الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

مع مرور السنوات والعقود والقرون نبتعد أكثر وأكثر عن القيم والمعاني التي تحدد إنسانيتنا وتميزنا كبشر عن سائر المخلوقات ومجتمعاتها التي تحكمها المفاهيم التي يريد البعض بداروينيتهم أن تطبّع معها مجتمعات البشر وتتحاكم إليها عند وقوع الخلاف، فالبقاء للأقوى دون اعتبار لأي شيء آخر الأمر الذي يتناسب كثيرًا مع المشروع السلطوي أو الشمولي الذي تتبناه النخب التي تتصدر بحكم مراكزها القيادية في عالمنا العربي والإسلامي، ولأن التعليم (وأعني بهذا التعليم الحقيقي الذي يزيد من مستوى الوعي وتحليل البيئة المحيطة) هو العدو الأول والقاهر الأوحد لهذا المشروع فيجب صياغة المنظومة التعليمية بحيث تكون خادمة للنظام وتحصر الفرد في نطاق معيّن بحيث يكون غير مؤهل للتمرد على هذه المنظومة.

هذه المنظومة التعليمية تستثمر في أكثر اتجاهين متضادين وهما الاتجاه الإسلامي (السلفي في الغالب) والاتجاه العلماني الليبرالي، سيظهر للمتابع أن هناك صراعًا فكريًا في المجتمع بين الاتجاه الإسلامي والاتجاه الليبرالي، والحقيقة أن هذا الصراع هو في دائرة صغيرة تحت سيطرة النظام، فالأسرة الحاكمة في السعودية التي أسست المملكة السعودية الثالثة لتحكم بالشريعة الإسلامية هي ذاتها التي صُنعت مجموعة قنوات (MBC) على عينها بواسطة وليد آل إبراهيم صهر الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وكذلك قنوات (روتانا) التي يملكها الأمير الوليد بن طلال وغيرها من منابر الاتجاه الليبرالي، هذا فضلًا عن حالة إجماع بأن هيمنة النظام على الدولة بكل مؤسساتها والرقابة الكلية على كل المنابر الحوارية والفعاليات المجتمعية تؤكد على فكرة أنه لا يمكن لفكر أو أيديولوجية أن تنتشر، إلا بموافقة أو ضوء أخضر من هذا النظام، فيكون هذا الصدام بين الاتجاهين في حقيقته أقرب إلى مباريات مهارشة الديوك، والتي تنظمها جهة ما أو جماعة ما.

ولكن وقعت أحداث ساهمت في اختراق هذه المنظومة وخلخلتها إلى حد ما فظهرت أصوات تعارض ممارسات النظام خاصة في فترة التسعينات تعاملت معها السلطات عبر القيام بحملة اعتقالات واسعة اضطر الكثير بسببها للخروج من المملكة، ثم جاءت أحداث ما يُعرف بالربيع العربي، والتي أطاحت بعدة أنظمة ديكتاتورية جعلت أنظار المجتمع الخليجي يعيد النظر في أنظمته الحاكمة.

على المستوى السياسي ظهر التحالف الإقليمي الذي يعرفه الجميع بين أنظمة مصر والسعودية والإمارات ومعهما البحرين، وإن كان هناك الكثير من التساؤلات عنه نظرًا لتباين وجهات نظر اطرافه حول عدة مسائل، ولكن يبدو أنه قد حدث تطور في مصارعة الديوك التي تكلمنا عنها سلفًا، فبعدما كان الهدف هو مجرد على كلمة طرف تعلو على كلمة الآخر أو تحقيق انتصارٍ في مناظرة ما أصبح الهدف هو إقصاء المخالف من الساحة بشكل نهائي، كما أن الصراع لم يعد مجرد صراع بين اتجاهين بل يمكن أن نراه بين أفراد الإتجاه الواحد إلا أن الليبرالي لن يتهم الليبرالي مثله بالإرهاب أو التطرف، بل يتهمه بالخيانة ويصفه بعدو الوطن مثلما حدث مع لجين الهذلول وعزيزة اليوسف وغيرها، كذلك الأمر بالنسبة للإسلاميين أو السلفيين على الأغلب بأن يتم اتهامهم بشيوخ البدعة وأصحاب الخطاب الإخواني المتطرف، أو مثل ذلك مثلما حدث مع سلمان العودة وسفر الحوالي، والذي كانت الحملة عليه قوية؛ لأنها حملت بعض أحقاد الماضي والمواقف السابقة وزاد من حدة الأمر كتابه الأخير الذي وجّه فيه نقدًا حادًا للأسرة الحاكمة وكذلك للمشايخ والدعاة.

ولتوصيف أدق فالذين أعلنوا ولاءهم الصريح والكامل لسلطان الحكم تحولوا إلى مخبرين فتجد الواحد منهم يبحث في المنشورات القديمة لأحد مخالفيه ليعيد نشرها مع وضع تعليقه بأن هذا دليل على فكر متطرف وداعم للإرهاب وأن هذا الشخص هو ضد هذا الوطن، كما فعل أحد الذين يدّعون أنهم من أصحاب الفكر الليبرالي عندما أعاد نشر رسالة قديمة للشيخ محمد العريفي الذي ابتعد عن المشهد تمامًا، وهو ذاته الشخص الذي نشر مخاطبًا الكاتب أحمد بن راشد بن سعيد في منشور له ما معناه بأن عودة الكاتب المقيم حاليًا في تركيا تعني اعتقاله، وعلى الرغم من موالاة الكاتب المعروفة للنظام، إلا أنه تم رفع قضية ضده تتعلق بخطاب متطرف أو شيء من هذا القبيل.

أما المنتسبون للتيار الإسلامي السلفي فكان لهم مساهمة مقدّرة في الطعن في الشيوخ المعتقلين، خاصة الشيخ سفر الحوالي الذي نالته سهام الافتراء والأكاذيب؛ فوصفوه بالمرجئ ومثير الفتن وغيرها، والخسّة ليست في الافتراء عليه بقدر ما هي في أنهم يعلمون أن وضع الشيخ لا يسمح له بالرد عليهم وتفنيد ادعاءاتهم، وقد وصل الحال بأحدهم بأن يشمت فيه وفي غيره بقوله (الحمد لله الذي سلّط عليهم ولاتنا).

هذه النخبة (إسلاميين وليبراليين) اجتمعت على هدف واحد، وهو خدمة السلطة وتطبيع المجتمع مع نزواته ورغباته، هذا الهدف يعمل لأجله الليبراليون ويسمونه (الوطن ومصلحته) ويعمل لأجله الإسلاميون السلفيون ويسمونه (طاعة الحاكم خوفًا من وقوع الفتن) والفتنة هنا هي الحراك الثوري أو ما يشابهه، والخطورة هنا ليست في أن هذا الحاكم حاكم متسلط وينهب أموال ومقدّرات الشعب فحسب، بل الخطورة تكمن في أن تكون طبقة المثقفين خادمة للسلطة وتطوّع العلم والمعرفة لما يرضيها، فالليبراليون تحولوا عمليًا إلى مسوخ لا مبدأ لهم ولا عقيدة، فهؤلاء الذين ينتقدون ديكتاتورية أردوغان وانفراده بالسلطة؛ الأمر الذي يعني غضبًا شعبيًا، هم ذاتهم الذين يرون ممارسات سلطتهم تخدم الوطن ومصالحه، وكل من يعارض هو خائن وعميل أو إرهابي متطرف، أما المشايخ فعندهم طاعة الحاكم من أوجب الواجبات والحرص عليها من الأمور السامية وأعلاها أهمية حتى (إن ضرب الحاكم ظهر المواطن أو أخذ ماله) كما يجوز له قتل ثلثي الشعب طالما رأى في ذلك مصلحة، أما الرعية فلا يجوز لها قول شيء في العلن ولو كان نصيحة حتى لو كان يجاهر بانتهاك حدود الله على الملأ فليس للمواطن، إلا أن يكره منه ذلك، ولكن لا ينصحه إلا في مجلس خاص، وهم سيضمنون سلامة ذلك المواطن بعد نصيحته للحاكم.

المجتمع الذي يحيى بلا قيّم ومبادئ يؤمن بها هو مجتمع حيواني بلا شك والعلماء والمثقفون هم رسل هذه القيم والمبادئ والحارسون لها والحاكم هو الذي يتابع حركة المجتمع وفق هذه القيم والمبادئ، ولذلك يكون الربط في هذا الإطار بين هذه الأطراف ربط أفقي، أي أن الجميع يعملون معًا، وليس رأسيًا، فالحاكمية الأصلية هي للأصول القيمية التي يقوم عليها المجتمع وتكون سلطة الحاكم نافذة في حال التوافق على تحقق تفعيل تلك الأصول، المشكلة في الخطاب الليبرالي ليست في أنه ينسف هذا الأصل فحسب، بل هو يشوه فكرة الوطن نفسها والتي تتعدى المعنى الجغرافي المحض، أما الخطاب السلفي فهو ينسف مبدأ واضح قرره الله تعالى وهو أن الحاكمية لله ولرسوله وأن طاعة الحاكم تكون تابعة لطاعتهما وليس العكس ولذلك كانت إمكانية التنازع بين الراعي والرعية مطروحة وحلها هو الاحتكام للحاكم الحقيقي، حتى في دول الغرب الديمقراطية والتي رضع منها الليبراليون ليبراليتهم تكون سلطة الحاكم سلطة تنفيذية محدودة، ولذلك نرى رجل مثل دونالد ترامب، على الرغم من خطابه الشعبوي التحريضي ضد معارضيه، إلا أنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا لهم؛ لأن هناك قانون يمنعه ويحميهم وهو ذات القانون الذي لم يستطع ترامب بسببه أن يحقق وعده بمنع المهاجرين من البلاد المسلمة بدخول أمريكا لعدة أشهر.

هذا الذي يسمونه فتنة هو في الواقع الحركة التصحيحية التي يجب أن تكون طالما أن طرفًا ما قرر أن يصبح فوق القانون أو أن يطوّعه لخدمته، من المعلوم أنه في الدين الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، وبالتالي يجب محاسبة كل من يخطئ أو يتعدى الحدود، قد يكون الناس معذورون في حال لم يمكنهم إيقاع العقوبة بالحاكم الذي استوجب إيقاعها عليه لتعديه في أمر ما نظرًا لاستبداده، ولكن ليس من الدين شرعنة هذا الاستبداد وجعله مانعًا أصليًا، ومنزلة لا تصلها الحقوق والواجبات ابتداءً.

هذه الحركة التصحيحية تمثلت أيضًا في ردة فعل الناس على ما فعلته تلك المرأة في حفل غنائي، والتي زعم أدعياء العلم والثقافة أنها مبالغة وحالة هيجان على أمر تافه لا يستحق كل هذه الضجة، وهذا أحد دلائل مركزية السلطان، وأن الأصول القيمية التي من المفترض أن تحكم الكل هي مجرد شيء يدور حول فلك هذا السلطان، فهو الذي يحدد متى يعترض المجتمع ومتى يسكت ومتى يرضى وما هو تقدم حضاري، وما هو ليس كذلك مثل الذي يروج له أدعياء العلم والثقافة بأنه عهد جديد في السعودية وهو في الحقيقة (ما أريكم إلا ما أرى) فهو يسمح للمرأة بقيادة السيارة في السعودية ويعتقل كل من تحرك وطالب بهذا.

يقولون بأن هذا هو عهد جديد ملؤه التنوير والثقافة والعلم وحقيقته هو التفسخ والانحلال وإباحة المجون، وكأنهم يقولون أن قيم الأدب والإحتشام والشهامة والأمانة والتمسك بالدين هي نوع من التخلف والرجعية، وأن المجتمع المحافظ هو مجتمع ظلامي، أما النقد والصوت المنادي بالإصلاح والتقويم فهمًا خيانة في حق الوطن (الذي هو ليس الوطن).

هذه المشاهد موجودة في دول أخرى مثل مصر والإمارات وغيرهما، ولكن تمنعني مخافة الإطالة من ذكر الأمثلة وظني بالقارئ أنه بعد التأمّل سيرى ذلك، فالأزمة التي نتحدث عنها تعدت حدود الجغرافيا، ذات الحدود التي تمنع المسلم من نجدة أخيه المسلم والعربي من نصرة أخيه العربي فلم يبق لك إلا أن تكون مثقفًا بدرجة مخبر أو أن تكون ساعيًا على الحق وهذا لم يعد بوسع الكثير أن يفعله، إلا إن استقر به المقام في بلاد الغرب، والتي غالبًا ما تكون أحد الداعمين للنظام الذي يتكلم ضده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حريات, رأي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد