«يُولِّد الجهل في العادة مقدارًا أكبر من الثقة مما توّلده المعرفة؛ ليسَ أولئك الذين يعرفون الكثير، بل أولئك الذين لا يعرفون سوى القليل، هُم من يُؤكدون بكل ثقة أن هذه المشكلة أو تلك لا يُمكن أن يحلّها العلم»1

ومضةٌ من معرفة، تُؤذي العين التي اعتادت، وألفتْ ظلام الجهل. المعرفة مدى واسع بلا حدود وبلا ملامح واضحة؛ في المعرفة مُخاطرة، وتجاوز، وجرأة لا يتحمّلها إلا الإنسان الذي امتلك شجاعة الإقدام، وهمّة الجهاد والمُعاناة في سبيل الغاية (المعرفة).

الفكر اليومي ينطوي على كثير من المُثبطات، والتفاعل النمطي والروتين الحتمي؛ الذي يجعلنا أشبه بآلات صناعيّة، والإنسان محكومٌ بالمألوف، وبالأشياء التي اعتادها وباتت جزءًا من تكوينه الشخصي؛ لذلك، غالبًا يُعاني هذا الإنسان كالعادة، إذا انتفت تلك العادة يحدث الاختلال؛ اختلال يظهر في سلوكياته التي تتطرف وتضطرب، وعندها يُصبح مهزومًا وبلا حول ولا قوّة.

حيرةٌ وارتباك، عشوائية وتيهٌ مُستمر، دوران في حلقة مُفرغة تُفضي إلى نهاية مأساوية، هكذا ينطفأ الكائن الحيّ، وتتبدد حياته بين مراحل مُتصلة من موت، يُفضي إلى موت نهائيّ، يبدو كنجاة من مُعاناة لا تُحتمل.

المعرفة ليست غاية أو نتيجة نهائية؛ بل هي عملية منهجية تُمارس بوعي وإدراك، أنها أسلوب حياة قائم على مبدأ: «كل شيء مُتعلم، ومُكتسب، والجهل هو أساس أيّ معاناة قائمة، تسقط هذه المُعاناة بالمعرفة»؛ مُعادلة بسيطة، لكنها صعبة التطبيق، كمُعظم الأشياء الحياتيّة حين توضع في حيّز التجربة، فكمّ من النظريات والأفكار العظيمة لم تحتمل سطوة الواقع، لأنها فقدت صلتها به! أو لأنها لم تنطلق من رؤية واقعية، تقوم على دراسة وتمحيص الواقع المُعاش، وصولًا إلى فهمه!

الواقع دائمًا بحاجة لتغيير، وهذه المُشكلة تضعنا أمام تساؤلات لابد منها: «ما الذي يحتاج لتغيير؟ وكيف يحدث التغيير؟ وما هو شكل التغيير؟»، لطالما كان هاجس التغيير مُلحًا، وضاغطًا على وعي ولا وعي الجماعات الإنسانية على مر العصور، وعملية التغيير قد تحدث بمحض الصدفة أو الضرورة، ولأنها كذلك، تكونُ عملية التغيير بلا تغيير فعلي، وقد تُؤدي لنتائج كارثية، وبسبب ذلك تنهار روح الإنسان المعنوية، ويسقط في وهدة اليأس المُميت، وربما كان يكفيه فقط إدراك تلك الحالة – حالة استحالة حدوث تغيير بالصُدفة أو بسبب الضرورة – للعمل وفق منهج واضح ورؤية أوضح، أو عدم الانجرار وراء الوهم، وهذه حالة مألوفة؛ أن يُمضي الإنسان حياته متوهمًا، ومُنقادًا وراء الأشياء المُثيرة بشكلها الخارجي، دون مُحاولة سبر أغوارها، ودون التفكير بمعنى وقيمة كل شيء يُصادفه في عالمه اليوميّ.

لا يُمكن أن تكون المعرفة إلا عونًا، وملاذًا للإنسان ومادة قوته الوجودية، وعلاجًا لمُنغصات حياته التي يكتنفها في أغلب الأحيان، الغموض والتشويش والخراب. وفي عصرنا الحاليّ، المليء بالتشويش، والتوحش المَدني وثقافة الاستهلاك المحتومة، والاغتراب الذاتي، والقَلق المسعور بشأن كل شيء، باتت المعرفة ترفًا، أو وسيلة. أصبحت الدراسة لأجل تحقيق الرفاهية الاجتماعية ضرورة، مُقابل غرابة؛ بل وجنونيّة الدراسة لأجل إدراك معنى الحياة واستيعابها بعيدًا عن تلك الصور النمطية والأحكام المُسبقة التي تُغلف ظواهر حياتنا اليومية المُدهشة، وبذلك تنتفي دهشة الإنسان وتحلّ مكانها الرهبة والخوف والاعتصام بالرأي السائد والعيش بأسلوب التقليد والنمذجة

«سبق أن كتبتُ أنَّه لا توجد صفة أقبح من «الجهل»؛ لأنَّ بإمكانها أن تجرَّ وراءها العديد من الصفات القبيحة؛ بإمكانك أن «تستعبد» الجاهل، ورغم هذا يظنُّ أنَّه حُرٌّ.

الجهلُ حتَّى وإن دخل في الفضيلة، يُحوِّلها إلى رذيلة:

الكرم – مع الجهل – يتحوَّل إلى إسراف.

الشجاعة – مع الجهل – تتحوَّل إلى تهوُّرٍ غبيٍّ.

حتَّى إعجابك بلعبةٍ ما، وتشجيعك لفريقك المُفضَّل، مع الجهل يتحوَّل من متعةٍ وفنٍ، إلى شتائم، وعبارات منحطَّة، وأحيانًا عنصريَّة.

ضع «الجهل» بجانب أيِّ صفة حميدة، ستتحوَّل إلى صفةٍ ذميمةٍ.

ضعه بجانب أيِّ شيءٍ جميلٍ، سيتحوَّل إلى شيءٍ قبيحٍ»2

الجهل حالة مَرضيّة مُزمنة، جماعيّة أو فرديّة، يتم التعامل معها إما بالبحث الجدّي عن علاج، وقبل ذلك عن تشخيص واقعي للحالة، أو التعامل معها بلا مُبالاة تنبع من الكسل أو الخوف.

والعلاج، الترياق الوحيد لسمُيّة الحياة ومآسيّها؛ هو المعرفة، كعمل وجوديّ، فنيّ، يُعطي الإنسان شعورًا عميقًا بالمعنى والقيمة، ويجعلهُ فاعلًا في حياته مُدركًا دوره العظيم على هذه الأرض.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد