العلم مغرس كل فخر فافتخر … واحذر يفوتك فخر ذاك المغرس
واعلم بأن العلم ليس يناله … من همه في مطعم أو ملبس
– الإمام الشافعي

لفت نظري منذ عدة أيام تنافس بعض أصدقائي بمرح أيّ العلماء الذين نتابعهم أكثر ثقافة وعلمًا، فيقول أحدهم فلانًا أكثر علمًا، ويقول آخر فلان  أكثر علمًا والجميع يضحك، وفي الحقيقة لم أجد حرجًا في ذلك، فهم يدركون جيدًا أن الجميع سواسية،ـ وأن ما نقوم به هو مجرد تنافس في الخير نحفز به أنفسنا فحسب على التعلم والسعي في طلب العلم والمعرفة.

ولكن بعد التفكير مليًّا تساءلت، هل هناك معايير حقًا للأمر؟ هل هناك ما يمكننا عن طريقه أن نقيم الأشخاص ودرجة علمهم؟ ومتى يمكننا أن نقول على الشخص عالمًا؟، ولم ألبث كثيرًا حتى فتحت صفحات الكتب والإنترنت أقرأ عن نظرية الثقافة والعلم لأدرك أبعاد الأمر جيدًا، وبدأت أتذكر سلسلة كيف تصبح عالمًا للدكتور المؤرخ راغب السرجاني التي سمعتها منذ أعوام، ثم وصلت إلى درجات أحسبها هي درجات علم المرء التي يتدرج فيها ويبدأ طريقه في العلم.

1- المتلقّي العابر

يبدأ الأمر بالنسبة للشخص بمجرد معلومات يستمع إليها بصورة عابرة، في التلفاز مثلًا أو عبر صفحات الإنترنت مصادفةً أو أثناء حديث مع أصدقائه، فيخبره أحدهم بمعلومة ما يستقبلها في البداية، ولكن بمجرد انتهاء النقاش فإنه لا يعيرها بالًا وينساها بكل سهولة!

2- الفضولي

يبدو وكأن المستمع بدأ يعير الأمر اهتمامًا ويود معرفة المزيد عنه، فيبدو عليه دافع المعرفة، وتجده يهتم إذا ذُكر الأمر أمامه، يتجاوب معه ويتساءل حوله.

3- الطالِب

وهنا تظهر أعراض حب هذا العلم وطلب المزيد فيه، فيظهر على المرء تعلقه الشديد بعلمٍ ما، فتجده يقرأ فيه كثيرًا، وتجده قد بدأ يتابع جديد الكتب التي تصدر فيه، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي المتعلقة به، ويتابع المدونات والمدونين المهتمين بهذا العلم. يبدأ في الحديث مع أصدقائه حوله ويشجعهم على مشاركته إياه، يبدأ في ادخار ولو القليل من وقته من أجله.

4- الباحث

بدلًا من أن يقرأ كتابًا واحدًا لمعلمٍ واحد أو يتلقى العلم من ينبوعٍ واحد، يبدأ الشخص في البحث والتساؤل عن المزيد والمزيد عن العلم الذي يهتم به، هنا يبدأ في تلقّي المعلومات ليس من مصدر واحد فحسب بل من مصادر عدة، بلا رفض أو تحكيم، فهنا يجمع المعلومات فحسب.

5- العالِم

يدرك هنا الإنسان أنه بعد أن قضى الأعوام في الدراسة وطلب العلم، أنه قد وصل إلى المرحلة الأخيرة وأنه قد جمع أخيرًا من المعلومات ما يجعله مؤهلًا لإطلاق الأحكام وابتكار الجديد والتعليم والشرح، فترى رجاحة عقله وحلقات علمه (ولو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي )، وترى الناس تسأله كثيرًا فيجيبهم وينصحهم بكل تواضع وترحيب، لا يبخل على طلاب العلمِ بشيء!

 وللتنويه، أذكركم أن الأمر ليس له علاقة بالحياة الأكاديمية الروتينية التي تعتمد على الدرجات والامتحانات، ولكن أقصد هنا العلم المقصود بالشغف وحب المعرفة والذي لا يقتصر على العلم الشرعي أو الديني فحسب كما يعتقد بعضكم، لكن العلوم الحياتية أيضًا من اقتصاد وهندسة وطب وغيرهم، وأن هذا أيضًا لا يتربط بمدى زمنيٍ على مدار الأعوام، فكلٌ حسب سعيه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد