتي تقدم فيها العبوات وقد كتب عليها أسماء الأفراد. في الحقيقة هذا جزء من زيادة اللمسة الشخصية hyper-personalization على المنتج، ليشعر المشتري بانتمائه وتميزه. بل إن شركة Oreo المنتجة لنوع مميز من بسكويت الشكولاتة سمحت في 2015 للمشترين باختيار تصميم لعلب البسكويت التي يرغبون بشرائها، مع إضافة رسالة شخصية [17].

ومع أن هذه المعلومات تقترح أن هذا الجيل معزول عن الواقع، ولا يمكن الاعتماد عليه، غير أنه وكما ذكرنا سابقًا هناك وعي في هذا الجيل لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه. فمثلًا هذا الجيل هو الجيل الأقل إيمانًا بالحلم الأمريكي مقارنة مع الأجيال الأربعة التي سبقته [18]( الحلم الأمريكي هو اليقين أن هناك فرصة عادلة أمام جميع الناس ليصلوا للاستقرار المادي طالما عملوا بجد وبشكل متواصل وتحلوا بروح المبادرة)، وسيزول الاستغراب عند معرفة أن آباء هذا الجيل، وهم الجيل X، وهم ثاني أقل جيل إيمانًا بالحلم الأمريكي.

في المقال القادم سنتحدث عن التكنولوجيا والعمل لهذا الجيل، وربما نتحدث عن الدين والتعلم. ثم سأفرد مقالًا مخصصًا عن الشباب العربي ووسنحاول التعرف أكثر عليهم من خلال الدراسات القليلة المتوافرة عنهم.

 

_____________________________________________________________________________________________________________________________

المراجع

[1] Study: Generation Z and gender

[2] Here Are All the Different Genders You Can Be on Facebook

[3] How the bathroom became a political battleground for civil rights

[4] GENERATION Z AND THE FUTURE OF HIGHER EDUCATION

[5] Generation Z goes to college. Corey Seemiller and Meghan Grace.

[6] Short-Lived Science Line From Lego for Girls

[7] NIKE LAUNCHES “FIND YOUR GREATNESS” CAMPAIGN

[8] Millennials Vs. Gen Z 

[9] Selfie posting behaviors are associated with narcissism among men

[10] Are Selfies a Sign of Narcissism and Psychopathy?

[11]  Gen Y and Gen Z Global Workplace Expectations Study

[12]  THE 2013 GALLUP-HOPE INDEX

[13]  What Is Generation Z, And What Does It Want?

[14]  Why We Filter Our Photos and How It Impacts Engagement

[15]  Stop obsessing: Women spend 2 weeks a year on their appearance, TODAY survey shows

[16]  Social media sites are contributing to delusion in young people

[17]  You Can Now Customize Your Package of Oreos

[18]  The First Generation Of The Twenty-First Century

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد