الجيل Z والتكنولوجيا

يعتبر جيل الألفية هو الجيل المؤسس للثورة التكنولوجية التي نعيشها هذه الأيام. صحيح أن الثورة بدأت قبله، لكنه ساهم فيها وبشكل كبير جدًا. نشأ جيل الألفية والإنترنت منتشرة بشكل مقبول في أوساطه، لكن بدون الإدراك الحقيقي لأهميتها. لم ينشأ جيل الألفية مثلًا على الهواتف الذكية والمهام المتعددة التي تستطيع أن تنجزها. بالنسبة لجيل الألفية، كان عليه أن يخترع هذه الأشياء وينميها.

لا يعرف جيل الألفية أي شيء عن شاشات اللمس قبل عام 2004 عندما طرحت شركة نينتيندو جهاز ألعاب يعتمد على اللمس بواسطة قلم، وحتى ذلك لم يكن متميزًا بكونه شاشة لمسية كالتي نعرفها اليوم. بل إن الكثير من الأشخاص لم يعرفوا شاشة اللمس حقيقة إلا في العام 2007 مع طرح أول جهاز أيفون، مع أن التقنية كانت موجودة في بعض الهواتف مثل المساعد الرقمي الشخصي PDA، لكن شركة آبل وعبر جهاز الأيفون هي من طور التقنية وجعلها جذابة ومتوافرة على نطاق واسع، لدرجة أصبحت شيئًا عاديًا في حياتنا اليومية (من المفارقة أن نتحدث عن هذا الآن باعتبار أنه تاريخ يبدو أنه قديم، مع أنه حصل منذ عشر سنوات فقط، وهذا مقياس جيد لحجم هذه الثورة ومدى تقدمها).

أما الجيل Z، فهو نشأ وكبر وشاشات اللمس منتشرة وشيء أساسي في حياته، بل من الصعب عليه تصور كيف يمكن أن يعمل الهاتف بدون شاشة لمس! ويمكن ملاحظة ذلك في الأطفال، حيث إن أي شاشة بالنسبة لهم هي شاشة لمس حتى يثبت العكس، والمثير أنهم يعرفون كيف يتحكمون بها بدون تدريب أو مساعدة، وهذا ينسحب على كل التكنولوجيا الموجودة تقريبًا، فبعكس جيل الألفية والذي احتاج ويحتاج لتدريب على التكنولوجيا، فالجيل Z يستعمل التكنولوجيا ببساطة وتلقائية ودون الحاجة لتدريب عليها. وفي الواقع فإن الإحصائيات تقدر أن 96% من أفراد هذا الجيل يملكون هاتفًا ذكيًا [1] وهذه نسبة جدًا مرتفعة، يضاف إليها أن 93% لديهم وصول لكمبيوتر. وهذا يعني أن التكنولوجيا تفرض قواعد اجتماعية جديدة على المتعاملين معها، فما كان غير مقبولًا لدى الأجيال السابقة، أصبح طبيعيًا جدًا في الأجيال الحالية، مما دفع البعض لإطلاق نداءات تحذير عن خطورة ما يحدث [2]. وبطبيعة الحال يمكن ملاحظة ذلك حتى عربيًا (تحدثت عن ذلك بمنشور سابق على الفيسبوك).

إن هذا الانتشار للهواتف الذكية وما توفره من ميزات الاتصال بالإنترنت، يعني أن هذا الجيل متصل بالعالم بشكل مستمر. بينت إحدى الدراسات أن مايقارب من نصف أفراد هذا الجيل (46%) يمضون 10 ساعات يوميًا بتصفح الإنترنت [3]، ووفق بعض التقديرات الأخرى فإن متوسط الوقت الذي يمضيه أفراد هذا الجيل على الإنترنت يتجاوز السبع ساعات [4] وهذه بلا شك أرقام مرعبة، لكن علينا أن نتذكر أن كل شيء محاط بهم متصل بالإنترنت تقريبًا، وبينما توفر لدى جيل الألفية 3 شاشات فقط ( شاشة التلفاز واللاب توب وشاشة الكمبيوتر) فإن الجيل Z يتوفر أمامه خمس شاشات على الأقل ( إضافة لما سبق هناك شاشة الهاتف الذكي وشاشة التابلت)[5] وهذا إن لم نذكر الشاشات الاضافية والتي باتت تأتي مع الأجهزة المختلفة فيما يعرف بإنترنت الأشياء. وفي الحد الأدنى، بينت إحدى الدراسات أن 100% من أفراد هذا الجيل متصلون بالإنترنت لمدة ساعة يوميًا، وأن 75% منهم يفتحون الإنترنت خلال ساعة من استيقاظهم، وأن 25% منهم يفتحون الإنترنت بعد 5 دقائق من استيقاظهم 3! إن سرعة معاودة الاتصال هذه بالإنترنت، تعكس رغبة عميقة بالبقاء على اتصال مع الأصدقاء والمعارف وحتى الأخبار على مدار الساعة. وبشكل ما هذا يقود لنوع من الخوف، الخوف من فقدان شيء ما Fear of Missing Out(FMOM)، وهذا مصطلح بات متداولًا حتى من قبل الأوساط الأكاديمية وتم تمييزه بأنه متلازمة وبالتعريف هو التخوف المنتشر أن يفقد الشخص تجربة ممتعة يمر بها الآخرون، هذه المتلازمة نشأت أساسًا بسبب شبكات التواصل الاجتماعي ويتميز الأفراد المصابون بهذه المتلازمة بأن لديهم رضى قليل عن الذات، ولديهم قلق عالي تجاه ما يجهلونه من أخبار تطفو على المواقع ويتحدث عنها الجميع، ولديهم تفكير مستمر بعدد اللايكات المرتفع التي يحصدها الآخرون مقابل العدد القليل الذي يحصلون عليه، وبطبيعة الحال يرتبط كل ذلك باتصال عال بشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة [6]و [7]و [8].

نسحب ذلك على مصادر المعلومات، فهذا الجيل أول جيل يملك مصادر شبه لا نهائية للمعلومات، ويستطيع التنقل من شاشة لأخرى بشكل سريع للحصول على المعلومة، بل ويفضل المواقع التي تجمع له الأخبار من أماكن مختلفة وتدمج الأخبار الخفيفة والثقيلة مع بعض، مثل Flipboard وBuzzfeed و Reddit. إن كثرة التنقلات بين الأخبار تؤثر على قدرة الجيل بالحفاظ على انتباهه وفي الحقيقة فإن الكثير من أبناء هذا الجيل يعانون من ضعف التركيز لفترات طويلة، ويذهب الكثير من الخبراء لتقدير قدرتهم على المحافظة على التركيز لمدة 8 ثواني فقط [9]، وهي لمن يلاحظ تقريبًا نفس مدة الفيديو الذي تسمح به سناب شات (10 ثواني) وهي أيضًا تقارب مدة الفيديوهات على تطبيق Vine (وهو تطبيق مشابه لسناب شات مدة المقطع فيه 6 ثواني، لكنه يعمل على إعادة تشغيل المقطع بشكل متكرر). وهي أيضًا تقارب المدة التي يعرض عبرها اليوتيوب إعلاناته قبل بدء المقطع ( 5 ثواني). إذن نحن أمام جيل يفقد قيمة الصبر والانتظار ويريد الحصول على كل شيء في وقت واحد. ويمكن مقارنة هذا الوضع، بالوضع الذي عاشه ممن هم من جيلي، عندما كنا ننتظر يوم كامل لمتابعة حلقة جديدة من الكابتن ماجد مثلًا، في حين يمكن الآن الوصول لكل الحلقات عبر اليوتيوب دون الحاجة لأي انتظار، بل وحتى إن كان برنامج الكرتون جديدًا، يمكن الوصول للحلقات غير المدبلجة منه ومشاهدتها دون الحاجة للانتظار، وهذه المقارنة حقيقة، بالرغم من طرافتها.

مع ملاحظة أن الأغلبية الكبرى من مستخدمي تطبيقي سناب شات وفاين هم بأعمار أقل من 24 سنة [10]و[11]. وهذا في الواقع يقول أن الجيل Z يفضل هذه المواقع على الفيسبوك (المفضل لجيل الألفية) وحتى على الإنستغرام (أغلب مستخدمي الإنستغرام هم بين 25-34) وبالتالي فلا مفاجئة أن يحاول الفيسبوك تقليد السناب شات حرفيًا في محاولة لجذب هذه الفئة. وبينما يفضل جيل الألفية التراسل عبر الرسائل النصية، يفضل الجيل Z التراسل عبر الصور والإيموجي. بل إن نسبة معتبرة من الجيل Z يميل لاستعمال الستيكرات stickers أكثر من الإيموجي (سبب آخر لانتشار المصلقات)، مع أن أكثر من 97% من هذا الجيل يعرف معنى الإيموجي مقابل 58% من جيل الألفية. وفوق كل ذلك، فإن التكنولوجيا نفسها مكنت هذا الجيل من البحث بالصوت دون أن يضطر أن يكتب أي شيء، ليس البحث فقط، بل حتى كتابة رسائل نصية وبريد الكتروني وغير ذلك، وبذلك انتفت الحاجة للكتابة . يستطيع طفل بعمر 6 سنوات مثلًا أن يبحث باستخدام الصوت عن مقاطع اليوتيوب المفضلة لديه، حتى لو لم يعرف كيف يمكن أن يكتب ما يبحث عنه (عن تجربة شخصية)، كما يستطيع طفل بعمر 12 سنة أن يشتري عبر الإنترنت أو أن يطلب بيتزا مثلًا ويدفع ثمنها عبر المساعد الصوتي، دون الحاجة لوجود الأهل أساسًا (طالما سمحوا بذلك عبر الإعدادات)، ويمكن تخيل خطورة وصول عامل توصيل البيتزا للمنزل بغياب الأهل مثلًا، مع ملاحظة أن هذا هو أقل المخاطر التي يمكن تخيلها من جراء وضع كهذا. فمثلًا عبر بعض الأهل عن قلقهم بسبب أن المساعد الصوتي يدرب أطفالهم على الفظاظة، حيث إنهم غير مضطرين ليتحدثوا بلطف مع جهاز إلكتروني [12].

بالرغم من كل هذا الاتصال بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن 80% من أفراد هذا الجيل يفضل الأحاديث المباشرة [13]. وكما أسلفنا في بداية المقال وفي المقالات السابقة فإن هناك الكثير من التغييرات الاجتماعية التي حصلت أمام هذا الجيل، وغيرت مفاهيمه. فمثلًا في الأجيال السابقة، كان الطفل المميز في المدرسة وبين أقرانه هو الذي لديه بنية رياضية ويجيد العزف على أدوات موسيقية ( يمكن ملاحظة البرامج التلفزيونية القديمة التي كانت تستهدف المراهقين مثل saved by the bell)، لكن لهذا الجيل فإن الطالب المميز هو الذي يعيد تدوير أغراضه، ويعرف ماذا يجري في العالم ويريد صناعة حلول لمشاكله 12. بل إن نسبة استهلاك الكحول والمخدرات في أوساط المراهقين انخفضت للنصف منذ 2001 في بريطانيا [14] ولمن يعرف المجتمعات الغربية وحياة المراهقين فيها، سيدرك أن هذه تغييرات جذرية فعلًا. بل أكثر من ذلك، 88% من أفراد هذا الجيل يعتبرون أن علاقتهم مع أهلهم مميزة جدًا، وأن أهلهم يمثلون نماذج للاقتداء بها [15]، ولا غرابة أن تجد الكثير من الدراسات أن أكثر من نصف أفراد هذا الجيل يثقون بأهلهم ويستشيرونهم بالقرارات التي ينون اتخاذها [12].

الجيل Z والدين

من خلال بحثي في هذا الموضوع، فإن المنطقة الوحيدة التي لا يوجد إجماع عليها بين الدراسات هي البعد الديني لهذا الجيل. يرى بعض الباحثين أن هذا الجيل هو أول جيل بعد مسيحي في الولايات المتحدة وأن 39% منهم يعتبرون أنفسهم بلا دين [16]، في حين تجد بعض الدراسات أن 41% ينتظمون في ممارسات دينية أسبوعية كزيارة الكنيسة [17] وإن صحت هذه النسب فهي أعلى من التي كانت في الأجيال السابقة [18]. وفي حين وجدت بعض الدراسات أن 78% من أفراد هذا الجيل أنهم يؤمنون بالإله [12] ، فإن دراسات أخرى وجدت أن 47 % هم كذلك، وأن 31% منهم يعتبرون أنفسهم روحانيين 16، وكما هو ملاحظ فهناك الكثير من الاختلاف بين هذه الأرقام وما تعنيه، وتطرح مفارقة بين ما تقدمه من عدد الأفراد المؤمنين، وبين عدد المنتظمين فعليًا في الكنائس. حيث إن عدد المنتظمين هو أقل بكثير من هذه الأرقام [19] مما يدفع بالاعتقاد أنهم قد يكونون فعلًا متدينين لكنهم لا يتبعون مؤسسة دينية وبالتالي لا يخضعون لسلطانها [12]. وفي واقع الأمر، فإن هذا الجيل قد يكون ملحدًا دون الحاجة لنفي وجود الإله، وهو مابات يعرف بالإلحاد 2.0 بمعنى أن وجود الإله من عدمه ليست مسألة مهمة في اعتقاده، والأهم هو ما هي حاجته للإله، وما هي العلاقة معه [20]. هو أكثر ميلًا ليكون «لا أدري» أكثر من كونه ملحدًا. والمفارقة أن بديل إلحاده ليس العلم، فهناك أصوات تتعالى غربيًا تنتقد الملحدين القادمين من خلفيات علمية مثل ريتشارد دوكنز، لأنهم ببساطة أهملوا وتجاهلوا الحاجة الروحية والنفسية للدين، فهم يتعاملون مع العلم والحقائق العلمية الصارمة، في حين مجال الدين مجال نفسي أكثر [19]. وبالتالي فهذا الجيل، قد لا تكون لديه مشكلة حقيقية بوجود الإله من عدمه، وقطعًا هو غير مهتم بكون دين محدد صحيحًا أم لا. هو يبحث عن نوع من الروحانية، قد يجدها في الفضاء والتامل واليوغا، وقد يجدها في الأديان نفسها، دون أن يمارس الشعائر، بل قد يتخذ الفلسفة الدينية مصدر إلهام له.

الجيل Z والتعليم

أما عن التعليم، فإن الإمكانيات التكنولوجية الكبيرة المتوافرة أمام هذا الجيل، تجعل حتى أنماط تعلمه مختلفة. فهناك محركات البحث والتي تعرض له المعلومة التي يبحث عنها، والتي يستعد أن يتقبلها كما هي دون أن يتحقق من دقتها [21]. يحب هذا الجيل الأمثلة العملية ويتعلم من خلالها. ليس لدى هذا الجيل أي مشكلة في أن يتعلم لوحده، ولذلك نشهد انطلاقة الكثير من الكورسات والمواقع عبر الإنترنت. غير أنه في الصف، يحب هذا الجيل العمل الجماعي. مع ملاحظة أن هذا الجيل لا يستطيع التركيز لفترات طويلة أثناء المحاضرات، فإن هذا يفرض نمطًا جديدًا من التدريس في الجامعات والمدارس، نمط يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات والفيديوهات وغيرها من الأدوات، ويخضعها لتصبح أدوات تعليمية لهذا الجيل. وبدلًا من أن يقدم لهذا الجيل تعليمات حرفية ليحفظها، فيجب أن يدرس عن طريق دراسة الحالات case study والتي تجعله يفكر كيف يمكن أن يستعمل المعرفة المتواجدة أمامه.

وختامًا

بطبيعة الحال، هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا المجال، وهناك الكثير من الأبحاث عن هذا الجيل، وسيكون هناك المزيد والمزيد من تلك الأبحاث، فهذا الجيل بدء فعلًا بالدخول لسوق العمل، وهناك حاجة ملحة لفهمه وفهم طريقة تفكيره، وخلال سنوات قليلة قادمة، سيقود هذا الجيل الاقتصاد العالمي، وسيبدأ بالتسرب في مفاصل الحكومات ويبدأ يعمل بالسياسة. قد لا تنطبق هذه الصفات التي وردت في المقالات على كل فرد غربي منتم لهذا الجيل، لكنها وبشكل عام صفات تم الحصول عليها عبر استطلاعات رأي مختلفة. قد لا تنطبق على الشباب العرب الواقعين بالولادة ضمن التواريخ هذه، فالمشاكل التي يعانيها الشباب العربي مختلفة من حيث الشكل والنوع والكم عن تلك التي يعانيها الشباب الغربي. لكن قد يكون هناك أشياء مشتركة، والأهم أن الشباب العربي، وبسبب تزايد انفتاحه على العالم الغربي، فهو سيتأثر بشكل كبير بما يجري هناك وبالتيارات المختلفة التي تتحرك فيه. من يشكك في ذلك، عليه أن يتذكر مراحل الخمسينيات والستينيات في العالم العربي، وكيف تأثر الشباب حينها بكل تلك الأفكار الغربية الواردة إليهم، مثل الشيوعية والاشتراكية والماركسية وغيرها. ولنتذكر أن ذلك حدث بدون وجود الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية. في المقال القادم سأحاول التعرف على الشباب العربي من خلال بعض الدراسات المنشورة عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد