رغم التحذيرات المتعددة تجاوزت الحافلة حافة المنحدر الجبلي وهوت بمن فيها إلى القاع، فانفجرت مُحدِثةً دويًا يصُم الآذان! إنها نهايةٌ كئيبة حتمًا… أليس كذلك؟ حسنًا يا صديقي، لنعُد أدراجنا عدة دقائق قبيل السقوط.

تخيل معي أنك أحد ركاب الحافلة المشئومة، وهناك أمامكم على استقامة الخط تظهر حافة المنحدر واضحةً جليةً، ولسبب غير مفهوم لم يغير القائد اتجاهه، والأدهى أن الركاب كلهم لم يتفوه أحدهم بكلمة، إذًا من الواضح أنها الآن مسئوليتك لتحذيرهم، وهنا كانت المفاجأة. بدلًا من أن يسمعوا تحذيرك هاجموك بمنتهى القسوة، وبينما يحتد النقاش، لم يُكلِف أي منهم نفسه عناء النظر بنفسه من الواجهة الزجاجية الضخمة التي تشير بوضوح أن النهاية قد اقتربت.

كيف تصف شعورك في تلك اللحظة وأنت تصرخ بجنون محذرًا من النهاية التي تنتظركم جميعًا؟ كيف تحملت وطأة المعرفة، كونك أنت الوحيد الذي تعرف ذلك المسار المنطقي نحو الهاوية؟ وكيف تتذكر تكبيلهم لك، واعتداءهم عليك، وهجومهم لمجرد أنك ترى ما لا يستطيعون رؤيته؟

حتمًا إنها مهمة ثقيلة… وعبء ضخم… إنها يا صديقي لعنة يمكن تسميتها بعبء المعرفة. دائمًا كان امتلاك المعلومات أمرًا يسعى الناس بجهد جهيد للحصول عليه، لكن ما فائدة المعرفة إن كانت ستلقي بأعباء إضافية على كاهلك؟ عبءٌ بأن تواجهك نفسك دومًا بمسئوليتك الأدبية عن كل ما تعلمه، بأن تشعر أن مقاليد الأمور بين يديك، لكنها أبدًا لم تكن يومًا كذلك، أنت تعرف المصير الحتمي الجاثم هناك أمامك ولكن لا تملك أن تغيره.

كما قال الكاتب الشهير ستيفن لوهيد في كتابه حرب الجنة: “إن المعرفة عبء، إذا تم حمله، لا يمكن التخلص منه”، والسؤال المحوري هنا: هل عبء المعرفة يرتبط بالخط الزمني ما قبل حدث معين، فقط؟ أم هناك نوع آخر من عبء المعرفة بشيء ما قد حدث بالفعل؟

في الحقيقة العبء هنا – ولسوء الحظ – يتربط بالحدث بشقيه الزمنيين ما قبل الحدث وما بعده. بمعنى، أن تعرف معلومات محددة قبل وقوع الحدث كان من شأنها الوقاية من حدوث تبعات بعينها، وأيضًا في حالة عدم امتلاكك معلومات بعينها فإن ذلك لن يعفيك في أغلب الظن بأن تلوم نفسك عن سبب عدم امتلاكك لمثل هذه المعلومات التي كان من الممكن أن تغير مجرى سير الأحداث.

أنت في الحالتين محاصرٌ إذًا… للأسف. وقد لخص الأديب أوليفر جولدسميث هذه المعضلة اللانهائية في جملته الشهيرة: “تتلخص معاناة الناس في الحياة بأمرين؛ توقع المستقبل والندم على الماضي”.

أفضل مثال على ذلك ما يحدث الآن في مصر؛ فهناك جهود حثيثة تم بذلها وأثمرت عن مبادرات وأوراق بحثية عن الحاجة الماسة لإعادة هيكلة وتنظيم الجهاز الإداري بالدولة، وأن تكون الترقيات معيارها الوحيد هو الكفاءة، وأن تقتصر مهام كل جهاز من أجهزة الدولة على وظيفتهم الأساسية، وهذا يرجع بنا بالأساس إلى ضرورة تعريف الوظائف الأساسية بالدولة، و هل هذه الوظائف مطابقة لمثيلات تلك الأجهزة على مستوى العالم؟

هنا تبرز الخرافة الأكثر ترددًا في آخر 6 سنوات من عمر المصريين، وهي أن “مصر ليست تونس”، وأن لمصر خصوصية إقليمية وجغرافية تجعلها تتفرد عن باقي الدول في كل مناحي الحياة. مثل هذه التُرهات يجعلك تدرك الحجم الفعلي للمأساة، فهناك من يعتقد – بصدق – بأن لمصر خصوصية تجعلها فريدة في كل شيء، نحن الأساس في كل المجالات، إذن لن نستورد معلومات جديدة، سنكتفي بما هو موجود، فهو في حالته المثالية. لكن هل يدرك هؤلاء المُدَعون بأن عصر السماوات المفتوحة والتكنولوجيا الحديثة قد يتسببان بموجة تغييرات تودي بديناصورات القرن الحادي والعشرين إلى نهايتهم المأساوية لأنهم لن يتمكنوا من التكيف مع هذه التغييرات؟

ما الذي يجعل مؤسسة من أهم مؤسسات الوطن، وهي وزارة الداخلية؛ تتشعب في شتى نواحي الحياة لدرجة أن ينتهي الحال بأدائها بأن يتم اختراق الترتيبات الأمنية في مطار شرم الشيخ الدولي وتحدث فاجعة تفجير طائرة ركاب مدنية روسية تحمل 224 نفسًا على متنها؟

هنا تكمن المعضلة.. أنك قد تعلم شيئًا ما مهمًا، وتدعو إليه أصحاب القرار مرارًا وتكرارًا، ولكن لا مجيب. أنت تنادي بأعلى صوتك بأن الجوازات والمرور والسجل المدني والدفاع المدني مكانهم الطبيعي – كما يتضح من أسمائهم – أن يتولى مسئوليتهم وزارة مدنية، بل إن الأمر قد يمتد ليشمل شرطة البيئة والتموين والكهرباء والنقل والمواصلات أيضًا. ربما إن تم التركيز على المهام الرئيسية لهذا الجهاز الحيوي بدلًا من تفريغ طاقاته في مناحٍ عديدة، كان أصحاب المهام المحورية فيه سيضطلعون بالدور الأكبر من تأمين البلاد، بعد دورات تدريبية يجتازونها، ومراقبة لأدائهم، وتطوير من وسائل وإجراءات أعمالهم.

كان من الممكن وقتها أن ينشغل أحد الضباط بمراقبة الأمتعة التي يتم تحميلها على الطائرة،وينهي بسرعة تفتيش كافة الرحلات، بدلًا من انهماكه في اجتياز إحدى مراحل لعبة كاندي كراش، وأن يتم إعلاء قيم المحاسبية والمسئولية ليكون كل فرد مسئولًا عن تصرفاته، وليس بنفي أي مشكلة وتصدير الردود المعلبة والجاهزة مسبقًابأن كل ما ترونه من صور مخالفة هو من نتائج الفوتوشوب وفقط.

للأسف الشديد، وبرغم كل التبريرات الهزلية التي نتلقاها من المسئولين عقب كل تقصير، فإن الأمر لم يعد مضحكًا على أية حال. أن ترى وطنك الحبيب الذي نشأت فيه وعشت منذ نعومة أظفارك، وأنت تحلم بمجده ورفعته وتقدمه، هذا الوطن الذي تنشقت فيه نسائم الصباح وأنت في طريقك للمدرسة طفلًا، وتجولت فيه مع أقرانك واستمتعت بجماله وخيراته شابًا، وها أنت تراه الآن يسقط عن الهاوية إلى المجهول. غُصةٌفي الحلق ودموع في العين وتضيق الأرض بما رحبت كمدًا وحزنًا على وطني الغالي مصر.

وبسبب هذه اللعنة التي نحملها في عقولنا من معرفة، فإننا لن نستمتع حتى برحلة السقوط للهاوية… فقط هؤلاء الذين لا يعلمون، سينهمكون في التهليل والتشجيع طوال الرحلة بمنتهى الحماس، منذ بدايتها الأسيفة وحتى نهايتها المفجعة.

استمتعوا بما تبقى يا سادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد