أحمد أبو محسن
أحمد أبو محسن

أسعفتني المواقف الحياتية التي تمر بنا في كل يوم نحو الكتابة عن موضوع يلامس العقول قبل الأفئدة، موضوع نحتاجه لكي نبني فيه أنفسنا، والارتقاء بها لنحظى بكمية جذب الناس إلينا من حقل تصرفاتنا المتشعبة خلال شريط حياتنا اليومية.

ينقصنا في هذه الأيام ركن من المفترض أن يكون ملازمًا لنا في درب حياتنا، وهو الذوق في التعامل مع الغير في كل مجالات الحياة، فالذوق يعتبر خُلق عظيم يقرب قلوب الناس إليك، ويجعلهم يتصارعون من أجل أن يصاحبوك، ويمضوا معك كثيرًا من الوقت، فهذا الخلق اعتنقه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتميز به فمدحه عز وجل: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، والذي يتميز بالذوق يكتسب من خلاله مجموعة من الأخلاق التي وصى به رسولنا الكريم وأثنى عليها في قوله: (إنَّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدُكم مني يومَ القيامةِ الثَّرْثَارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ والمُتَفَيْهِقونَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ما المتفيهقون؟ قال: المتكبِّرونَ).

الذوق في الكلام

ما أجمل أن يصدر من بوتقة قلبك حديثًا يعبر عن مدى عظمة فؤادك وكما يقولون بالعامية: (إللي في قلبه على لسانه)، حديثك مع الناس في سجالات الحياة بهدوء ورزانة دون التطرق للصراخ والتضجر والعصبية المبالغة، يدفع الناس لنيل محبتك وصداقتك، إليك هذا الموقف: كان أحد التابعين يسير هو وابنه الصغير في الطريق، فرأى الولد كلبًا يمر، فقال الولد: امضِ يا كلب يا ابن الكلب. فقال أبوه: إياك أن تقول هذا. فقال الابن: لماذا يا أبت؟ وهو كلب وابن كلب. فقال الأب: يا بني.. أنت قلتها للتحقير لا للإثبات، ولا ينبغي أن يخرج من فمك هذا.

الذوق في الإحساس

تكمن روعة روح الإنسان في مدى توظيف ذوقه في ملامسة شعور غيره من الأفراد، فعندما يلاحظ حزن صديقه من الحياة يقترب منه يتحسس حالته ويعيشها معه ويشاركه لحظته ويحاول التخفيف من وضعه ويساعده في انتشاله لسماء السعادة دون السخرية منه.

الذوق في احترام الذات

أن تجدَ شخصًا يائسًا من حياتهِ، متحوقلًا على درب الإحباط ينشر عدوى اليأس بين الناس، فتجد النتيجة أن يبتعد عنه البشر، فليس من المعقول أن اقترب من الذي يرسيني إلى ميناء الفشل، والعكس عندما تكون ناشرًا لعبير التفاؤل وتزرع رحيق الأمل في نفوس المتشائمين؛ فتجدهم يقتربون منك كالمغناطيس يحتاجونكَ في كل وقت لكي تعززَ فيهم معنى الحياة.

الذوق في الابتسامة

من أبرز ما يضفي الجمال على الوجه هي الابتسامة الساطعة التي تصدر من وحي القلب، البسمة هي التي تعطي لغيرك السعادة بمجرد استخدامها في ملاقة الناس الذين تتعرف عليهم من أول مرة، فتدخل إلى قلوبهم دون جواز ولا بطاقة عبور، وهذا الأمر لا يجعلك تشرع ابتسامتك طوال الوقت حتى تحصل على ملاطفة منهم أو مجاملة عابرة، فكثرة إطلاق الابتسامة تعبر في أذهان الناس عن سخافتك.

وأيضًا من الذوقيات المضافة في قاموس الذوق إزالة الأذى عن الطريق، والاستذان قبل الدخول إلى أي مكان، وأحيانًا ينزل الإنسان عند أقاربه ضيفًا، ويمكث يومًا أو اثنين أو ثلاثة ويكرمه أهل البيت، وتتفنن الزوجة في الضيافة، وتجتهد لترضي ربها، أولًا ثم لترضي زوجها باستضافة أهله وإكرامهم، وتكون الطامة حينما يمكث الضيف أسبوعًا أو أكثر ، فيصبح هذا الضيف ثقيلًا، وإذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل، ولكنه لا يعلم.

فبحر الذوق كبير جدًا توظفه أينما ما كنت في بيتك وفي الشارع ومكان عملك فهو أساس الخُلق، وأيضًا هو بمثابة الحلي التي يتزين بها الإنسان فتظهره بأبهى صورة، كأنه يخبرك أنه هو الذي يصنعك أمام الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك