في شهر يونيو (حزيران) الماضي، حضرت مؤتمرًا للتعليم الجامعي في ولاية فيلاديلفيا في الولايات المتحدة. سمة المؤتمر العامة هو المستقبل، وبالتحديد البحث في الثورة التكنولوجية الهائلة الحاصلة في العالم، وكيف يمكن الاستفادة منها لمساعدة الطلاب في الصفوف الدراسية على التعلم.

في المؤتمر كان هناك الكثير من الاختراعات وتطبيقات الموبايل وغيرها، بعضها متوفر مباشرة في الأسواق، وبعضها مايزال تحت التطوير، وكلها تقول: إنها تساعد الطلاب والمدرسين في الصفوف الدراسية المختلفة بشكل أو بآخر، لكن في تقديري أهم جلسة في المؤتمر كانت عن الطلاب أنفسهم. وبالتحديد الجيل الجديد الذي دخل الجامعات في السنوات القليلة الماضية وبدأ يتخرج، والمتوقع استمرار دخوله للجامعات خلال السنوات القادمة. هذا الجيل يُعرف غربيًا بالجيل Z، وهم الطلاب المولودون بين عام 1995 و2010. وحاليًا هناك عدد لا باس منه من الأبحاث التي تشرح هذا الجيل وتحاول أن تفهمه. سأعرض بعض المعلومات العامة عن هذا الجيل في ثلاث أو أربع مقالات، هذا أولهم.

الأجيال الغربية:

يتم ترتيب الأجيال الغربية بدء من بدايات القرن الماضي على الشكل التالي:

1. الجيل الضائع: مواليد 1883-1900 وهم الجيل الذي دخل الحرب العالمية الأولى، أطلق المصطلح الكاتبة الأمريكية Gertrude Stein جيرترود شتاين، وشهره آرنست همينغواي عندما استعمله في رواياته. ويشير بشكل عام لأولئك الشباب الذين هاموا على وجوههم بعد الحرب العالمية الأولى، لبدايات فترة الكساد الكبير.

2. الجيل العظيم: مواليد 1900-1925: سمي بالعظيم لأنهم واجهوا فترة الكساد الكبير ودخلوا بالحرب العالمية الثانية.

3. الجيل الصامت: مواليد 1925-1940: سمي الصامت لأنه ركز على النجاح المهني بدل من النشاط السياسي، والعديد من أبناء هذا الجيل، فضلوا التكيف والتأقلم مع ما هو سائد، بدلًا عن المواجهة. من المفارقة أن أشهر قائدين لحركات التحرر الاجتماعي للسود في الولايات المتحدة: مارتن لوثر كنغ الابن، ومالكوم إكس، هما من مواليد هذا الجيل. كما أنه الجيل الوحيد الذي لم يصل منه رئيس للولايات المتحدة.

4. جيل طفرة المواليد: مواليد 1945-1964: المواليد الذين خلقوا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الجيل الذي عايش الرخاء الاقتصادي بالثمانينات. هذا الجيل يعتبر نفسه مميزًا جدًا عن الأجيال التي سبقته، فهو من حيث العدد أكبر من الأجيال التي سبقته، وهو أول جيل يتم إخضاعه للدراسة والفحص. هو الجيل الذي أنتج موسيقاه الخاصة المتمثلة في الروك آند رول، وهو الجيل الذي استمع للراديو بكثافة، وأول جيل يكبر مع وجود التلفزيون، وهو جيل الهيبيز بامتياز. هو الجيل الذي عاصر تقريبًا أهم الأحداث السياسية والاجتماعية في العالم، مثل الحرب الباردة، واغتيال كيندي، والحريات الجنسية وغيرها. نشأ هذا الجيل وتربى على الاعتقاد والإيمان بالحلم الأمريكي، وامتلاك منزل وسيارة وغيرهما من الممتلكات، كالتلفاز والأدوات المنزلية، وثبت النزعة الاستهلاكية كنمط للحياة الأمريكية، وأول جيل يستعمل الكريدت كارد[1]. هذا الجيل الذي التزم بمواعيد العمل من الثامنة للخامسة. أبناء هذا الجيل سينجبون أبناء جيل الألفية بعد عدة عقود.

5. الجيل X هو جيل مواليد منصف الستينات لبداية الثمانينات: هو جيل صغير نسبيًا من حيث العدد. الجيل الذي نشأ وحده؛ لأن الأب والأم كانا يذهبان للعمل، أو لأنهما تطلقا؛ مما أسهم بكونه جيلًا مستقلًا وبراغماتيًا ومتكيفًا ومتشككًا وساخرًا في نفس الوقت، وإلى حد ما غير متطلب. هو الجيل الذي تشأ في الوقت الذي بدأت فيه شبكات التلفاز ومحطات التلفاز بالازدهار والشعبية لدرجة أن تؤثر على ثقافته. أبرز هذه المحطات هي MTV وأبرز مطربي الجيل مايكل جاكسون. هذا الجيل الذي عاصر النماذج الأولى من الحواسيب الشخصية من آبل وأي بي إم IBM وهو الجيل الذي بدأ يتعلم الكمبيوتر في المدارس؛ وبالتالي تعلم كيف يخضع التكنولوجيا ويطورها. هذا الجيل أصدر موسيقاه وثقافته الخاصة المتمثلة بالهيب بوب، وهو الجيل الذي تابع بشغف مسلسل Friends حتى سمي باسمه [2][3]. وبعكس الجيل الذي سبقه، فإن هذا الجيل شهد الأزمة المالية في 2008 وهو في عز سنوات عطائه، وفي الوقت الذي يتوقع أن يحصد ثمار عمله الدؤوب، وبالتالي شاهد أحلامه تتهاوى، وهو الجيل الذي فتح عينيه على حادثة مكوك الفضاء تشالنجر، وتعلم باكرًا عدم الاطمئنان، وللمفارقة كان هو الجيل الذي أتى منه لاحقًا معظم من ساهم بعمليات الإنقاذ لأحداث 11 سبتمبر (أيلول). كل تلك الأحداث التي عاصرها هذا الجيل، جعلت تصنيفه صعبًا، بحيث لا يوجد سمة مميزة وعامة يمكن أن يوسم بها هذا الجيل[4]. غير أن هذا الجيل لعب ويلعب دورًا هامًا في العالم اليوم، أبناء الجيل X هم آباء الجيل الحالي، الجيل Z. أولئك الآباء الذين نشأوا لوحدهم، وشعروا بطعم فقدان الأب والأم، ولديهم حس عالي من الاستقلالية، سيدربون أبناءهم على الاستقلالية، لكن سيقدمون الدعم المطلوب لأبنائهم وسيقفون بجانبهم، ولذلك سيحاولون جاهدين إيجاد التوازن بين العمل والمنزل[5]، وسيعلمون أولادهم أهمية العائلة وأهمية تمضية الوقت معها.

6. جيل الألفية: ويسمى أيضًا بالجيل Y، مواليد بداية الثمانينات لبداية التسعينات، في حين تمد بعض المصادر هذا الجيل لمنتصف التسعينات. الجيل الذي عاصر دخول الألفية، وهو الجيل اللي شهد تطويع التكنولوجيا والكمبيوتر والإنترنت لخدمته. يسمى أحيانًا بالجيل أنا، Me Generation، وهو بالضبط كما وصفته مجلة التايم في غلاف أحد أعدادها من عام 2013[6]. ويوصف بأنه الجيل الذي يتوقع أن يمنح كل شيء له، وبالتالي هو جيل يركز على نفسه، وزائد الثقة بالنفس[7]. سنرى في هذا الجيل الاهتمام بمتابعة الدراسة، والعمل، وتفحص الخيارات للحياة، بدلًا عن الزواج والاستقرار في سن مبكر[8]. وبالتالي فإن هذا الجيل كانت لديه آمال كبيرة من عمله، سواء من حيث الدخل، أو حتى النجاح المهني. 89% من جيل الألفية يرون أن لديهم مستقبل مزدهر[9]، لذلك هو جيل متفائل بامتياز[10] , ولا غرابة إذًا أن يكون هذا جيلًا نرجسيًا.

جيل الألفية هو أكثر جيل متعلم حيث يحمل ثلث أبناء هذا الجيل شهادة جامعية‏7. هو جيل معزول اجتماعيًا لحد كبير، وليس لديه أي مشكلة أن يبقَ وحيدًا ويعمل وحيدًا أو حتى أن يعمل من المنزل. الشيء مميز في هذا الجيل أنه يمكن تقسيمه لجيلين[11]، جيل الذين ولدوا قبل 1989 وجيل الذين ولدوا بعد 1989، حيث أنه هناك بعض الاختلافات بينهما. فمثلاً حين صدور الآيفون في 2007، ومن ثم الأزمة المالية في 2008، كان مواليد قبل 1989 بالغين، ومستعدين أن يدخلوا سوق العمل، في حين من ولدوا بعد ذلك التاريخ، فبالكاد كانوا تخرجوا من الثانوية العامة. هذان الحدثان غيرا كثيرًا في الأشخاص الذين عاشوهما، وبالتالي فإن هناك تجارب مختلفة وبالتالي استنتاجات مختلفة عن جيل الألفية. فبعض الدراسات ترى مثلًا أن جيل الألفية ليس متمحورًا حول ذاته، بل ببساطة هو طموح جدًا ويريد أن يقوم بفعل شيء ليغير العالم[12].

7. الجيل Z: هو جيل مواليد منتصف التسعينات لحدود 2005-2009، وهو الجيل الذي سنتحدث عنه بالتفصيل.

هذه التصانيف للأجيال، تنطبق بشكل أساسي على الأجيال الغربية بشكل عام، لكن أعتقد أنه بدءً من جيل الألفية، يمكن سحب بعض الاستنتاجات والدراسات التي تمت على جيل الألفية، على العرب المولودين في نفس الفترة. وأعتقد أنه مع الجيل Z يمكن فعل ذلك أيضاً مع أريحية أكبر. السبب لاعتقادي ذلك هو أننا اليوم في عالم مفتوح تمامًا، حيث إنه وكما هو ملاحظ يتأثر الشباب العرب بكل ما يحدث في العالم الغربي وكل ما هو منتشر هناك. إن أي تريند عالمي سيكتسب شعبية في العالم العربي، ويمكن تذكر بعض الأغاني التي انتشرت غربيًا ووصلت للعالم العربي وانتشرت أيضًا مثل غامبا ستايل أو مؤخرًا ديسباسيتو على سبيل المثال. وهذا دون أن نذكر الأزياء أو التكنولوجيا أو الأفكار[13]. وبالتالي فإن جزءً من طلاب الجامعات العربية، يمكن اعتبارهم من الجيل Z، وهم جزء من المواطنيين العالميين، وهو اسم مرادف للجيل Z.

التسمية

كما هو ملاحظ من القائمة أعلاه، فإن آخر ثلاثة أجيال قبل الجيل ألفا، أخذت أسماء الأحرف X, Y, Z وفق الترتيب الأبجدي في اللغة الإنجليزية. غير أن هذه التسمية ليست الوحيدة لهم، فمن أسماء هذا الجيل أيضًا iGen، وDigital Natives.

محطة MTV أسمتهم The Founders بناء على دراسة أجرتها في العام 2015[14]. يقول رئيس المحطة: إن الاسم يعكس حقيقة أن جيل الألفية عطل المجتمع، فإن الجيل Z سيعيد بناءه (لديهم وعي أن الأنظمة الحالية معطوبة، لكنهم لا يقولون سندعها تتعطل أكثر). من المهم ملاحظة أن محطة MTV ساهمت أساساً في تشكيل جيل الألفية وأثرت فيه كثيرًا، وهي تحاول أن تدرس الجيل القادم لأهداف تجارية وتسويقية بحتة ولمحاولة التأثير فيه أيضًا.

من الأسماء التي تعطى لهذا الجيل أيضًا هو جيل 9/11، أي جيل أحداث سبتمبر (أيلول)، الجيل الذي يريد أن يشعر بالأمن والذي كبر على عالم لم يعد آمنًا. إن أحداث 11 سبتمبر (أيلول) هي من تحدد الانتماء لهذا الجيل من جيل الألفية، فإذا كان الشاب أو الفتاة يتذكرون أحداث 11 سبتمبر فهم ليسوا من الجيل Z. في الواقع كانت أحداث سبتمبر إحدى أوائل الصدمات التي ستغير العالم الذي يعيشون فيه، ومع أنهم بالكاد كانوا دخلوا الحضانة لحظة وقوعها، فإنهم سيكبرون وبلادهم في حرب. في الواقع، هذا هو الجيل الوحيد الذي نشأ والولايات المتحدة في حروب مستمرة منذ أن أدركوا العالم.

كيف يصف الجيل Z نفسه؟

كثيرة هي المقارنات بين جيل الألفية والجيل Z، بحكم أنهما آخر جيلين، وهذه المقارنات تبدأ بالعلاقة بالتكنولوجيا وتنسحب على كل جوانب الحياة، بما فيها البيئة والنظرة للذات وللآخر، وأخلاقيات العمل. بشكل مختصر، يصف الجيل Z نفسه بأنه مخلص، 85% منهم يصفون أنفسهم بأنهم كذلك [15]، وهم بالتالي لن يتخلوا عن أصدقائهم وعائلاتهم وسيكونون موجودين دائمًا لتقديم الدعم. 73% يصفون أنفسهم بأنهم متفهمون وعطوفون [15]  وكيف لا، وهم نشأووا في ظل حروب شبه عالمية، وإرهاب عابر للقارات، إضافة للوصول لكم لا محدود من المعلومات، فهم يرون (وليس فقط يسمعون نسخة مفلترة عن تلك الحروب من الراديو أو التلفاز كما حصل مع الأجيال السابقة) بأم أعينهم ما تفعله الحروب بالآخرين. كما يصف 80% من هذا الجيل نفسه بأنه يفكر بالآخرين وبشكل معمق thoughtful، وهم بعكس جيل الألفية، فإنهم يفهمون المشاكل المختلفة التي يواجهها الناس [15]، سواء بيئية أو اجتماعية أو سياسية، وتتمحور رؤيتهم عن العالم، بالتفكير بكيفية حل هذه المشاكل، وهذا يتطابق مع دراسة MTV المذكورة أعلاه.

يصف هذا الجيل نفسه أنه متقبل ومنفتح تجاه الآخرين، 70% قالوا إنهم كذلك [15] . وفي دراسة أخرى لجامعة كالفورنيا – لوس أنجلوس وصف 70% أنفسهم أنهم يتفهمون الآخرين، بشكل عالي، أو أعلى من المتوسط، من بقية قرنائهم [16]. من المتوقع أن يكون هذا آخر جيل، يكون البيض فيه أكثرية في الولايات المتحدة، حيث أن 55% فقط من أفراد الجيل Z هم من البيض [17]. وبالتالي يفهم الجيل Z ذلك جيدًا ويتعامل معه بواقعية عالية.

في الواقع، إدراك ذلك الاختلاف للجيل Z، جعله متقبلاً للكثير من الأفكار الجديدة، مهما بدت غريبة أو شاذة. هو ليس فقط متسامح تجاه الآخر المختلف كجزء كبير من جيل الألفية، لكنه متقبل لذلك الآخر المختلف. لذلك يتوقع أن يكون هذا الجيل، هو الجيل الأقل عنصرية بين بقية الأجيال. هو إذن متقبل لذلك الآخر، مهما كان مختلفًا، سواء عبر النوع الاجتماعي أو اللون أو الدين أو العرق أو الهوية الجنسية أو غير ذلك من الهويات المختلفة. وفي الواقع فإن الهوية كمفهوم، هو أمر غير ثابت لدى أفراد هذا الجيل، بل يتغير وفق اللحظة، ووفق تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، بل ووفق الهاشتاغ المنتشر.

يرى أفراد هذا الجيل أن الهوية تبنى بشكل اختياري، ولا تمنح أو تعطى من فوق أو بحكم الانتماء، أي أنها شيء يضاف ويمكن لبسه مثلاً ولا يكتسب بالولادة [18]. بكلمات أخرى لا يوجد قيمة مركزية أو فكرة كبيرة يجتمع عليها هذا الجيل. هناك أفكار عامة كحب الإنسانية، والاهتمام بالبيئة، لكن لا يوجد شيء أبعد من ذلك. هذا يعني أن الجيل Z، هو جيل
أقل أيدلوجية وأكثر براغماتية وعملية من الأجيال السابقة [19]، وقد تكون هذه نقطة في صالحه، لكن في نفس الوقت، تعني أنه أقل استعدادًا للنضال من أجل قيم كبرى، خاصة وهو يرى أن النظام السياسي معطل في بلده وبحاجة للإصلاح؛ مما يشعره بعدم الانتماء.

أفراد هذا الجيل يبدون سعداء، بالرغم من بالكثير مما يجري حولهم مما يشعرهم بعدم الأمان. فمثلًا وجد استطلاع لمنظمة الصحة العالمية في 42 بلد غربي نشر العالم الماضي أن هناك شعورًا عاليًا بالرضا عن حياتهم يتجاوز 75% للإناث و87% للذكور [20]، وهذه نسب مرتفعة وإن كان من الصعب معرفة كيف ستكون لنفس هؤلاء الأفراد بعد عدة سنوات.

في المقال القادم سنتبحر قليلًا بمفهوم النوع الاجتماعي، وكيف يراه أفراد هذا الجيل، كما سنتحدث عن علاقة الجيل Z بالتكنولوجيا، وكيف غيرت حياته.

____________________________________________________________________________________________________________

المصادر
[1]BABY BOOMERS
[2] The MetLife Study of Gen X: The MTV Generation Moves into Mid-Life
[3] csmonitor
[4] generation x whats in the_b
[5]boomers struggle to find their balance regus worklife balance report 2013
[6] millennials the me  generation
[7] get ready for generation z
[8] the stereotypes some facts about millennials
[9] Generation on a Tightrope: A Portrait of Today’s College Student. By: Arthur Levine, Diane R. Dean
[10] millennials want it all and they just may get it
[11] young old millennial partner
[12] forget self centered millennials could be most ambitious generation
[13] impact of globalization
[14] millennials mtv generation
[15] Generation Z goes to college. Corey Seemiller and Meghan Grace.
[16] The American Freshman: National Norms Fall 2016 .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد