اختلف النّاس على طول الزمان في تعريف التصوف وتحديد موضوعه الأساس، وهذا راجع دائمًا إلى أن التصوف يقوم ويستقي كينونته من التجربة الذاتية الخاصة بالسالك، وكل سالك يختلف عن الآخر بحيث يقدم موضوعًا للتصوف من وجهة نظره هو، لكن المعتمد والمتفق في أمره أن قطب مدار بحث السالك أو المتصوف هي «المعرفة»، بحيث يعتبر المعرفة هي الطريق الأمثل والأفضل للوصول إلى المطلوب، والمطلوب هو «الله» جلّ جلاله.

في هذه المقالة سنتحدث عن حضور المعرفة في المجال الصوفي سواء كامتداد أو كمبحث دار مدار بحث الفلاسفة والمناطقة المتصوفة عليه، فالمعرفة تمثل جزءًا بالغ الأهمية من اعتقاد المتصوفة؛ لذلك كان لزامًا على المتصدي لموضوع التصوف أن يعبر جسر المعرفة أولًا لكي ينطلق نحو بقية الجسور والطرق الأخرى:

أولًا: المعرفة كـ«استمداد»

المدد الإلهي: يرتكز فكر العارف على أن المعرفة هي مدد وعطاء رباني بالأساس عبر الكشف الذي يتجلى به الإله على السالك.
–  النصوص الدينية:بحيث يشكل القرآن وسنة المصطفى -صلى عليه وسلم- منبع ونور الهداية لطريق السالك.
الفلسفات الإشراقية القديمة: يستمد السالك معرفته من النصوص والتراث الفلسفي القديم، خصوصًا الشرقي الممتد على أرض وتاريخ الهند والصين وإيران والترك، بحيث تشكل هذه النصوص مصدر إلهام للعديد من المدارس الفكرية الصوفية، والعديد من الكتابات الفلسفية والأدبية الصوفية، من أبرزها كتابات الحسين بن منصور الحلاج من خلال كتابه الشهير «الطواسين»، وكتابات الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي بالذات «الفتوحات المكية» و«ترجمان الأشواق»، كذلك فريد العطار في رائعته المشهورة «منطق الطير»، والسهروردي في جل كتبه على رأسهم «حكمة الإشراق»، والعديد من الكتب والنصوص والدواوين الشعرية.

زانت هذه الكتابات معارف مثيرة وحكم مغرقة في التأني والتأمل والحكمة والمحبة التي تتداخل مع التصوف الإسلامي كثيرًا رغم تنوعها، وبعض الأحيان تضادها، لم يشكل الاختلاف الإيديولوجي والاعتقادي لدى المتصوفة أي عائق من أن ينهلوا من تراث وحكم البوذيين والمسيحيين وحتى اليهود أو الديانات القديمة. أسس هذا الفعل انفتاحًا معرفيًّا كبيرًا على الفكر الصوفي والإسلامي عمومًا بفوائد جمة، ومد التراث الإسلامي بزخم معرفي مهم وموسوعي.

لكن هذا الانفتاح فتح بابًا كبيرًا من الانتقادات بحيث يعيب الكثير من العلماء والفقهاء –الأصوليين غالبًا– ما برز من  أفكار واعتقادات دخيلة وتُتّهم بالزندقة والكفر، كمثال فكرة «الاتحاد والحلول» و«وحدة الوجود» التي وصفها بعض العلماء بالكفر، ووجب التبرؤ منها ومن صاحبها، وفي كثير من الوقفات على تاريخ الفكر الإسلامي برزت حوادث سببها هذه الأفكار من ما حصل للحلاج والسهروردي وغيرهما الكثير.

ثانيًا: المعرفة كـ«مبحث»

كان للمتصوفة رؤية أخرى حول المعرفة سواء كأداء أو موضوع، فجعلوها معرفة ذوقية لكي يوصل بها، وجعلوا منها معرفة تخرج عن سياج العقل والدليل والبرهان؛ بل ضمن عالم الوجود والأنطولوجيا وما وراء الطبيعة. أيضًا ألبسوها لغة غامضة خاصة قائمة على الرمز والمجاز، وجعلوا حد المعرفة «العجز»، فكان الجنيد قدس الله سره يقول: أشرف كلمة في التوحيد ما قال أبو بكر الصديق: «سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته»*. وقال الحلاّج في حقل المعرفة من كتابه الطواسين: «عرفته بالعجر عن معرفته».

لذلك كان العقل عند المتصوفة غائبًا مع اعتمادهم عليه في بعض الأحيان، واعترافهم به، لكن يبقى محورًا وليس الأساس كما عند العقلانيين أو برهانيين، إذ تعدوه بخلق طور أخرى ما بعد العقل يدخل في دائرة الوجود والشهود «الماورائيات التي تستجلب بالتسليم والمشاهدة».

كان الحلاج أكثر المتصوفة صياغة لهذه الصورة «المعرفة = العجز» فتكون بهذا إقصاءً للعقل والبرهان، واستسلامًا للكشوفات والفيوض الربانية، وهذا سبب اتهام الجابري وغيره من فلاسفة للحلاج والمتصوفة عمومًا بتعطيل العقل، كذلك كان السهروردي يعتقد بأن المعرفة هي ما ارتبط بنظرية الفيض والإشراق، وهي نظرية سادت لدى أهل الفلسفة المشائية الإسلامية كابن سينا والفارابي.

جعل المتصوفة الشهود والإشراق والاستمداد طريقًا للوصول إلى الحقائق من العلوم كلها سواء كانت ظاهرة أم باطنة، وقسموا المعرفة لقسمين: حسية، وعقلية بالرغم من اعتراض الكثيرين على هذا التقسيم، لكنه هو التقسيم الذي طغى اعتمادًا بمحبث المعرفة في كتابات غالب المتصوفة الفلاسفة.

لذلك تبقى المعرفة دائرة واسعة داخل الحقل الصوفي، وتبقى معرفة الله باعتقادهم أسمى ما يسعى له العارف كما اتفقوا، وأن الوسائل تختلف كما ذكر من قبل باختلاف التجارب و الطرق الموصلة، فهناك من اعتمد العبادة والزهد طريقًا، وهناك من اتخذ من الفلسفة والفكر والمنطق طريقًا آخر للمعرفة والوصول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الرسالة القشيرية – عبد الكريم القشيري.
الطواسين – الحلاج.
صرعى التصوف – أسماء خوالدية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد