دروب الحياة ومشتقاتها هي ما نحياه اليوم وسنحياه غدًا بين دروبٍ نسعى لها ودروب نقع فيها دون ترتيب أو استعداد قد نجد أن في كليهما فروقًا ولكن ما هو حقيقي دون جدال هو أنك في كلا الأمرين المحرك الأساسي الذي يخوض في تلك الدروب سعيًا وراء هدفٍ ما أو في محاولة لتحصيل أكبر استفادة منها، ومن المؤكد أن هذه الدروب يتخللها الكثير من التجارب والعقبات والفرص وربما قد يحيد بك مسار ما سلكته لتنتقل إلى طريق آخر يختلف تمامًا عن ما كنت تسير فيه في حين أنك قد أعددت له لتسير فيه على دراية منك واسعة ومعرفة تظن أنها كفيلة للخوض فيه، وإذ في منتصفه وربما قبل نهايته يتحول الأمر برمته وتجد أنك أوقعت نفسك في الوحل ولربما تجد أنك تسلك طريقًا فقدَ معناه وتساقطت أهدافه فيتشتت بك الأمر بين بداية كانت على أساس معرفة ويقين ونهاية ظلماء تشعر فيها بأنك ينبوع من الجهل أو وعاء يصيبه الهواء فيُحدث صراخًا مدويًا بداخله عاكسًا مدى فراغه بعد أن كان يمتلئ حتى عنانه، ولربما تسلك الطريق برمته حتى النهاية محققًا كل ما سعيت إليه ولكن بعد ذلك تشعر بأن ما حققته وما كنت تسعى له بكل عزيمة أصبح بلا قيمة بالنسبة لك فتجد أن هناك خللًا ما فيثيرك التفكير هل أنا هو ذاك الذي سار على أساس ورؤية وتفكير أم ذاك الذي يسير كالمعتوه خلف كل ما هو براق دون حسبان لتجد نفسك مقيد التفكير في إطار واحد فقط كيف لي أن أخوض هذه التجربة منذ البداية على أساسٍ هاوٍ أولم أكن ذاك الهُمام الذي فتح الباب على مصراعيه لحماسته وكل ما يملك مروضًا إياهم نحو هذا الدرب متخذًا كل أسبابه لتجد أنك تتساءل كيف كانت البداية وكيف تكون لدي ولديك ولدى كل من سن سيوفه لمعركة كان يظن أنها نشأت ليثير غُباره فيها ليجد فجأة أنها لا تنتمي له في شيء بل لم تكن المعركة التي كان قد خُلق هو من أجلها؛ في كل معركة من هذا النمط تكمن رحلة تختلف كل منها عن غيرها في الحكاية ولكل حكاية بطل فدعنا نسِر مع كل بطل واجه هذا المصير.

إذ بشخص يجلس يصارع تفكيره وتفكير من يحيطون به محاولًا بناء قرار مبني على خبراته وخبرات غيره إلى جانب مراعاة دوافعه النفسية التي تشارك في صراعه مع تفكيره منطلقًا بعد ذلك صوب أهداف واضحة وبقرار حاسم لا رجعة فيه وهو أنه سوف يسلك هذا القرار وهذا الطريق إلى النهاية وتبدأ القصة من هنا ويبدأ الصراع آملًا في تحقيق هذا الأمر على أرض الواقع بخطوة تلو الأخرى وإذ فجأة وهو في منتصف الطريق أو قبل انتهائه يجد أنه سلك طريقًا لم يكن ذاك الذي يسعى له فيفتش في قراره ويعاود أهدافه ويحاول أن يبحث عن كل ما هو إيجابي يمكنه من الاستمرار نحو هذا الطريق فيستشعر في تلك اللحظة أنه كالذي يغوص في ماءٍ عَكر كلما أصابه بماء نقي زاد تعكرًا فيسير بخُطا ثابتة نحو الخلف ولكن بلا جديد ويجد في نفسه الرهبة لخوض أي تجربة أيًا كانت أهدافها ومهما كان أمامه من دلائل تشير إلى نجاح ما هو يريد أن يسعى إليه ليبتلعه الخوف فيسير معه في كل اتجاه.

وإذ بآخر دائم الصراع بين قلبه وعقله لكن في نهاية كل صراع يصل إلى قرار يظن فيه أنه الأصوب حيث طالما يصب في قلبه ما يدفئه وعقله ما يشبعه بأنه صاحب القرار الصحيح وأنه ليس في حاجة إلى أن يتبادل النقاش في أموره مع أهل المشورة أو غيرهم، ويفضل أن يكون ذاك الشخص المنطوي بحياته عن الجميع فإذا به يخوض تجربة يسير فيها بقناعة أوجدها في نفسه وإذا به في منتصف التجربة يجد أن ما هو فيه لم يكن ذاك الذي أوجده بداخله ليسعى له فيتشتت به الأمر فتجده لا يستطيع العدول عما هو فيه وكلما أراد أن يحاور نفسه ليقرر إلى أين يسير تُلَاكِمه الأفكار وتصده المشاعر ليس إلا لتعلق قلبه بهذه التجربة فيقف كالشراع تُسيره الرياح أينما هبت لينتهي به الأمر مُلقى على الشاطئ ليس لأنه أراد ذلك فعاد ولكن لأن التجربة كان مصيرها ألا تكتمل فألقت به هناك فتحاصره الصدمة وتلتف من حوله لتطوقه وتجعله أسيرها.

وإذ بغيره يلملم أفكاره في خطا ثابتة دون عناء منه في شيء سوى أنه قرر أن يخوض تلك التجربة سعيًا وراء أهدافه لا يعبأ بما يحيطون به ولا بعاداتهم ولا تقاليدهم فقط هو يريد أن يخوض تلك التجربة ويُسخر لها كل ما تحتاج دون تردد عاملًا لها ليل نهار محدثًا نفسه بأن ما أريده سيكون ويخوض تجربته وينجح في تحقيقها بشكل كامل ولكن بعد أن حقق ما سعى له يجد أنه خَلَف وراءه تجربة بأهداف كان يظن أنها ذات معنى له ولمكنونه النفسي فكلما قارنه ببداية الأمر ونظرته الأولى يجد أن الفارق بين المكنونين غريب ليظل يقارن بين الأخيرة وسالفتها فيوقن أنه سار في سرابه الفكري المظلم الذي كان يظن أن الوميض الذي يشع منه هو الأمل متناسيًا أنه سراب وأنه مظلم فيصلب أفكاره ويلجم نفسه في ساحة الواقع المجتمعي تجره معها أينما كانت.

بين أسير للخوف والصدمة وملجوم يعيش هؤلاء ونحيا نحن في واقع يقارب نفس الفكرة ولكن بحكايات أخرى نحن أبطالها نسير في بداية الأمر واهمين أننا نملك المعرفة لينتكس الأمر في النهاية ونرى أننا لا نملك سوى الجهل فيكون السؤال من أين نسير ومن أين البداية ومن أين تولد الطمأنينة الحقيقية؟ أولم يكن هؤلاء قد خاضوا تجاربهم في بداية الأمر بكل اطمئنان وثقة؟ لتجد أن مكنون الإجابة هو في جملة واحدة (ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل) فبهذه النية تكون كل بداية مشرقة وإن فشلت فلن يأسرك شيء لأنك على يقين أن الله أراد لك الخير فحَادك عنها وأن كل ما هو لك سيأتيك رغم ضعفك وأن ما لم يكن لك لن تناله مهما كانت قوتك، وما عليك إلا السعي وتجديد نيتك لله وما لي أن أقول ليُرثى على حروفٍ ظننت بها أني عاكس مدى ألمٍ ولكن قتلني فيها كل مكتوبٍ أيكون هذا الذي أنا به أم كل إنسانٍ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المعرفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد