لطالما عانت المجتمعات المتخلفة صنوفًا من القهر والذلة والهوان، وتربصت بها ملمات الواقع المرير الذي لا مناص منه، فإن المصاب الأعظم ليس ذلك الذي يحل بالأجساد والأحوال والعيش، بل الذي يقتحم تلك المَلكة المودعة من الله تعالى في الألباب؛ وهي الفكر السليم والمعرفة السوية، فيحولها خلاف الصبغة الخلقية الربانية التي توافق الخير في أبهى صوره ومعالمه.

ولئن أودع الله نور الفطرة أفئدة خلقه، فإنه لابد من صون هذه المَلكة الجِبلّية، وتجنيبها الزوابع الخارجية التي تحاك لغرض قلب هذا النور وإحالته ظلامًا دامسًا.

فكيف تعاقبت الأجيال الإنسانية بين الفكر والثقافة السامية وأضدادها؟ ومن أين تأتي العواصف الفكرية الطاغية المدمرة؟وكيف عاثت خرابًا وفسادًا في مجتمعات محافظة؟ وكيف سقطت الحصون المنيعة تباعًا في شرك تيار كاسح؟ وما الواجب اعتماده لإعادة البناء؟

ظلت المجتمعات تبني أفكارها وخبراتها على مر الأزمان اعتمادًا على أساليب البقاء التي تنبع من الفطرة والأفعال الجبلية، وبعدها التجارب المكتسبة، التي تحسب ضمن إطار العلم المكتسب غير الجبلي، ثم كان لابد من التطوير والرقي والازدهار نظرًا لاختلاف الظروف، وتغير الأزمنة، وتكاثر المطالب، مما حتّم الإكثار من العلوم لسد الثغرات الحياتية والاجتماعية بمختلف أشكالها ومآربها، وكان لافتًا خلال مسار التاريخ لجوء الإنسان القديم للحروب والغزو، في سعيه نحو المادة، مخلفًا وراءه موروثًا فطريًا ثقافيًا أخلاقيًا، تجاوزه في لحظات جموح النفس، والطموح الزائد، والحماس الملتهب، وكانت هذه النزعات تؤول إلى الفشل الأخلاقي الذريع، رغم مكاسبها المادية الهائلة، كما تفضي إلى بناء حضارات تردد صداها عبر التاريخ البشري السحيق، ومن الأمثلة على ذلك الإمبراطورية الرومانية، وقبلها اليونانية، والفارسية وغيرها.

كونت أغلب هذه التجمعات الناجحة تكتلًا واقتصادًا وازدهارًا من جميع النواحي، لكن يعوزها العامل الأخلاقي، لسبب واضح وجلي، وهو التباطؤ في التقدم الفكري الأخلاقي، واكتساب الثقافة السليمة التي تجبر العثرات وتسد الثغرات، وتهدي إلى الثمرات.

ذلك أنه وبالرغم من بزوغ تلك الأفكار مرحليًا، كما حصل لحضارة بابل، التي أنجبت قانونًا ودستورًا ومنظومة أخلاقية، وقائدًاَ أعمل العقل محل السيف في غالب الأحيان، حيث وإن كان اشتهار قوانين حمورابي بعقوباتها الوحشية، إلّا أنّها وضعت سوابق قانونية مهمّة ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، ومنها براءة المتهم حتّى تثبت إدانته، ويضع القانون على المدّعي عبء إثبات ادعائه؛ فإن عجز واجه عقوبة الإعدام، كما انتشرت أفكار حامية للمجتمع وراقية في عصر أفلاطون الفكري الذهبي، يُستشف من حديثه خلال مؤلفَيه «القانون والجمهورية/ أو المدينة الفاضلة» اللذين دسهما هذه الأحلام والأفكار، وكان الحديث عمومًا في نفس المضمار ذا شجون أيام سقراط وأفلاطون وأرسطو، والفلاسفة في عصور وأمصار أخرى، وحضارات أخرى من ضمنها حِمْير وتدمر ومصر وربما المدينة أو الجزيرة المختفية في البحر والتي ذكرها أفلاطون «ATLANTIS أتلانتس» – وهي مدينة أو قارة أسطورية تشير إلى الرقي والازدهار في كافة المناحي، وعلى رأسها العلم والمعارف، كما دارت الحوارات وتعالت الأصوات نظمًا ونثرًا وحِكمًا وأراجيز وسط تجمعات أنظمة قبلية بدوية، سادها التضارب بين الفعل والقول في ميدان الفكر كالجزيرة العربية.

ولم تلح بالأفق أنوار الخير والبِشْر بشكلها الكامل على البَشر والأمم كافة، إلا بعد نبوة سيد المرسلين وخاتم النبيئين، الذي قال عنه رب الكون «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»؛ أي رحمة في إزالة الظلم وترسيخ الخير، بمعناه الشامل، وتوطيد أسس البناء الاجتماعي والمجتمعي ودعائمه الثابتة، وهذا كان إقرارًا وإيذانًا، من الله تعالى لإكمال النعمة، بعد أن حملت الرسائل والرسل السابقة مشاعل الفتح المبين، والخير العميم، والهداية الخالدة التي لم تكتمل أواصرها وأركانها إلا بعد نشر الإسلام الذي حوى منظومة أخلاقية متكاملة الجوانب والمعاني ومحيطة للجانب الدنيوي، متعدية له إلى الجانب الأخروي، وهذا من أرقى وأسمى المظاهر الفكرية من ناحية الأدب والموروث الإنساني عقلًا ونقلًا.

فنجد أن الإرشاد تناول التدبر في الكون والذِّكر ونفس الإنسان، وهذه ثلاثية لتحصين الوجود بمعرفة المعنى فيُجتنب الزلل والزيغ والانحراف، قال الله جل ذكره «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق». وقال: «أفلا يتدبرون القرآن» وقال «وفي أنفسكم أفلا تبصرون». وكل هذا أمر للنحو نحو المنحى الأخلاقي لترسيخ القيم، وتوطين أعمدة الآداب الراسخة التي تشكل سفينة لمنظومة أخلاقية ثابتة تحمل المجتمعات إلى بر الأمان والسلام.

والإشارات إلى الأخلاق التي هي نتاج ثقافة معرفية رائدة كثيرة، قرآنًا وحديثًا؛ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقول عائشة رضي الله عنها: عن النبي الكريم عندما سئلت عن حاله مجيبة باختصار يحيط المعنى وصفًا وتبيانًا؛ «كان خلقه القرآن»، وهكذا نجد بقايا النصوص في الإنجيل والتوراة تشهد على مضمون وهدف ونبل الرسالات السابقة، وما تعرضت له من حيف وتحريف ونهب للأفكار والإرشادات، على أيدي خلَفها.

هكذا تتسع بوتقة الأخلاق لتُحكَى شعرًا ونثرًا وفكرًا، قال الشاعر أحمد شوقي: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وقال: وإذا أصيب القوم في أخلاقهم *** فأقم عليهم مأتمًا وعويلًا.

وبشكلِِ موازٍ جادت القرائح تعبيرًا وتحبيرًا وتقريرًا عن إشكاليات تُعاني منها الأمم والمجتمعات، تصيب الموروث الأخلاقي في مقتل، ومن ضمنها السبب الرئيسي الذي يتجلى في فشل التعليم وضآلة المعرفة وضحالة الأفكار، وفي ذلك يرثي أمير الشعراء أحمد شوقي ذلك المآل الشنيع والمستنقع الآسن الفظيع الذي هوت فيه أمة اتسم دربها بالعلم ومرجعها بالمعرفة، وهي أمة اقرأ، التي حازت قصب السبق في العلوم، وحازته ثانية تاركة له نحو المجهول، فيقول:

من مشرق الأرض الشموس تظاهرت *** مـا بال مــغــــربــهـــا عـلــيــه أُديــلا

يا أرضُ مـذ فـقـد المعـلـــم نـفـســـَـه *** بيـن الشـمـوس وبيـن شـرقــك حِـيـلا

حتى رأيـنـا مـصـــر تخطـو أصبـعًـا *** في العـلــم، إن مـشــت الممـالك مِـيـلا

إن الذيـن بـنـى الـمـســـَلّــة جـدُّهــــم *** لا يـحــســـنــون لإبــرةٍ تـشــكـــيــلا

الغزو الفكري المدمر

عكفت الأمم المهيمنة، بسبب المعرفة المتقدمة، والمنتصرة في الحروب، على غزو الشعوب الضعيفة بطرق شتى، تجلى أقساها في الحملة الثقافية الفكرية التي تستهدف الموروث الفكري الأخلاقي، وتحاول التغلغل في الوجدان لتغيير موازين القوة المستمَدة من الدين والتاريخ والتراث ومحاولة قلع جذورها، لإحلال الأوهام السلبية مكانها، ترسيخًا لقوة وسطوة هولاء الغزاة وتثبيتًا لضعف الضحايا أدبًا وفكرًا وإنتاجًا.

ذلك أنه لم تقم لأمة قائمة إلا بالعلم والمعرفة، سواء كانت دينية أو دنيوية والأمة الإسلامية تزدهر بالعلوم والمعارف المتنوعة والقوانين الربانية التي تحفظ كيان البشر وتبقيه على الجادة الصحيحة فلا تتقاذفه الأهواء ولا الأوهام، ما لم يتم الانسلاخ من عباءة هذا القانون السامي، والابتعاد خارج الحصون، وهو ما حدث فعلًا للأمة الإسلامية، فزُج بها في أتون صراع أخلاقي حضاري، عنوانه التقدم الضروري لمسايرة العصر، لكنه تقدم أجوف لا تكبحه الأعراف ولا القوانين، بل يستسلم لتيارات لا متناهية في الانحلال والانحطاط والانبطاح.

وعملت الأمم المتفوقة على استغلال نقاط القوة لديها ونقاط ضعف الخصوم، فاكتسحت الإعلام، وصدرت أنماط الثقافة البديلة وزينت مخادع الإغراء بأساليب خداعية لا حصر لها، كما عملت في الأساس على تنصيب أنظمة تفي بمتطلبات المشروع، فوضعت الأيدي في النهاية على التعليم، الذي هو منبع ازدهار وتقدم الأمم، وجذوة وقودها.

خراب الغزو الثقافي وفشل التعليم

يشعر المرء المتعلم ذو الثقافة الجيدة بالجهل في بيئة متخلفة، لا تناسب طموحه وأفكاره، ففي خضم الآراء الجوفاء وادعاء المعرفة السائدين في جو التخلف، لا تجد مناصًا من الفرار، أو محاولة بيان الطريق السليم، للمعرفة السليمة، التي تبدأ بطلب جاد للعلوم ، وليس الفشل الذريع في التعلم، ثم الشعور بالمعرفة الهائلة، والقدرة على اقتحام ميادين المعرفة بمختلف أشكالها وأنماطها، فمن أمارات التخلف السحيق لدى المجتمعات الفاشلة تعليمًا نجد ما يلي:

عدم التمكن من اجتياز بعض العوائق اللازمة لبداية الانطلاقة من الأمية نحو العلم، كاللغة قراءة وكتابة وفهمًا، وهي أول باب نحو الثقافة، يصاحب ذلك التجرؤ على خوض أصعب العلوم والمعارف التي تحتاج لطول الوقت والجد والمثابرة في التحصيل، لذلك تجد ضحايا التعليم في المناصب، والمنصات، بل وفي دوائر إصدار القرار، أما العامة من أولئك الضحايا فتجدهم يتحدثون في علوم الدين، كالأصول والرواية والمنطق، والنحو، والبلاغة، بل والفلسفة، وهذه مظاهر تشير إلى جدلية المجتمع المتخلف، أي كثير الجدال والتحقيق، بل والدخول في حوارات عن مواضيع تحتاج لسبر أغوارها لمعارف وعلوم محصلة وتجريب واسع، وتلك هي أمارات الثقافة المبتورة، من شقها المعرفي الضروري، أما أزمات الإبداع والفكر الحر، والتقليد الأعمى وانتشار تصرفات عمياء رهيبة أَتت على اللغة والدين والأخلاق، فعم الفساد الأرجاء، وأصبح المجتمع شبه فريسة تتربص بفريسة، تتقاذفه الأوهام وتتجاذبه الأسقام الفكرية، بينما تقدمت مجتمعات لكونها عالجت المخاطر المحدقة بنظام التعليم، وأولت الأهمية البالغة والجهد الأقصى في سبيل إعادة الأمور إلى مجاريها؛ كسنغافورة، وتركيا، واليابان، وغيرهم.

وهذا المعطى الذي ذكرناه آنفًا شبيه البيت الشعري الذي قيلُه: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا *** ويأتيك بالأخبار من لم تزود.

فلا زال يأتي بالأخبار أحوجها، وبالفوائد أفقدها، وتبدي الأيام جهلًا متراكمًا، في العقول وفي ما تنظر العيون.

إن من أعظم الأسباب للسقوط الأخلاقي، والاستسلام أمام الغزو الفكري، هو ترك الخصوصيات والتخلي عن الدين ومعاداة القيم الربانية التي لا نجاح إلا بها، ففي الحضارات الماضية عكف الفلاسفة والعلماء في خوض تجربة النظر إلى ما وراء الطبيعة أو الميتافيزيقيا سعيًا لفهم أوسع للكون والكيانات البشرية وغيرها، للتوصل إلى مفهوم شامل يدل على نظرة سديدة لمحيطنا كبشر، ولكن لم يأت إلا بثمار ضئيلة ما أغنت رغم مدلولها العقلي الأخلاقي عن أصحابها شيئًا، لأن النقل يأتيك بالمجمل والمفصل ثم يدعك تتدبر في الكون بعد معرفتك به، ويريحك من أتعاب البحث في غوامض لا تقدر عليها.

وعليه فإن الدين حصن منيع من معاول الهدم في مضمار الأخلاق، ومن زاغ عنه هلك، لأنه بلا درع، وهكذا كانت وصية الله تعالى: «لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم»، وقال المبعوث رحمة للعالمين، عليه السلام «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، وقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما «الزم غرز رسول الله، قال عمر نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

لقد سعى من تمسكوا بالأمور وقلدوا المناصب ونالوا الحظوة، في جلب تقدم حضاري يرسي ثقافة القيم والسلوك القويم وينشر العلم والمعرفة ودعائم التقدم وفق منظور عالمي معاصر، فحاربوا الدين، واستهدفوه، وظنوا أن كل النجاح في استيراد ما لدى الآخرين خصوصًا الغرب من أسس حضارية وفكرية وقيم، فجاؤوا بالخلاعة والمجون والفساد المريع أخلاقيًا وأدبيًا وفكريًا، وتركوا العلوم وأسباب التقدم الأخرى، فضلوا وأضلوا وأجهزوا على ما تبقى من رمق ونفس أو كادوا.

نحو علاج ناجع لإعادة البناء

إن ما يتحتم فعله ضد هذا الغزو المدمر للثقافات لم يعد يقتصر على المجتمع وقادته، للتحرك الفوري، بل يستوجب ثورة علمية ونهضة فكرية لتحسين النظر قبل البدء بوضع اللبنات، وهذا لا يتأتى إلا بعد دفع الثمن ومواجهة المصير وبعث الحياة في رماد الموت من جديد، ثم كفاح بدون شكوى أو استسلام في رحلة نحو الرقي والازدهار، وهذه من الأحلام التي راودتني كثيرًا عبر سطور هذا المقال، وأحلام كل من تمكن من النظر إلى حجم الضرر في عقول أفراد المجتمع، وفي المجتمع عامة والأوطان، وكل من تاقت نفسه إلى المجد التليد بالأمس الزاهر، الذي تهاوى بأخطاء عُدّت أخطاءََ يومها، وفي يومنا عدت صوابًا وسدادًا ورشدًاَ.

يقول أمير الشعراء عن حال اليوم، في بيت شعري:

أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصًا جناحاه

وفي نفس القصيدة عن حال الأمس:

وكيف ساس رعاة الشاة مملكة *** ما ساسها قيصر من قبل أو شاه

إن أهم ركيزة لبناء حضاري هي المعرفة، التي تنشأ عن جهود متضافرة في التعليم، بإعمال الشرع لا بإهماله، وإعمال الفكر لا بتعطيله، والنظر في علوم الدنيا جنبًا مع الآخرة، وبصون كرامة البشر لا بسحقها، وبالإبداع لا بالتقليد، وبأن تكون في كل الأحوال خادمًا لا مخدومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد