يقول الثائر الأرجنتيني آرنست تشي غيفارا: “العالم جائع ولكن ليس لديه المال الكافي لشراء طعام، وإنها لمفارقة أنه في العالم النامي، في عالم الجياع، تُثبّط محاولات زيادة إنتاج الطعام من أجل الإبقاء على الأسعار مرتفعة! إنه القانون المتصلب لفلسفة السلب، وهو القانون الذي لا بد ألا يكون القانون الذي يحكم العلاقات بين الناس”.

الاستغلال والاستبداد والطغيان هم إخوة لعلات؛ أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد وهو الظلم، آفة المجتمعات الشرقية وشجرة التخلف العظيمة وأسّ الداء وأساس البلاء، المستغلون فئة قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، لا يعبأون إلا بتكديس ثرواتهم ولو على حساب دمار مجتمعاتهم، لو كان لأحدهم وادٍ من الذهب لأحب أن يكون له واديان، فلن يملأ فاه إلا التراب كما يقول الأسلاف.

يؤكّد المفكر الإصلاحي الكبير عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902) أن سياسة استغلال المال بطريقة ظالمة حتى يكون دُولةً بين الأغنياء هي من طرائق استعباد الشعوب، يقول في كتابه (طبائع الاستبداد) ما نصه: “الاستبداد لو كان رجلًا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال”!

 

الاستغلال وفلاسفة عصرالنهضة والتنوير

كانت محاربة الاستغلال والمستغلين من أبجديات شروط النهضة لدى فلاسفة عصر التنوير، وعلى رأسهم الفرنسي جان جاك روسو (1712 – 1778) صاحب نظرية العقد الاجتماعي؛ والذي كان يحذّر دائما من خطر تفشّي الاحتكار والاستغلال حتى لا يتحوّل المجتمع إلى بيئة “يرفل فيها أقلية من الأغنياء بالكماليات بينما تكافح الأكثرية لكسب الضروريات”.

معضلة الاستغلال وإشكالية تعريفه ومعرفة حده وجوهره وحصر أشكاله، كانت محل جدل بين مفكري عصر النهضة، فهناك من ربطها بالنظام السياسي للدولة، وهناك من رآها نتيجة لطرائق هيكلة اقتصاد السوق، وهناك من جزم باتصالها بالنسق الثقافي الذي يستبطن القيم السائدة في المجتمع.

وغالبا ما تم استخدام مصطلح “العدالة الاجتماعية” لاقتراح الأسلوب الأمثل لتوزيع الثروات وإدارة الموارد، لكن الاختلاف في تحديد ماهية “الصالح العام” للمجتمع – بين من يرى أولوية الإرادة العامة (المدرسة الفرنسية) وبين من يرى أولوية مصالح الأفراد (المدرسة الإنجليزية) – قد ألقى بظلاله على منهجية طرح ومعالجة مشكلة الاستغلال في كتابات أولئك المفكرين.

تتبع مراحل تطور الملكية الخاصة – كإطار تحليلي – يلقي الضوء على خصلة بشرية فريدة، تلك الخصلة تعكس شعور الإنسان الباطني بسيادته على هذه الأرض، ويبدو ذلك الشعور هو السبب في التطور المستمر لأنماط اكتساب المعيشة كلما تقدم الإنسان درجات في سلم المعرفة، ابتداء من الصيد والاستعانة بالعبيد في العصور القديمة، ومرورًا بالأقنان في إقطاعيات النبلاء في العصور الوسيطة، وانتهاء بمزاولة العمل في المصانع والشركات في العصور الحديثة، لكن الظروف المجحفة للعبيد والأقنان والعمال لم تتمخض – في حد ذاتها – عن صراع ساهم في تغير أنماط المعيشة، بل كان التغير بالدرجة الأولى انعكاسًا لتطور نوعي في المعرفة البشرية.

فالمنطق “الصوري” في التفكير والتصور “الأفلاطوني” للوجود غالبا ما كان يبرر استرقاق الناس في العصور القديمة، واستفحال النظرة “الطوباوية” للكون والنزعة “اللاهوتية” للمجتمع وثيق الصلة بظهور الإقطاع وازدهار مقولات “مملكة الرب” في العصور الوسطى، وانتشار الرؤية العلمية “التجريبية” في فهم الحياة والفلسفات “الوضعية” في النظر للمجتمع يفسر صعود البرجوازية ونشأة المصانع وتكون أنساق أكثر تعقيدًا لأنماط اكتساب المعيشة والإنتاج والعلاقات بين الأفراد.

 

الاستغلال في كتابات كارل ماركس

يعتبر المفكر الألماني كارل ماركس (1818 – 1883) أول من قام بتشخيص معضلة الاستغلال من خلال نظرية قيمة العمل. تنص هذه النظرية على أن “العامل هو الذي يمنح للعمل قيمة”، وهذه القيمة مساوية لكمية العمل التي يبذلها العامل لإنتاج السلعة، وتتكون من ثلاثة أشياء: رأس المال + التكاليف المتغيرة + الفائض.

يجادل كارل ماركس بأن التلاعب بـ”الفائض” هو ما يؤسس للاستغلال، فمن المفترض أن يعاد توزيع هذا الفائض – بوصفه قيمة تراكمية لإعادة إنتاج العمل – بشكل عادل بين كل من صاحب رأس المال (عامل المخاطرة) وصاحب الأرض (رسوم الإيجار) والعامل (المولد الأساسي للقيمة).

والخلل الحاصل في التوزيع يشكل الأساس الموضوعي لظهور النقابات العمالية، حيث يتركز نشاطها على التفاوض مع أصحاب رؤوس الأموال من أجل ضمان نوع من التوازن بين إسهامات العامل في عملية الإنتاج وبين العائد الذي يستحقه من الفائض المتراكم، وذلك في صورة عدد ساعات العمل والمزايا والأجور والتأمين الطبي والإجازات المدفوعة وبدلات غلاء المعيشة والمكافآت السنوية.

لكن نظرًا لضغط التنافس بين أصحاب رؤوس الأموال في السوق الحرة، فإن دافع تعظيم الربح من خلال خفض التكاليف وزيادة الإنتاج فرض منطقا تجاريا لا تبدو نتائجه في صالح القوى العاملة، ويمكن ملاحظة تأثير سياسات تعظيم الأرباح بالنظر إلى استعانة المؤسسات التجارية الكبرى بخبراء “إعادة الهيكلة”، حيث يتم دمج أو إزالة أقسام كاملة بموظفيها واستبدال مصادر خارجية بها لتقديم الخدمات Outsourcing وذلك للتخلص من أي التزامات للقوى العاملة على صعيد الضمانات الاجتماعية أو على صعيد استمرارية الوظائف.

تسارُع التحولات في التكنولوجيا جعل الاستغلال يكشر عن أنيابه بالقضاء على الكثير من المهن والوظائف لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، وذكر جيرمي ريفكن في كتابه (نهاية العمل) أن العالم الآن منقسم إلى طبقتين متمايزتين: إحداهما “أقلية” تتركز في قطاع المصارف وتقنية المعلومات، والأخرى “أكثرية” تمثل الأعداد المتزايدة من الموظفين ممن تم الاستغناء عن خدماتهم، وتقدر عدد الوظائف التي تختفي في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو مليون وظيفة سنويًّا.

 

 

الاستغلال وتأثير اقتصاد المعرفة

يصرح خبير ريادة الأعمال جاكوب مورغان في كتابه (العمل في المستقبل) أن “جيل الألفية” الذي يشكل القوة العاملة حاليًا قد استفاد كثيرًا من التقنية الرقمية في تكوين مهاراته المهنية وتطوير قدراته المعرفية، هذا التطور في الإمكانات الفردية خلق هامشا للتفكير والتخطيط للمستقبل الوظيفي، كما وفر فرصًا للتحرر من سطوة الشركات في صناعة النجاح المهني، ومن المتوقع أن تؤثر الملكات الإبداعية والطاقات الخلاقة لهذا الجيل في الثقافة التقليدية لصناعة القرار في الشركات وتقلبها رأسًا على عقب!

فالموظفون سيتحولون تدريجيا إلى رأس مال مهم للشركة نظرًا لإمساكهم بزمام المبادرة، وتكوين منصات التعاون لحل المشكلات، ومناقشة سبل تطوير الإنتاج، واقتراح سياسات التسويق، وتقييم احتياجات المستهلكين. ورؤساء الأقسام سيكونون بمثابة قناة اتصال لإيصال مقترحات الموظفين إلى الإدارة التنفيذية التي سيتوجب عليها التكيف مع متطلبات تلك المقترحات وأخذها على محمل الجد، ويوضح الرسم البياني أدناه ملامح التغير المتوقع في ثقافة العمل في الشركات حسب رؤية الخبير جاكوب مورغان.


من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير ما بات يعرف بـ”اقتصاد المعرفة” كآلية للتحرر من سطوة الجشع والاستغلال، ثلاثية رأس المال والأرض والعامل استُبدِلتْ بها ثلاثية المعرفة والابتكار وشبكة الإنترنت.

الطابع التشاركي “الأفقي” في اقتصاد المعرفة يتجلى في ثلاثة مظاهر:

  1. سهولة الوصول لبنك المعلومات كمادة خام لإنتاج المعرفة.
  2. غياب الصبغة الاحتكارية عن عملية الابتكار كرأس مال “رمزي” يتحصل بالاجتهاد ومداومة التطوير الذاتي.
  3. إمكانية استخدام شبكة الإنترنت كفضاء للتسويق وعرض السلع وتبادل الخبرات.

أضف إلى ذلك أن معايير قياس الأداء ترتبط بمحددات ذاتية تتمثل في القدرة على الاستفادة من تقنيات الحاسوب، والتعلم المستمر، وتكوين العلاقات والتسويق الجيد، وتحسين المهارات الشخصية.

من جهة أخرى، وفرت العولمة وثورة الاتصالات عاملا مساعدا لنجاح اقتصاد المعرفة تجسد في منح العامل الاستقلالية والمرونة والتحكم بمكان العمل ونموذج الإنتاجية، فالكفاءة المهنية لا تعني إنجاز المهام بجهد أكبر بل “بذكاء أكثر”، وفي هذا الصدد تتوقع شركة “فيرجن ميديا بيزنس” أن 60% من الموظفين العاملين في مكاتبهم حاليا سوف يتحولون للعمل من منازلهم بحلول عام 2022.

نمط الإنتاج في ظل اقتصاد المعرفة أعاد الاعتبار للعامل بوصفه “المولد الأساسي للقيمة”، فالعامل هنا هو من ينتج السلعة ويسوق لها ويبيعها مقابل الثمن الذي يرتضيه ويحصَل قيمتها بالكامل، العامل هنا لم يعد ذلك العبد الذي تم تسخيره للعمل بلا مقابل في العصور القديمة، وليس ذلك الفلاح الذي يعمل باستمرار لدى الإقطاعي مكتفيا بالكفاف في العصور الوسطى، وليس ذلك الموظف الذي يتلاعب صاحب رأس المال بالفائض المتراكم من إنتاجه في العصور الحديثة، صحيح أن اقتصاد المعرفة لا يزال في بداياته ويمثل ما يقارب 7% من الناتج الإجمالي العالمي، لكنه ينمو بمعدل ثابت يبلغ 10% سنويا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد