العقلية القاصرة التي سادت القرون الماضية – ولا تزال – والتي تجعل من المرأة مجرد متاع، لا رأي له، ولا عقل، ولا قوة ولا قدرة على طلب العلم، والإنتاج، والبحث، والعمران، أورثت جهلًا كبيرًا بأسماء لامعة، كان لها باع وأثر قوي في مجالات عدة، الدينية منها، والدنيوية، من غير أن يتم إنصافهنّ، ولا ذكرهنّ، وإن ذُكرن، فقليلًا مختصرًا، علمًا أن كتب التاريخ قد كتبت تراجمهنّ، وأثنت عليهن، وعلى قدراتهن، بكل صدق ونزاهة، من غير تعقيد، ولا نَفَس سقيم.

وهذا نجم الدين الغزي يقول عن عائشة الباعونية في كتابه «الكواكب السائرة»:

«الباعونية أحد أفراد الدهر، ونوادر الزمان، فضلًا وعلمًا، وأدبًا، وشعرًا، وديانة، وصيانة».

فكأنما يأتي هذا التهميش عمدًا، باسم الدين والإسلام، ليؤصل أفكارًا خاطئة، منعت من تعليم المرأة، وتمكينها وصقل مواهبها، ومعرفة حقوقها، والدين الذي لم يخلُ من نساء عرفن بالعلم، والحكمة، والفطنة والقوة، منهم، ومن أفكارهم القاصرة براء!

وهذه بعض النماذج البارزة، التي كان لها دور عظيم، في عدة مجالات:

1- رفيدة الأسلمية «خيمة رفيدة»:

أول ممرضة مسلمة، وأول جراحة في الإسلام، تلقت مبادئ الطب والتمريض، من والدها الذي كان طبيبًا خبيرًا.

وعلى الرغم من استحواذ الرجال على مجال الطب آنذاك، وقلة النساء فيه، فقد كانت «رفيدة» سباقة إلى إنشاء أول مستشفى ميداني، متنقل في الغزوات، وهو عبارة عن خيمة ينقل إليها الجرحى والمرضى، سميت فيما بعد بـ«خيمة رفيدة».

2- الشفاء بنت عبد الله «أول معلمة في الإسلام»:

من فضليات نساء قريش، ومن القلائل اللواتي كن يكتبن، أسلمت قبل الهجرة، وكانت تعلم نساء المسلمين الكتابة، فضلًا عن كونها طبيبة مشهورة بمداواة الأمراض الجلدية.

سداد رأيها، وحنكتها، وعلمها الوافر، جعلت من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يقدمها في الرأي ويرعاها، وقيل بأنه ولاها أمر سوق المدينة المنورة.

3- أمة الواحد ستيتة «عالمة الرياضيات»:

الفقيهة، والمحدثة، وعالمة الرياضيات، نشأت وعاشت في بغداد، كانت أعلم أهل زمانها بالفرائض والحساب، وكان القضاة يرجعون إليها في ذلك، وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة، أحد أكابر شيوخ الإفتاء في المذهب الشافعي، حتى أشاد بها العلماء.

«فاضلة، عالمة بالفقه، والفرائض، حاسبة من أهل بغداد».

4- مريم الإسطرلابي «مخترعة الإسطرلاب»:

عالمة الفلك، السورية النابغة، عملت في بلاط «سيف الدولة» منذ عام 944 حتى عام 967، فاخترعت الإسطرلاب المعقد، ثم قامت بتطويره، وهو آلة فلكية، تبنى عليها في وقتنا آلة عمل البوصلة والأقمار الصناعية، ومشابهة لطريقة عمل الـ(GPS).

وقد أطلق الفلكي الأمريكي هنري إي هولت، اسم مريم الإسطرلابي على حزام الكويكبات الذي اكتشفه أثناء عمله بالمرصد الفلكي في ولاية كاليفورنيا عام 1990.

5- عائشة الباعونية «فاضلة الزمان»:

أديبة، وشيخة، صوفية، دمشقية، مدرسة، ومفتية.

تجاوز عدد مؤلفاتها الـ30، منها المطبوع والمخطوط، وأكثرها فقد ومن بينها: «الفتح المبين في مدح الأمين»، و«در الغائص في بحر المعجزات والخصائص».

وقد تم ترشيحها للتكريم في السنوات السابقة من طرف منظمة اليونيسكو، بمناسبة مرور 500 سنة على وفاتها.

6- فاطمة الفهري «مؤسسة أقدم جامعة في العالم»:

فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية، لقبت بأم البنين، أسست جامع القرويين بالمغرب، والذي يعد أول وأقدم جامعة في العالم.

منارة العلم والسالكين وأعرق جامعة في التاريخ بنتها امرأة!

كان أكبر كلية تضم المواد الأدبية والعلمية، مثل النحو والجغرافيا، والتاريخ، والمنطق، والحساب والرياضيات والكيمياء، وقد شدت إليها الرحال من جميع أنحاء العالم، كما احتوت على إحدى أقدم المكتبات، التي وضعت فيها أكثر من 4 آلاف مخطوطة.

7- نانا أسماء «مثال للمرأة الأفريقية المسلمة»:

فيلسوفة، وشاعرة، وكاتبة، ولدت سنة 1793 بنيجيريا.

كانت تعلم الأرامل والنساء اللواتي فقدن كفيلهن في الحرب الأهلية، القراءة والكتابة، والفقه وأعمالًا متفرقة، تمكنهن من إعالة أنفسهن.

كتبت عددًا كبيرًا من القصائد من أجل تسهيل تعليم قواعد الفقه، وقد كثر عدد اللواتي يقصدنها، حتى صارت تدرب النساء وتبعثهن إلى القرى، فكونت بذلك شبكة هائلة من النساء المتعلمات المدرسات.

كتبت ما يزيد عن 60 كتابًا، وكانت تتحدث أربع لغات بطلاقة منها اللغة العربية.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، ممن برعن في الأدب، والدين، والعمارة وإدارة الأعمال، (بمفهومها الحديث)، دليل قاطع على دور المرأة في بناء الحضارة، وأنها صالحة لأكثر من الحمل والحضارة فقط.

فمتى يتم إنصافهن يا ترى؟

«يجب ألا نخدع بأن المرأة تبدو في الظاهر صالحة للحمل والحضانة فقط، فما ذلك إلا لأن حالة العبودية التي أنشأنا عليها نساءنا أتلفت مواهبهن العظيمة».

ابن رشد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد