يهتم كثير من الطلاب بتعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها، ودائماً ما يتساءلون عن الفروق بين الإنجليزية البريطانية والإنجليزية الأمريكية. وغالباً ما يصيب الطلاب بعض الحيرة في تحديد أولوية اللهجة التي يدرسون بها؛ خاصة في ظل انتشار الكثير من الكورسات والمراكز التدريبية التي تتبني لهجة بعينها وتحاول إبراز سهولة هذه اللهجة وجودتها عن اللهجة الأخرى. فهل فعلاً توجد أفضلية للهجة الأمريكية على اللهجة البريطانية أو العكس، وهل يشكل الاختلاف بين اللهجتين عائقاً أمام متعلمي اللغة الإنجليزية؟

سأجيب عن هذه الأسئلة في نهاية المقال، ولكن بعد أن أسلط الضوء على التطور التاريخي والأسباب التي أدت إلى التباين بين الإنجليزية الأمريكية والإنجليزية البريطانية، وانعكاسات هذا الاختلاف على أسلوب التعامل وطريقة الحوار.

فرضت اللغة الإنجليزية نفسها اللغة الأم في الولايات المتحدة الأمريكية إبان عصور الاستعمار البريطاني للأمريكتين، في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، في ظل انتشار اللغات الأوروبية الأخرى مثل الألمانية والفرنسية والهولندية والبرتغالية، حيث تركت كل لغة بصمتها على اللهجة الأمريكية بحكم استعمار هذه الدول لأمريكا لفترات معينة. ولكن حركة استيراد الكتب من إنجلترا وطول فترة الاستعمار البريطاني لأمريكا ساهم في أن تكون اللغة الإنجليزية هي اللغة الأم في أمريكا.

إلا أن نشاط حركة المفكرين والأدباء الأمريكيين كانت الشرارة الأولى لبدء تقسيم اللغة الإنجليزية إلى لهجة أمريكية ولهجة بريطانية. فقد دعا عالم المعاجم الأمريكي «نوح ويبستر» (Noah Webster) في عام 1789م بأن تختلف الإنجليزية الأمريكية عن الإنجليزية البريطانية. وقد بدأ بنفسه حينما ألف قاموسه الأمريكي للغة الإنجليزية واستخدم فيه معايير جديدة لهجاء الكلمات وصياغتها. وقد برر ذلك باختلاف اللغات النمساوية والسويدية التي نشأت من رحم اللغة الألمانية.

ثم بزغت الثورة الصناعية التي جلبت معها الحاجة إلى العديد من الكلمات والمصطلحات الجديدة التي عبرت عن المنجزات والاختراعات الصناعية. فقد بدأت كل دولة (أمريكا وبريطانيا) في استخدام مصطلحات خاصة بها تشير إلى هذه المنجزات، خاصة مع وجود مهندسين ومصممين في كلتا الدولتين أعطوا إبداعات خاصة بهم في تسمية هذه المنجزات، في ظل عدم وجود معايير لغوية متفق عليها بين الدولتين لتسمية هذه المنجزات، بالإضافة إلى البعد الجغرافي بينهما على الرغم من السفر ذهاباً وإياباً عبر المحيط الأطلسي، وعلى الرغم من دراية مواطني الدولتين باختلاف هذه المصطلحات. أبرز مثال على ذلك كلمة «السكك الحديدية». فالأمريكيون يستخدمون مصطلح railroad بينما يستخدم البريطانيون مصطلح railway. وللتعبير عن إختراع «الزجاج الأمامي للسيارة» استخدم الأمريكيون مصطلح windshield، بينما استخدم البريطانيون مصطلح windscreen. كذلك للتعبير عن كلمة «مزلقان» استخدم الأمريكيون مصطلح grade crossing، بينما استخدم البريطانيون مصطلح level crossing.

ومن أهم الأسباب أيضاً التي أدت إلى اختلاف اللهجتين، تأثير اللغات الأخرى التي ترسخت في اللهجة الأمريكية حتى بعد حصول الولايات المتحدة الأمريكية على استقلالها، وذلك بسبب استمرار تدفق الكثير من المواطنين من مختلف أنحاء أوروبا إلى الشواطئ الأمريكية. وقد ساهم هؤلاء المهاجرون بالعديد من الكلمات التي تميز الإنجليزية الأمريكية عن الإنجليزية البريطانية. وقد كانت اللغة الفرنسية إحدى هذه اللغات التي أضافت للهجة الأمريكية، ولعل أبرز دليل على ذلك تسمية الولاية الأمريكية لويزيانا (Louisiana) على اسم الملك الفرنسي «لويس الرابع عشر». ومن الأمثلة الأخرى على تأثير الفرنسية في اللهجة الأمريكية استخدام كلمة bayou بمعنى «نهر أو جدول مائي»، وكلمة gopher بمعني «سنجاب»، وكلمة levee بمعني «سد».

كما تمتلك اللغة الإسبانية الإرث الأكبر من تأثير اللغات الأجنبية في اللهجة الأمريكية، خاصة في تسمية الأماكن والمصطلحات المتعلقة برعاة البقر. فمن الأمثلة على الأماكن الأمريكية التي تحمل أسماء إسبانية مناطق مثل La Jolla التي تقع في ولاية كاليفورنيا، ومنطقة St. Augustine التي تقع في ولاية فلوريدا. ومن الأمثلة على كلمات رعاة البقر التي ماةزالت تستخدم حتى يومنا هذا lasso والتي تعني «حبل» وMustang بمعني «فرس أو حصان»، Rodeo بمعنى «سوق الماشية»، Burro بمعني «جحش أو حمار صغير». ومن الطريف انتشار ظاهرة تسمى Spanglish في أوساط الكثير من الشباب الأمريكيين في الوقت الحالي، وتشير هذه الظاهرة إلى استخدام الشباب الأمريكي للغة تدمج بين الإسبانية والأمريكية. وهذا يدلل على التأثير المتزايد للغة الأسبانية في اللهجة الأمريكية.

كل هذه العوامل السابقة دفعت إلى حدوث اختلاف بين اللهجتين الأمريكية والبريطانية، نتج منه اختلاف بارز في أسلوب وثقافة التعامل. حيث يستخدم الأمريكيون لغة جسد وعادات مختلفة عن الثقافة البريطانية أثناء التفاعل والحوار مع الآخرين. فمن المعروف أن التعبيرات الأمريكية في المحادثات والمواقف اليومية تحمل معاني الود والصداقة أكثر من التعبيرات البريطانية. فمثلاً، يمتلك الأمريكيون المبادرة في بدء حديث مع شخص غريب أو أجنبي مقارنة بالبريطانيين. وللرد على الهاتف، يستخدم الأمريكيون كلمة «مرحباً» Hello، بينما يرد البريطانيون بأسمائهم. وفي نهاية المحادثة يستخدم الأمريكيون أسلوباً خبرياً في الحديث يدل على الود والصداقة مثل «سررت بالتحدث معك» it was nice to talk with you، بينما يستخدم البريطانيون أسلوب الأمر مثل «استمتع بوقتك» enjoy your time. وللرد على كلمة شكراً، يستخدم الأمريكيون تعبير «على الرحب والسعة» You are welcome، بينما يرد البريطانيون بكلمة «لا تهتم» never mind.

كما تستخدم كلمات «السير» Sir. ، و«سيدتي» Ma’am في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما تستخدم في بريطانيا لجذب انتباه أحد الأشخاص، أو للنداء على الزبائن في المطاعم والمحلات، أو للحديث مع مواطنين أكبر سناً أو للتعرف إليهم للمرة الأولى. على النقيض من ذلك، يستخدم البريطانيون في هذه المواقف كلمات مثل Buster بمعني «سيد» أو lady بمعنى سيدة، حيث لا تمتلك هذه الكلمات إحساس الود نفسه والصداقة في الكلمات الأمريكية المناظرة.

على الرغم من التباين الذي فصلناه للتو بين الإنجليزية الأمريكية والإنجليزية البريطانية وانعكاسات هذا الاختلاف على ثقافة التعامل والحوار في كل بلد، فإنه من السهل جداً للمواطنين الأمريكيين والبريطانيين فهم بعضهم بعضًا والتواصل بسهولة. ولكن العقبة الرئيسية تكمن في المتعلم نفسه الذي يتردد كثيراً عند الإقدام على تعلم اللغة الإنجليزية، حيث يحتار ما بين اختيار اللهجة الأمريكية أو اللهجة البريطانية. وغالباً ما يعتقد كثير من المتعلمين بأن هناك أفضلية للهجة على أخرى، وهو بالتأكيد اعتقاد خاطئ مبني على دعايا تجارية وليس على أسس علمية.

لذا، يجب على متعلم اللغة الإنجليزية معرفة أن الاختلاف بين الإنجليزية الأمريكية والإنجليزية البريطانية لا يمثل أي معيار للأفضلية أو التميز، بل هو اختلاف طبيعي نتج من أسباب تاريخية واقتصادية واجتماعية ذكرناها آنفاً. كما يجب أن يشرع المتعلم في حفظ كلمات اللغة الإنجليزية وممارسة تعبيرات محادثاتها دون التقيد بمعرفة ما إذا كانت أمريكية أم بريطانية، على الأقل في المراحل الأولى من تعلم اللغة الإنجليزية. هذا لا يمنع أن يبادر المتعلم – في مراحل متقدمة بعد إجادة اللغة الإنجليزية بشكل كافٍ – إلى التعرف على الفرق بين اللهجتين واتباع إحداها إذا رغب في ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفروق, معرفة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد